الأربعاء، 31 ديسمبر 2025

عقلان متوازيان!

 اعتدنا على القول الجازم بعدم اجتماع النقيضين، مع أنّه تمّ نقض ذلك بالفلسفة المادية الجدليّة، التي تثبت أنّ النقيضين يجتمعان، ولكنني لن أدخل في هذا الصراع الفلسفيّ، بل سأسلّط الضوء على جانب في شخصية الإنسان، وهو جانب يتسم بالتناقض بين عقلين وهو ما يثبت اجتماع النقيضين.

فللإنسان عقلان متوازيان لا يلتقيان أبداً  ، عقلٌ واعٍ خاضعٌ للتفكير والنقد والتحليل، وعقلٌ آخرُ غيرُ واعٍ وغير خاضع للنقد والتحليل، بل هو موروث ومختزن بشكل عاطفيّ، لا يقبل النقاش؛ لأنّه يعدّ من المسلّمات، التي يصعب وضعها تحت المجهر.  

من هنا قد نجدُ شخصاً ذكيّاً ومتفوّقاً دراسيّاً، بل قد يكون عالماً أو باحثاً، إلا أنّه - مثلاً- مع كل ذلك المستوى العلميّ، نراه يغتسل ببول البقر ويطلب من خلاله البركة والغفران، ولو ناقشته في مجاله العلميّ ستجده خارق الذكاء، أمّا إذا ناقشته في تبرّكه ببول البقر فستجده يحاربك كإنسانٍ أميّ، وهذا التناقض من الصعب الفكاك منه، فذلك الرجل يفكّر في مجاله العلميّ بكلّ حريّة واقتدار، لكنّه يعطّل هذا التفكير في المجال الآخر، بل يمكن أن يأتيك بأدلّة لا عدّ لها ولا حصر على صحة المجال الثاني الذي يبدو غير عقلانيّ، مما يجعلك في حالة استغراب، بل قد يصل بك الأمر إلى أنّك قد تشكّك في قدراته العقليّة، إلا أنّه - دون شك - يتمتّع بذكاء خارق. 

وهنالك أمثلة أخرى على وجود هذين العقلين المتوازيين، فقد ترى عالماً ألمعياً يؤمن بالخرافات الشعبية السائدة، أو رجل دين يمارس سلوكاً شعبيّاً متوارثاً، أو مثقفاً يتحدث عن الحداثة والتقدّم وفي حياته الخاصة يمارس الدور الرجعيّ، أو إنساناً يتحدث عن الأخلاق الفاضلة ولكنه في حياته العامّة يمارس أسوأ الأخلاق ، أو مثقّفاً يتحدث عن التعايش مع الآخر وهو يمارس الإقصاء في حياته العمليّة، أو مثقفاً يتحدث عن حقوق المرأة وهو أكثر من يبخس المرأة حقها. 

ومن ذلك أيضاً ما نجده من الأشخاص المتقدّمين في السنّ الذين يذكرون الماضي بمساوئ لا عدّ لها ولا حصر، ثم في أحاديثه الأخرى ينسى كل ذلك، فتجد أنّه يقدّس الماضي تقديساً أعمى، بل يراه أفضل من الحاضر.

إنّنا نعيش - دون قصدٍ منّا - ذلك التناقض بين عقلٍ واعٍ قابل للنقد، وعقلٍ آخر (دوغمائيّ) خاضع للعاطفة ولا يقبل النقد، ويتأثر كثيراً بالعقل الجمعيّ أو بالموروث الدينيّ والاجتماعيّ، أو بالجانب العاطفيّ والنفسيّ للإنسان.

وإذا عرف الفرد منّا وجود هذين العقلين، فإنّه يعرف أنّ نقاشه للآخر محصور في العقل الأول؛ لأنه العقل الذي يمكن أن يخضع للنقد، وبالتالي هو عقل قابل للحوار، ويمكن تعديل الأفكار فيه أو الإضافة والحذف، أمّا العقل الثاني فهو عقل موازٍ، ومناقض للعقل الأول، ومن الصعب أن يتمّ تغييره أو تصحيحه، إلا إذا أخضعه الفرد بإرادته الحرّة للنقد الذاتيّ وسلّط عليه الضوء بوعيٍ تام ، لذلك فإنّه من العبث أن يتمّ فيه النقاش والأخذ والردّ؛ لأنّه يتصف بالجمود وعدم المرونة.

ومعرفتنا لهذا الأمر، تجعلنا نعرف متى نناقش؟ وكيف؟ وتجعلنا أكثر تفهّماً لأفكار الناس  اللاشعوريّة التي تفتقد المنطق، دون أن ندخل مع الآخرين في حروب خاسرة من الحوارات العقيمة. 

* الكاتب/ سلمان بن عبد الله الحبيب 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق