الأحد، 29 نوفمبر 2015

الثروة بين الملكية العامة والملكية الخاصة


سلمان عبد الله الحبيب
من أصعب الأمور التي يمكن تناولها مسألة تقسيم الثروات بين الناس وكيفية إعطاء المال للمستحق ،حتى ظهرت الآراء والاتجاهات التي تقوم على فلسفة خاصة تقتنع بها وتتبنّاها الدول التابعة لها .

وقد تبنّت الفلسفة الرأسمالية الملكية الخاصة باعتبارها غريزة متأصلة في الفرد وجعلتْ الإنسان يسعى بجهد ليحصل -لاحقاً - على نتيجة هذا الجهد المبذول وما يحققه من إنتاج .

أما الفلسفة الاشتراكية والفلسفة الشيوعية فقد ألغتا الملكية الخاصة باعتبار أن كل شيء تملكه الدولة وتقوم – بعد ذلك - بتوزيعه على الأفراد، ولكن الاشتراكية كانت تعطي المال حسب الجهد في العمل، بينما الشيوعية تعطي المال حسب الحاجة الشخصية ،ولكنّنا حينما ننظر للاشتراكية والشيوعية من منظور ماركسي فهما مرحلتان تاريخيتان حتميتان تقومان على إلغاء الرأسمالية  فتأتي المرحلة الاشتراكية في المرحلة التالية ويكون الختام بالمرحلة الشيوعية التي تعد المرحلة الأخيرة لتي تقوم على تأميم الممتلكات في التاريخ الحتمي حسب الزعم الماركسي في مبدئه الدياليكتيكي .

إن الرأسمالية جعلت من الإنسان مجرّد آلة يقوم بالإنتاج ليحصل حسب عمله وجهده ومستوى إنتاجه كل ما يستحق وتساعده الدولة على هذا الدور ؛ ومع ذلك فإنّ الإنسان بهذه الرؤية سيكون قد عمل باذلاً كل  جهده وساعياً لرفع كفاءته في العمل ومستوى الإنتاج ليحصل على حاجته أو ربما يحصل على ما يفيض عن حاجته ، وستساهم هذه الرؤية الاقتصادية أيضاً  في التنافس وإتاحة الفرص عبر التمويل وفتح الأسواق الحرة ولكنّ هذه الرؤية أوجدت الطبقية بين أفراد المجتمع فهنالك من يتضخّم في ثرواته وهنالك من لا يملك قوت يومه وكأنّ الرأسمالية  تنادي بالقوة حسب الفكرة الداروينية القائلة بأنّ البقاء للأقوى ،أو برؤية نيتشه في نظرته لتحقيق الإنسان الخارق ؛ وذلك كله قد جعل الحياة قاسية ومادية بحتة كما عمّق الذاتية والفردية ورغم كل هذا فإنّها  - في نهاية المطاف - تنظر للكفاءة في العمل بالدرجة الأولى بغض النظر عن الجهد والحاجة .

والنظام الاشتراكي أو الشيوعي ساهما في التعاون والاشتراك في الثروة لكنّهما أدّيا إلى إضعاف التنافس وإلغاء غريزة متأصلة في الإنسان وهي التملك ليكون الملك للدولة وبهذا أصبحتْ الدولة هي الرأسمالي المتضخّم مما جعلها تقع فيما حذّرتْ منه حيث ألغتْ النظام الرأسمالي لتقومَ الدولة بهذا الدور وهذا ما أسعد الفقراء الذين سيتساوون مع الأغنياء في ثورتهم البوليتاريّة ، بينما أغضب الأغنياء الذين سينحدرون إلى مستوى الفقراء وأدّى ذلك فيما بعد لثورة الفقراء بعد أن امتلكوا الثروة بالإضافة إلى ثورة الأغنياء الذين سحبتْ منهم تلك الثروة ولكنّ الخصم هنا سيكون الدولة باعتبارها الرأسمالي الوحيد.

وإن تأملنا في الاشتراكية عند إعطائها المال حسب الجهد فإنّ في هذا نوعاً من التعسّف إذ قد يكون الجهد عالياً إلا أنّ الإنتاج قليل، وإذا تأملنا في النظام الشيوعي الذي يعطي حسب الحاجة فهذا قد يؤدي لتوزيع الثروة دون استحقاق فمن تعطيه بما يغطّي حاجته قد لا يكون مجتهدا بمستوى الآخر الذي أعطي مالاً أقل وهاتان النظرتان السابقتان تختلفان عن النظرة الرأسمالية التي تجعل للفرد الحق في التملّك حتى لو كان الجهد أقل أو الحاجة بسيطة فبمقدار سعي الفرد وكفاءته سيحصل على المستوى الماديّ الذي يريده .

لقد أخطأتْ الرأسمالية حينما بالغتْ في الاهتمام بالملكية الخاصة كما أخطأت الاشتراكية والشيوعية حينما ألغتا الملكية الخاصّة .

من هنا أود القول بأنّ توزيع الثروة العادل يجب النظر فيه إلى ثلاثة عناصر أساسية وهي : الجهد والحاجة والكفاءة في العمل ومستوى الإنتاج دون النظر بالدرجة الأولى للخبرة أو المستوى العلمي اللذين قد يكونان مجرّد أفكار ومعلومات لا يتحقّق من خلالهما الإنتاج المطلوب في العمل بالإضافة إلى ذلك فإنّنا يمكن أن نأخذ من الاشتراكية ما يلبي المستوى الأدنى للمعيشة مع الأخذ بالنظام الرأسمالي بعد أن يتم تقليم أظافره وتشذيبه بحيث يكون الاهتمام بالربح مع محاربة الجشع والاحتكار .

وهنا تبرز بعض الأمور على السطح وهي أن الخبرة التي لا تفيد في كفاءة العمل ومستوى الإنتاج لا قيمة لها وكذلك فيما يتعلّق بمستوى التعليم ؛لأن ما يهم الشركات والمؤسسات هو مستوى الإنتاج وما يتم تحقيقه من نجاح وأرباح وعوائد .

 وبهذا يمكن أن نجمل موضوع الثروة بالنظر إلى الحاجة والجهد ومستوى الإنتاج على أن يتم الحفاظ على الملكية الخاصة مع عدم الجشع والاحتكار بالإضافة إلى تأمين المستوى الأدنى للمعيشة لكل المواطنين مع تأميم بعض الممتلكات ليكون بذلك الجمع بين الملكية الخاصة والملكية العامة دون إفراط أو تفريط .  

* سلمان عبد الله الحبيب