الاثنين، 31 أكتوبر 2016

الخيال في المنطقة الحرجة


سلمان عبد الله الحبيب
الخيال هو تكوين صور وأفكار جديدة غير مطابقة للواقع لكنّها تستمد عناصرها منه ،أو بمعنى آخر هو جمع عناصر مختلفة من الذاكرة لتكوين شكل جديد مبتكر ويشترك في ذلك جميع البشر. وهو عند الوجوديّين البديل للواقع حيث يمارس الفرد فيه حريته بخلق عالمه الجديد .
 ويمكن أن ينشأ ذلك الخيال عن التمنّيات أو المخاوف أو الهروب من الواقع أو الرغبة الجامحة في الحرّية والتمرّد على الواقع المعاش .
وقد ظهر الخيال في كل اللغات عبر المجاز والاستعارة بشكل يلتقي فيه مع الواقع تارة ، أو بشكل موازٍ للواقع تارة أخرى، كما كان جامحاً في بعض المذاهب الأدبية كالرومانتيكية والرمزية .
وهو لم يكن شيئاً طارئاً بل كان منذ فجر الإنسانية حيث ظهرت الأساطير وتوسّع شيئاً فشيئاً إلى أن أصبح عنصراً مهماً في الفن بل حتى في الابتكارات العلميّة التي جاءتْ نتيجة إعمال المخيّلة الذهنية .
والخيال الذي يقوم على الإبداع والابتكار كما هو في الفنون والاختراعات هو الذي أشار إليه ( آينشتاين ) بأنه أهم من المعرفة لأن المعرفة – حسب قوله – محدودة بما نعرفه ونفهمه بينما الخيال غير محدود، فهو العالم كله وكل ما سيتم معرفته وفهمه إلى الأبد وهو العلامة الأكيدة عنده – أيضاً - على العبقريّة .
وهنالك خيال آخر ، خيال لا يُعنى بالابتكار ، بل يدلّ على خلل عقليّ لدى الإنسان، حيث تظهر لديه تخيّلات ذهانيّة غير مرتبطة بالواقع من خلال الهلاوس والهذاءات كما هو عند مرضى الفصام أو البارانويا.
أولئك المرضى منفصلون عن الواقع ، يرون ويسمعون ويشمون أشياء لا وجود لها في الحقيقة . هم مرضى غير مدركين لواقعهم بل يرون أن خيالهم واقع ؛ فيعيشون في عالم افتراضيّ خلقه لهم عقلهم المريض ؛ لذلك هم في حالة تصادم جنونيّ مع عالمهم المليء بالمعاناة .
وإذا ابتعدنا قليلاً فإنّنا ندرك من زاوية أخرى خيالاً في المنتصف ، فهو ليس خيالاً إبداعياً خلاقاً وليس خيالاً ذهانياً . هو خيال يحدث للأشخاص الذين يتوّهمون المعجزات والكرامات لأنفسهم ويؤوّلون كل ما يحدث لهم بطريقة ميتافيزيقيّة ويرون الأمور الغيبيّة شيئاً مكشوفاً لهم دون حجاب ، وهم يسمعون نداءً إلهياً – كل حين - يأمرهم أو ينهاهم أو يُلفت انتباههم ، ويعيشون – جلّ حياتهم - على تأويلات الأحلام وإشارات الغيب التي يتواصلون بها في حياتهم ، ويأنسون في عالم الخوارق الخاص بهم وحدهم .
أولئك الأشخاص غير طبيعيّين ، لكنّهم ليسوا عصابيّين ولا ذهانيّين، وربما يحظون بحظوة كبيرة بين الناس ويتهافتُ إليهم الكثير للتزوّد منهم والتخلّق بأخلاقهم . هم أقرب إلى عصاب الوسواس القهريّ وأقرب – في الوقت ذاته - إلى الحالة الذهانية في أبسط صورها ؛ لكنّهم متصلون بالواقع غير منفصلين عنه ،ولا يبدو عليهم أنّهم مرضى .هم عند أهل التديّن أتقياء وعند التنويريّين العقلاء أهل جهل وخرافة .
هذا الخيال الأخير يقع في منطقة حرجة يلبس فيه أصحابه ثوب الدين ويعيدون به عصر الأسطورة أو سن الطفولة المبكّرة التي يختلط فيها الواقع بالخيال وممّا يزيد هذه المنطقة حرجاً هو أنّه يلقى رواجاً شعبيّاً في المجتمعات البسيطة .ويكون هذا النوع من الخيال هو الدين عند كثير من الخطباء في منابرهم ممن يلبسون الحق بالباطل ويقومون بتخدير الناس بجرعة أفيون من العواطف الكاذبة والخيالات المبالغ فيها وما يتبع ذلك من حكايات الأحلام وعالم الماورائيات.
ولقد أصبح العقل الجمعيّ يتحمّس لمثل تلك الأفكار ويهرب بها من واقعه في حالة استسلام تام ،ومن يخرج عن تلك الأفكار يكنْ شاذاً عن القطيع محارباً للمقدّس ، مما يوجب التخلّص منه والقضاء عليه .
من هنا يجب أن يفهم التنويريّ الذي يعيش بأفكار الحداثة الواعية أنّ جرعات الأفيون التي أخذها ذلك القطيع كانت متتالية ممّا أدّى بأصحابها إلى حالة إدمانٍ ليس من السهل إخراجهم منها إلا بصحوةٍ حقيقيّة يفيقون فيها من أثر المخدّر وهذا يتطلّب وعياً اجتماعياً ومسؤولية ثقافية على عاتق المثقفين جميعاً لا على فرد واحد يخوض حرباً خاسرة بالإضافة إلى أنّ ذلك يحتاج إلى نظام تعليمي يحفّز على النقد والتفكير ،ونهضة اجتماعية وثقافية وإعلامية تؤدّي إلى الصحوة التي تعيد العقل الجمعي إلى رشده ،وبدون كل ذلك فإنّ الطريق مسدود أمام هذه المنطقة الحرجة التي قد تجعلك نسياً منسياً .
 -------------------------------------------
* سلمان عبد الله الحبيب