هل تساءلت يوماً عن الشيء الذي يجعلك أنتَ هو أنتَ لا غيرك؟ أي ما الذي
يجعلك تمثّل كياناً مستقلاً مختلفاً عن الآخر؟.
لقد ذهب "ديكارت" إلى أنّ الفكر هو الذي يحدّد الهويّة من
منطلق فلسفته ( أنا أفكّر فأنا موجود)؛ فهو يرى أنّ (الأنا) لا يمكن أن توجد إلا
مع التفكير، وبدون التفكير لا توجد (الأنا)، أمّا "جون لوك" فقد رأى أن
الهويّة لا يمكن أن تتأسّس من العقل أو الفكر كما ذهب إلى ذلك "ديكارت"،
بل تتكوّن الهويّة من خلال الوعي الحسيّ؛ إذ يحدث ذلك منذ طفولتنا؛ حيث كنّا – حسب
رأيه – صفحة بيضاء لا نملك في تلك الطفولة غير الوعي الحسيّ الذي هيّأنا فيما بعد
للتفكير، وبهذا فإنّ الأفكار تُستمدّ من التجربة الحسيّة؛ وهذا يعني أنّها تأتي لاحقاً،
ولا وجود للأفكار الفطريّة ولا لمبادئ المنطق عند الأطفال مثل مبدأ الهوية أو عدم
التناقض.
وذهب "فرويد" إلى أنّ الصراع أساس هوية الشخص؛ إذ يرى أن
الصراع اللاشعوريّ بين "الأنا" و"الأنا الأعلى" و"الهو"
هو ما يحدّد هوية الشخص؛ حيث يمثّل الأنا الأعلى مجموع القيم والمبادئ أو يمثّل
بمعنى آخر الضمير، أما الهو فيمثّل الغرائز والشهوات، والأنا هي الذات الإنسانيّة
التي تحاول التوفيق بين الأنا الأعلى والهو، فهذه الذات، أو هذه الهويّة المتحصّلة
في النهاية، هي نتيجة الصراع بين الأنا الأعلى و الهو، أو بمعنى آخر بين القيم
والغرائز.
وأنا أتفق هنا مع "جون لوك" بأنّ الهويّة تتكوّن في البداية من
خلال (الوعي الحسيّ) باعتبارنا لم نكن نمتلك منذ نشأتنا أدوات التفكير التي تحدّد
هويتنا، ثم بعد مرحلة الطفولة يمكن الحديث عن الهويّة من خلال التفكير كما يرى "ديكارت"،
ومن خلال الصراع كما يذهب إلى ذلك "فرويد"، إلا أنّني أضيف إلى ذلك أن
الهويّة الإنسانيّة تتحدّد من خلال (الانتماء) لجماعة أو طائفة أو فكرة ما، فذلك
يتحيّز لدين وذلك لجنس وذلك لفئة، وآخر يتحيّز لقوميّة ما أو وطن أو قبيلة.
إنّ ذلك التحيّز أو ذلك الانتماء هو ما يجعلنا نُعرف بهويّة ما، فيمكن أن
نطلق على شخص ما بأنه دينيّ أو قوميّ أو وطنيّ أو عنصريّ أو رأسماليّ أو اشتراكيّ
أو نحو ذلك، ولا يمكن لفرد أن يكون غير منتمٍ لفكرة أو مجموعة ما، حتى ذلك الذي
يُطلق على نفسه بأنّه (غير منتمٍ)؛ فهو – شاء أم أبى – ينتمي لتلك الأفكار التي
صنّفها بأنها لا تمثّل انتماءً لأفكار بعينها.
إنّ ذلك التحيّز أو ذلك الانتماء يشكّل الضمير الإنسانيّ، وهذا يدفعنا
لإعادة النظر في رؤيتنا للضمير باعتباره يمثّل الحق المطلق دون تحيّز لفكر أو
جماعة، وقد أشار د. الورديّ في كتابه ( مهزلة العقل البشريّ) إلى أنّ الضمير
متحيّز للجماعة التي ينتمي إليها الفرد، وهو بهذا يؤكّد على عدم استقلالية الضمير
الإنسانيّ، وبالتالي فإنّ الإنسان يمثّل بشكل أو بآخر الفكر أو الجماعة التي ينتمي
إليها، ومن هنا نستطيع القول بأنّ هوية الإنسان تتشكّل من خلال ما ينتمي إليه.
وقد نلمح إلى أمر في غاية الأهميّة وهو أنّ الانتماء حاجة طبيعيّة
للتماسك الذاتيّ ولتماسك المجموعة، وهنالك ميل طبيعيّ لتصنيف الآخرين إلى أصدقاء
وأعداء كما أشار إلى ذلك "برتراند راسل" في كتابه ( السلطة والفرد) وهذا
التصنيف في نظره هو ما يقوّي العلاقة بين الفرد والسلطة؛ حيث تؤكّد السلطة على الأفكار
التي ينتمي إليها الشعب ثمّ يتم التحذير من العدو الخارجيّ الذي قد يكون حقيقيّاً
أو مفتعلاً؛ ممّا يجعل الشعب يزداد في تماسكه وتشبثه بهويّته؛ و يؤكّد – راسل –على
أنّ الخوف من الأعداء هو ما يؤدّي إلى تجمّع الأفراد وزيادة العلاقات الاجتماعيّة،
وبالتالي يؤدّي إلى توحيد المجتمع حيث ينطوي على عقيدة أو قوميّة أو ولاء للدولة. وفي
نظر – راسل- أنّ ما جعل البوذية والمسيحيّة تفشلان هو أنّهما قامتا بالدعوة
للمحبّة والأخوّة لجميع الناس؛ لذا قامتا - فيما بعد- بخلق الآخر المختلف على أرض
الواقع.
من هنا ندرك أن الانتماء حاجة ماسّة للتماسك الشعبيّ، وهذا ما يدفع بعض
القادة الديكتاتوريّن لمخاطبة الشعب بالأفكار التي تدقّ على وتر الانتماء لفكرةٍ
ما، لتوحيدهم ضد الآخر ممّا يجعل هذا القائد شعبوياً يحظى بالقبول والتأييد ويستميل
عواطف الجمهور الذين تهزّهم مثل تلك الخطابات المشحونة بالعواطف الناريّة.
إنّ التحيّزات والانتماءات تجعل من القائد الديكتاتور شعبويّاً، وتجعل من
أوامره نافذة لا تقبل الجدال ولا التباطؤ في تنفيذها، وبمعنى آخر فإنّ الانتماء
يحقّق – بشكل سحريّ- التأييد والقبول للقائد دون حاجة لمارد يخرج من الفانوس لتحقيق
ذلك؛ لهذا تزداد الحاجة إلى فكرة ( الانتماء) أثناء الحروب بدافعٍ وطنيّ أو قوميّ
أو عقديّ أو نحو ذلك، من أجل التماسك وشحذ الهمم، وتظافر الجهود للنهوض بالدولة
ودحر الأعداء الذين توجّه الدولة بأصابعها لمحاربتهم و التبرؤ منهم، وقد ألمح لشيء
من ذلك ابن خلدون في مقدّمته إذ قال بأنّ ( الملك والدولة العامّة إنّما يحصلان
بالقبيل والعصبيّة)، وهو يرى كذلك بأنّ ( الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قلّ أن
تستحكم فيها دولة، والسبب في ذلك اختلاف الآراء والأهواء، وأنّ وراء كلّ رأي منها وهوى
عصبيّةً تمانع دونها فيكثر الانتقاضُ على الدولة والخروج عليها في كلّ وقت).
