![]() |
| سلمان عبد الله الحبيب |
لقد عاش الإنسان منذ فجر الإنسانية متمتّعاً بالحرية المطلقة باعتبارها
حقاً طبيعياً يتصرّف من خلالها بما يشاء وإن اختلف الفلاسفة والمفكرون في طبيعة
تلك المرحلة التي أطلقوا عليها الحالة الأصليّة (State of nature)حيث رآها (هوبز) حالة همجية
تسودها المصلحة الذاتية واتفق معه ( جون لوك) في ذلك إلا أنه اختلف معه بأن تلك
المرحلة مع همجيتها كانت تتمتّع بأسس أخلاقية أما (روسو) فقد رآها مرحلة مسالمة
وديعة خيرة. ولا يعنينا هذا الاختلاف فما يهمنا هو التأكيد على مدى ما كانت تتمتّع
به تلك المرحلة من حرية مطلقة في ظل غياب القوانين ومفهوم الدولة ، ومع كل ذلك فقد
تمّ ترويض هذه الحريات - إلى حدٍ ما - ببعض التابوهات التي تكبح جماحها؛ كيلا يتم
التعدّي على حقوق الآخرين . وبعد أن قضى البشر مدة من الزمن في هذه الحرية المطلقة
التي تضيع فيها الحقوق ؛ سعى إلى اختيار قائد لها ليحافظ لهم على حريّاتهم من خلال
عقد اجتماعي كما أشار إلى ذلك (جان جاك روسو ) إلا أنّني أختلف مع نظرة (روسو)
الذي جعل العامل الاقتصادي هو الدافع لتأسيس الدولة واختيار القائد إذ يرى أنّ
أصحاب الثروات والأملاك سعوا إلى اختيار حكومة تعنى بالحفاظ على حقوقهم وتضمن لهم
المساواة مما أدتْ في نظره إلى المزيد من المعاناة وعدم المساواة حيث أفرزتْ
الطبقية التي جاءتْ من خلال حماية (الملكية الخاصة) .وفي ذلك تجنٍّ على الحقيقة من
وجهة نظري لأنّ الذي دفع هؤلاء الناس إلى هذا التعاقد هو الرغبة في ضبط الحريات
والتأسيس لقوانين تحدّ من الانتهاكات لذلك كانت للدولة شرعيتها من قبل الشعب الذين
هم الأكثرية ولا يمكن للدولة أن تكون مقبولة من الشعب حينما يسعى إلى تأسيسها أصحاب
الملكية الخاصة الذين هم الأقلية وبالتالي ستنتفي رؤية (روسو) التي أقرّ بها في أن
مصدر التشريع هو سيادة الشعب .
وبعد هذا – العقد الاجتماعي - أصبح الحاكم يحافظ على حريات الآخرين ويضبط
سلوكهم بالقوانين التي تحافظ على الحقوق وتطالب بالواجبات ،ومع مرور الزمن أصبح ذلك
الحاكم أو القائد يمارس بعض الاستبداد والقمع ومصادرة الحريّات فضجّ الناس بذلك
ثمّ حاول هذا القائد بعد فترة من الزمن بفرض سلطة دينية تحكم الناس فأصبح يمثل
الله أو كان ابنه أو أنّه مرسل منه ممّا ساعده ذلك على تغليف كل شيء بغلاف ديني
ليجعل الاعتراض على ما يأمر به صعباً وهذا بدوره أدّى إلى ثورة تتحرّك باتجاه
الحريّة التي تطمح إليها الطبيعة البشرية وقد تجلّى ذلك في عصر النهضة (من القرن
الرابع عشر الميلادي – القرن السابع عشر ) أي في أواخر العصور الوسطى ، إذ ساهمت
تلك الثورة الإصلاحية إلى إلغاء الإقطاع والتأسيس لدولة حديثة تقوم على الحريّات؛
إلا أنّ الحريّة المنشودة لم تكن كاملة؛ لأنّ تلك الثورة كانتْ مشغولة بشكل أكبر
بتحسين الوضع الاقتصادي والتحرّر من الإقطاعيّين بالإضافة إلى الاستفادة من
الثروات الطبيعية ثمّ توسّعت الحريّة أكثر في عصر العقلانيةّ (Age of reason) في
القرن السابع عشر الميلادي حيث استمدّ الأفراد القوة من ذاتهم وجعلوا من العقل
إماماً يهديهم ويعصمهم من الخطأ إلا أن هذه الحرية أيضاً لم تتخلص من السلطة
الدينية بما تمارسه من استبداد وإقصاء إلى أن ظهر عصر التنوير في القرن الثامن عشر
الميلادي الذي كانت فيه الحرية في أعظم مراحلها مما أسّس ذلك للحريّات في العصور
التي تليها بما يتلاءم مع متغيرات كل عصر أو حقبة زمنية ، فكانت الديمقراطية وحقوق
الإنسان وتمثيل الشعوب عبر الانتخابات والبرلمانات ومؤسسات المجتمع المدني .
هكذا مرّت الحرية في الغرب عبر هذه المراحل المذكورة آنفاً أمّا في
المجتمعات العربية والشرقيّة فقد مرّت الحريات بعد مرحلة الحرية المطلقة بمزيد من
القمع ،وقد زاد الاستبداد السياسي بالاعتماد على السلطة الدينية وتفاوتتْ
المجتمعات في مستوى الحرية .ولا يكون هنالك انفراج لأمر ما أو تسامح فيه أو إعطاء
صلاحيات للشعوب إلا بنص دينيّ يبرره أي جعلتْ تلك الحكومات من التأصيل الدينيّ
قاعدة لها وهذا جعل الحكومات تتفاوت في تفسير
النصوص إلا أنّ الشيء المتفق عليه هو أن الحرية مؤطرة بالسلطة الدينيّة ؛لذلك لم
يكتبْ - لأي حركة تطالب بالتغيير- النصر المؤزّر ما دامتْ ممزوجة بنكهة غربيّة أو كانت
غير منسجمة مع إرادة السلطة الدينية المرتبطة بالسلطة السياسية مع أن تلك الحركات
المطالبة بالتغيير قليلة وتعدّ شاذة لأن المجتمعات الشرقية كانت -أيضاً - ضمن
الإطار الديني ،وأنا هنا لا أقصد المساس بالدين ولكنّي أتحدّث عن السلطة التي تحكم
باسم الدين والتي جعلتْ المجتمعات العربية والشرقية تتراجع من خلال القمع
والاستبداد كما كانت تمارس الكنيسة مثل ذلك في العصور الوسطى عند المجتمعات الغربية
.
