في يومٍ ما، سكب رجل ماء غريباً بلون أخضر ورائحة نفّاذة في مجاري منطقته، وبمجرد أن شرب الصراصير ذلك الماء الأخضر تغيّر سلوكهم وأصبحوا يملكون (الوعي)، ومن ذلك الوعي بدأ الصراع بين مجموعة الصراصير.
ومن هنا بدأوا يتساءلون : لماذا نحن موجودون في هذا المستنقع القذِر؟ هل من المعقول أنه لا هدف لنا في هذا الوجود؟ هل نحن نعيش طوال حياتنا في هذا المكان البائس المظلم؟ هل نبقى دائماً تحت رحمة الإنسان؟ هل دورنا محصور بالبقاء في هذا المستنقع، والهرب من مطاردات البشر بالنعل أو بالمبيدات؟ ومن خلال تلك التساؤلات الفكرية تكوّنت الفرق المختلفة.
وقد كانت الفرقة الأولى بقيادة صرصور طاعن في السن بدأ يحدثهم عن الدنيا وعن الابتلاء فيها، وعن ضرورة الصبر، وبأنّ هنالك غاية من وجودنا فنحن لم نُخلق عبثاً، كما حدّثهم عن ضرورة الالتزام بالأخلاق الفاضلة، وعدم الاعتداء على الآخرين، وغض البصر عن إناث الصراصير الذين لا يمتّون لهم بصلة قرابة، وسمّيت هذه الفرقة بفرقة (المعنى).
أمّا الفرقة الثانية فقد كانت بقيادة صرصور متمرّد حيث أسّس فرقة تؤمن بعبثية الوجود وبعدم وجود المعنى في هذه الحياة، وبأنّ مجتمع الصراصير غير قادر على مواجهة ظلم الإنسان، لكنهم - مع ذلك- يقدّرون المرأة في مجتمع البشر؛ لأنها تهابهم، وتشعرهم بالفخر والعزّة؛ لهذا فهم يؤيدون (حقوق المرأة البشرية)، وسميت هذه الفرقة بالعبثية.
والفرقة الثالثة كانت بقيادة أنثى قوية الشخصية تطالب بحقوق أنثى الصراصير، وتحرّض الإناث على المطالبة بحقوقهن وعدم الخضوع للذكر، وتدعو إلى عدم التمييز على أساس (الجنس) وكان يطلق على هذه الفرقة بالأنثوية.
وهنالك فرقة رابعة كانت بقيادة مجموعة هادئة من الصراصير لا شأن لها بالصراعات الفكرية، وكان يُطلق عليهم(شهود العصر)، وكانوا يزهدون في الدنيا، ولا يشاركون في أماكن اللهو والطرب، وقد كان يكفيهم القليل من فضلات الإنسان ليعيشوا بها شهوراً طويلة دون أن يطلبوا المزيد.
أمّا الفرقة الخامسة فقد كانت بقيادة شاب متهوّر يحاول إقناع مجتمع الصراصير بالخروج من هذا المستنقع القذر، وقد أقنعهم بذلك فعلاً، فخرجوا من مستنقع المجاري إلى الخارج، ولكنّ أغلبهم ماتوا بعد خروجهم، إما بالدهس أو بالمبيد الحشري أو بسبب انعدام الماء والغذاء المناسب، وتمت تسميتهم بفرقة (الانشقاق).
وبعد أيام قليلة دخلت تلك الفرق في صراعات كثيرة جداً، ففرقة (المعنى) كانت تحرّض ليل نهار على الفرقة العبثية والفرقة الأنثوية، كما لم تسلم - كذلك - فرقة (شهود العصر) من تحريضهم، بالإضافة إلى ذلك كانوا يلعنون فرقة (الانشقاق)، ولا يترحّمون عليهم ؛لأنهم كفار، حيث ألقوا بأنفسهم إلى التهلكة.
وفي المقابل كان للفرقة الأنثوية موقف من فرقة المعنى حيث إنّهم يقفون في طريق تحقيق الإناث لمطالبهنّ، وكانت هذه الفرقة الأنثوية شرسة في مطالبها، حتى أنها أثارت حفيظة المحافظين في مجتمع الصراصير.
أمّا فرقة (شهود العصر) فكانوا يرفضون كل تلك الصراعات، لكنّهم لم يكونوا بمنأى عنها، حيث حاول بعضهم الانتقام والقتل، بعد أن وجدوا أنهم مستهدفون من الجماعات الأخرى.
وهكذا بدأت معركة ضروس بين تلك الجماعات بعد أيام قليلة جداً، حيث أفنت بعضها بعضاً بعد أن امتلكت (الوعي)، ولم تبقِ تلك الحرب العشواء إلا ذلك الشيخ الطاعن في السن، الذي كان يخطب فيهم خطبة عصماء، تحث على العودة إلى الصواب، وعدم اتباع سبل الشيطان، وبألا يستجيبوا للمؤامرة الخارجية، التي تريد إفناء مجتمع الصراصير من الوجود، وما أن أكمل هذا الناجي الوحيد خطبته حتى برز إليه أحد مريديه فقتله، فنظر إليه الشيخ الطاعن، وهو متأثر من لعنة (الوعي) التي أفسدت حياتهم، قائلاً له: (حتى أنت يا بروتس!).
 |
| الكاتب/ سلمان عبد الله الحبيب |