السبت، 31 مارس 2018

وصاية المثقّف


يقال:( الحقيقة بنت البحث) وهذا ما يجعل للحقيقة معنى حقيقي لدى صاحبه، ولكنّ الفكر(الدوغمائي) يبدأ بالحقيقة دون البحث، ويرى بأن الحقيقة المطلقة هي التي يمتلكها؛ لذلك فهي لا تحتاج إلى بحث أو شك، وهذا ما يكثر عند أصحاب الأديان المختلفة، الذين ورثوا دين مجتمعهم الذي نشأوا فيه.  
ذلك الفكر الديني والفكر المستمدّ من التنشئة الاجتماعية المتمثّل في الإيديولوجيا يقوم بوصاية على المجتمع ويحاول أن ينتبذ كل فرد يعارضه أو لا ينتمي إليه ؛ لأنه في نظرهم إنسان خارج عن ثقافة المجتمع، وعن الدين الحق. وأصبح لهذه الراديكالية حراس يحمون العقيدة والأعراف والتقاليد، وينفون من أرضهم كل معارض لهم، ممّن يغرّد خارج السرب.
ولقد وقع المثقفون الذين يحاربون هذا الفكر التقليدي في الفخ نفسه؛ فأصبحوا يمارسون الوصاية على أولئك المتعصّبين، الذين لا يقبلون النقاش، ظناً منهم أنهم سيقنعونهم أو يحاولون تغيير بعض أفكارهم، وكان يجب عليهم أن يعرفوا أن الفكر (الدوغمائي) لا يجدي النقاش معه نفعاً، ولا يمكن الدخول معه في حوار، إلا إذا خرج عن هذا الإطار الذهني، وبدأ بالشك المنهجي الديكارتي، أو بما دعا إليه (هوسرل) في منهجه (الفينومينولوجي) بما أسماه ( تعليق الحكم)، وذلك بإلغاء كل الموروثات أو المعلومات الذهنية المسبقة، ليبدأ الإنسان بالبحث عن الحقيقة من خلال وعيه بالذات أو الموضوع، وهي الفكرة نفسها التي أسماها (كانط) العقل الخالص في منهجه العقلي.
أولئك (الدوغمائيون) لا يحاولون البحث في معتقداتهم، ولا يشكون للحظة فيها، ولا يريدون ذلك إطلاقاً؛ لهذا من غير المنطقي أن يجادل مثقفٌ هذا الشخص الذي سيصفه بالمتمرّد الضال، ولن يجنيَ من نقاشه سوى إقصائه ونفيه ورفضه بعد حرب ضروس لا هوادةَ فيها، وهذا بدوره سيولّد ردة فعل عنيفة من المثقفين؛ حيث سيهاجمون هذا الفكر التقليدي بشراسة، وهم واهمون أنهم سينتصرون في هذه الحرب الطاحنة التي لا تبقي ولا تذر، وعليهم أن يعوا أنهم لن يجنوا سوى التعب، فما كل ما يُعلم يُقال، أو كما يقول فولتير: ( هنالك حقائق لا تكون لجميع الناس ولا تكون لكل الأزمنة)، ويكفي أن تقتنع أنت بفكرك، وأن تنفّذه على أرض الواقع كما تحب، وليس عليك أن تقنع هذا المتحجّر في فكره، أن ينصاع لرأيك، أو أن يبحث عن الحقيقة التي آمنت أنت بها، وكما يقول الشافعي:
ولا تعطينَّ الرأي من لا يريــدهُ
فلا أنتَ محمودٌ ولا الرأي نافعُهْ
من هنا جاءتْ الليبرالية؛ لتقرّ بالتعدّدية التي هي السنّة الطبيعيّة في كل المجتمعات، فالحقائق الثابتة نادرة ،والاعتقاد باحتكار الحقيقة تأسيس للوصاية والديكتاتورية والإقصاء.
لقد دعتْ الليبرالية إلى تقبّل الآخر، وآمنتْ بالتعدّد، وهي مرحلة طبيعية وصل إليها الفكر الإنساني الحالي، بعد سلسلة من التجارب، وجد فيها ضرورة أن يكون متسامحاً مع الآخر ومتقبلاً له، حتى لو لم يؤمن بفكره، وهذا تماماً ما أشار إليه نيلسون مانديلا بقوله : ( أنْ تكونَ حراً ليس مجرّد تخلصك من القيود بل هو أن تعيش بطريقة تحترم وتعزّز حرية الآخرين). وفي الواقع، ذلك أمر صعب جداً عند التطبيق؛ فالإنسان دائماً في صراع مع الآخر المختلف، وهذه هي الغريزة العدائية التي أشار إليها فرويد في كتبه المتأخّرة ، والتي أشار إليها أيضاً (برتراند راسل) في كتابه ( السلطة والفرد) ولكن مع كل هذه الصعوبة فإنّ الحرية مطلب لكلّ فرد، بل حتى الدولة يجب أن تمنح الحرية لجميع المواطنين وليس عليها أن تمارس سلطتها – كما يقول راسل - إلا على بعض الأمور الثابتة المتمثلة في العدل والاهتمام بمصادر الثروة العامة والمحافظة على الأرواح والممتلكات وحفظ الأمن ونحو ذلك، أما الأمور الأخرى المتغيرة فيجب أن تترك للأفراد بكل حرية.
إنّ المجتمعات المتحضّرة هي المجتمعات التي تقبل بالتعدّد، لا بأحادية الفكر، ولا بإقصاء الآخر؛ لذلك فإن ما أشاهده في عالمنا العربي والإسلامي من هجوم كل فريق على الآخر هو نوع من التهوّر وعدم النضج وهو بعيد تماماً عن الوعي والتحضّر.
إنّ دور المثقّف أن يضيء الطريق وأن يعبّر عن رأيه وأن يرشد إلى المصادر والحقائق ولكن ليس من حقه أن يمارس دور الوصاية .
لقد فطن غوستاف لوبون في كتابه ( سيكولوجية الجماهير) إلى أثر العواطف في نفوس الجماهير، وأثر الكلمات التي تدغدغ مشاعرهم في تكوين معتقداتهم ، كما أوضح في كتابه ( الآراء والمعتقدات) بأن المعتقدات - سواء كانت دينية أو غير دينية - مبنية على العواطف التي دخلت ضمن أعماقنا وأصبحت جزءً لا شعوريا من شخصيتنا، بعكس الآراء القابلة للنقاش، والتي لم تصل إلى حد المعتقد، فهي تبدأ بالبحث والتحليل، وصولاً إلى الحقيقة. ولو تأملنا ذلك فإنّنا يمكن أن نجد خطيباً مفوّها يتلاعب بمشاعر العامة من الناس ويؤثر فيهم بينما تجد مثقفاً يتحدّث بلسان العقل ويتكلم عن الحرية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية وفلسفة الوجود والصراع الطبقي والمادية والمثالية والواقعية وغير ذلك مما لا يميل العامة إلى سماعه، ويجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت.
من هنا يجب أن يدرك المثقف، أنّ منطق العقل لا يستجيب له إلا من يريد البحث، لا من يعتقد بأنه يمتلك الحقيقة المطلقة، كما عليه أن يدرك – أيضاً- بأنه غير معنيٍّ بإقناع الآخرين بآرائه بل عليه أن يرشد لما يعتقد به وأن يعبّر عن ذاته.
وعلى المثقف أيضاً أن يقبل بالتعدّد باعتباره أمراً حتمياً وهو ما أشار إليه فرويد بقوله:   ( كما أنه لا يمكن إجبار أحد على الإيمان فلا يمكن إجبار أحد أيضا على عدم الإيمان). وليس هذا فحسب كل ما يجب على المثقف فعله بل يجب عليه أن يؤمن بأنّ التقدّم – كما يرى راسل - لا يقوم إلا على الإقرار بالفردية والاعتماد عليها لا على الجماعة؛ فالروح الجماعية تقتل الإبداع ويكون فيها الأفراد كجموع النمل المسيّرة للعمل، وهذا يتفق أيضاً مع رأي فرويد بقوله:( الجموع خاملة وعديمة الذكاء ولا بدّ من سيطرة الأقلية لبناء الحضارة).
ويجب أن يستوعب المثقّف بأن الحقيقة متعدّدة إلا أنها ليست نسبية تماماً بل لا بدّ من وجود بعض الثوابت كما عليه أن يرى بأن الحقيقة هي كل شيء ظاهر للوعي وهي تمثّل رؤى مختلفة للموضوع حسب الغاية والقصد من البحث كما يرى (هوسرل).
 الحقيقة - في نظر (هوسرل)- لا يمكن أن تكون دوغمائية ولا متشككة فهي متغيرة مع وجود بعض الثوابت، ولكنّنا هنا يجب ألا نفهم من هذه النظرة أن يكون الفرد إقصائياً للمتشكّكين اللاأدريين، ولا للمتعصّبين لمعتقدات ما، دينية كانت، أو غير دينية، كما هو الحال في الفكر الشيوعي مثلاً، الذي لا يقلّ في شراسته عن المعتقد الديني المتعصّب.
وهنا يجب أن أشير إلى بعض الناس الذين يقفون في المنتصف بين العقل والدين ويحاولون – بكل جهدهم- عقلنة الدين ويثبتون ما فيه من إعجاز علمي ويأتون بالأدلة المكتشفة حديثاً ليقولوا بأن دينهم قد سبق هؤلاء العلماء بما وصلوا إليه، فهؤلاء مع أنهم يحاولون التنوير، إلا أنهم يغوصون في رجعية من نوع آخر، وهم لم يتخلصوا من تأثير العقل الجمعي فالآراء والمعتقدات تتأثر دون وعي منا بالعرق والبيئة والعادة والزمرة الاجتماعية المتمثلة في المذهب أو الطبقة أو الطائفة أو الحزب ولا يخرج من هذه الدائرة إلى آراء شخصية خالصة مبنية على التأمّل والاختبار إلا النزر اليسير كما يشير إلى ذلك غوستاف لوبون، بل هو يرى أنّ العقل الجمعي والآراء الشعبية هي التي سيطرتْ على السياسة كما حدث في الحروب السياسية والصليبية والدينية بمختلف أشكالها بل لهذه المعتقدات من القوّة ما يجعلها تمارس العدوى النفسية التي تجعل من الأوهام حقائق حتى لدى كثير من المتعلّمين والمثقّفين وحسبي هنا أن أشير إلى هذا الأخير في كتابه الآراء والمعتقدات بقوله : (صفوة الناس القليلة هي الوحيدة ذات الآراء الشخصية وإليهم يعود الفضل في الإتيان بالمبتكرات الحضاريّة ولا نتمنّى زيادة عددها كثيراً؛ لأن المجتمع لا يحتمل هذه الكثرة المتتابعة بمنجزاتها مما يوقعه في الفوضى، والمجتمع يحتاج إلى الثبات الذي يعدّ ضرورياً لبقاء المجتمع بفعل الجماهير قليلة الذكاء التي تقودها البيئة والتقاليد).
إنّ كثيراً ممن حمل مشعل التنوير ليس إلا رجعياً يلبس ثوب العقل، فيحاول أن يجمع بين أمرين متوازيين لا لقاء بينهما، ومع ذلك فهو يجهد عقله لكي يثبت عظمة معتقداته وهذا ليس إلا إهداراً للطاقة لا جدوى منها سوى أنها عَرَضتْ المعتقدات بصورة عصرية ملائمة، وكل حزب بما لديهم فرحون، فالمثقف المسيحي يسعى إلى ذلك ويسعى كذلك اليهودي والمسلم والهندوسي والبوذي والزرادشتي وغيرهم إلى مثل ما سعى إليه ذلك المثقف الذي يريد ألا يخسر موروثه الذي يمثّل اتزانه النفسي وفي الوقت نفسه لا يريد أن ينكر العلم الذي حينما يجد فيه تعارضاً مع معتقده حاول جاهداً أن يطوّع النص الموروث للفكر العلميّ مستخدماً كل الأدوات التي تساعده في ذلك حتى لو شعر في داخله بأنّه يخدع نفسه أو يقوم بالتدليس على الجمهور فهو كمن قال فيهم فرويد: ( كلما زادت المعرفة لدى الإنسان زاد رفضه لمعتقداته الموروثة) إلا أنّه لا يريد أن يخسر الاثنين معاً حتى لو شعر بالتنافر بينهما ، فلا بدّ عنده أن ينتصر الاثنان معاً كيلا يخسر نفسه.
ويشير (لوبون) إلى أن الجموع لا يتم تحريكها بالبراهين العقلية، أما بالعواطف التي تتماشى مع المعتقدات، فيمكن التغلّب عليها على الدوام، فالعقل – رغم قوته  - في تطويع الأمور الطبيعية، إلا أنه عاجز عن تكوين المعتقدات، وهذا ما أشار إليه محمد أركون بقوله: (يكفي أن تغلّف أية فكرة بصبغة دينية حتى تقنع العرب باتباعك).
إنّنا نؤمن بالعقل وقيمته، ولكنّنا بالعقل ندرك أنّ هنالك فروقاً بين الأفراد، وليس من حقّنا أن نكره أحداً على اعتناق أفكارنا، فأصعب شيء على الفرد – كما يقول شكسبير- أن يجبره الناس على أن يكون شخصاً آخر.
العقل يعني أن تكون حراً لا عبداً ، والحرية مسؤولية ومعظم الناس – كما يقول فرويد – يخافون من المسؤولية بينما الجهل دائما ما يكون الوجه الآخر للعبودية كما يشير إلى ذلك المفكر والكاتب عبد الرحمن منيف.
ونحن نرى في الفكر الموروث تعصّباً أعمى لإيماننا وهو ما يشير إليه أرسطو بأنّ العقل الضيّق يقود إلى التعصّب؛ لذلك ينبغي أن يكون المثقف منفتحاً على كل التيارات والأفكار المختلفة، ومن كان التعصّب الأعمى في فكره وسلوكه فعليه أن يكون صادقاً مع نفسه، وأن ينتسب إلى شيء آخر مختلف عن التنوير، وأن يختار لنفسه الموقع المناسب؛ لأن ثقافة التنوير والتغيير ليستْ مجرّد شعارات جوفاء، وليستْ خطباً بلاغية رنّانة، بل هي عمل دؤوب، وفكر متوقّد، وتحرّر من قيود الجماعة، وبناء متواصل دون دخول في معارك ضارية، بهدف أن يقنع ذلك المثقّف الجموع بفكره؛ ليتفاجأ في نهاية المطاف بأنّ المجتمع سيبقى بمختلف الأطياف والتوجهات وسيبقى القليل منهم نخبةً يمكنها التغيير فهل سيكون هو من هذه النخبة؟ أرجو أنْ يفكّر في الإجابة مليّاً قبل أن يقرّر لأن القرار يعني أن تبدأ بمسؤولية تنوء بحملها الجبال.
·        سلمان عبد الله الحبيب