إنّ كثرة التحيّزات والانتماءات في الدولة يؤدّي – كما يشير ابن خلدون –
إلى تفتّت الدولة، وهذا يدفع القائد إلى توحيد الدولة نحو انتماء ما قد يكون دينياً
أو قوميّاً أو وطنياً أو عرقيّاً أو نحو ذلك؛ ليجعل الشعب متماسكاً صلباً معتزاً
بانتمائه ومقاوماً الآخر الذي يمثّل خطراً
على هويته،
وأرجو ألا يفهم القارئ من خلال ما سبق بأنّ التعدّد مفسدة للشعوب، بل على
العكس من ذلك، ولكنّا هنا نؤكّد على أنّ تعدّد الانتماءات هو ما يؤدّي لتفتيت
الدول لا تعدّد الآراء الذي يحيي الشعوب ويرقى بالدول ويتيح المجال للحريّات،
والفرق بين الأمرين كبير جداً يفوق المسافة من الأرض إلى آخر كوكب في درب
التبّانة.
وهنا يجب أن ننوّه – أيضاً – إلى أنّ تلك الانتماءات أو التحيّزات محدّدة
معروفة بدقة كأن تنتمي الدولة لدين ما أو للولاء الوطنيّ مثلاً، وليست شيئاً عاماً
فضفاضاً شمولياً مثل الأخوة والإنسانيّة إلى غير ذلك من شعارات برّاقة تسحر البعض
لكنّها سرعان ما تتلاشى عند التطبيق؛ لأنّ الواقع الإنسانيّ يريد شيئاً ينتمي إليه
ويمثل له الهويّة التي تجعله مختلفاً عن الآخر فهو حين ينتمي لعرق أو وطن سيكون
مختلفاً عن غيره وهذا ما يجعله يدافع ببسالة عن تلك الهويّة، ولكنّه حينما يكون
إنسانياً أخوياً فهو بذلك لن يكون بهويّة مختلفة عن الآخرين بل يجعله كبقيّة
الناس، وهذا ما لا يفطنه البعض من دعاة الفكر العموميّ الذين يهملون الانتماء المميِّز
للهويّة الذي يجعل الآخرين مختلفين عن غيرهم، وهذا – أيضاً- ما يجعل المشروعات ذات
الانتماء العام تفشل ولا يُكتب لها البقاء؛ لأنها لم تنادِ (الأنا) الخاصّة التي
تنافس الآخر المختلف.
إنّ هذا الاختلاف هو ما يجعل الأفراد يستميتون للدفاع عن هويّتهم، وهو ما
يعني – ضمناً – التعصّب لمجموعة ما أو لفكرةٍ ما، وهو يعني – أيضاً – الموقف من
الآخر المختلف، وإن شئت فهو العداء الصحيّ تجاه الآخر الذي لا ينتمي لمحيطنا، وهو
نداء للأنا المتحيّزة، التي تحاول إثبات وجودها ضد الآخر المغاير، وبهذا
فلا يمكن أن يمتلك الفرد تلك الشجاعة والقوة والدفاع وهو يتساوى مع الآخر؛ لأنه –باختصار-
فقد الشعور بهويّة يمكن أن يصارع من أجلها.
وبما أنّنا أوضحنا أنّ الهويّة ضروريّة للأفراد وبأنها تقوم بشكل عفويّ
بإقصاء الآخر المختلف، إلا أنّه ينبغي التنبيه إلى أنّ هذا الاختلاف يمثّل عداءً
صحيّاً إن صحّ التعبير، فهو يقوم على إشباع الأنا التي ترغب في المغايرة
والاختلاف، وهذا الإشباع صحيّ لأنه يقوم على تغذية (غريزة العدوان) لدى الأفراد
بشكلٍ مهذّب كالذي يتدرّب على المصارعة الحرّة لتغذية هذه الغريزة دون أن يقوم
بإيذاء الآخرين؛ فهو بذلك يعدّ تسامياً بهذه الغريزة الإنسانيّة؛ لذلك فنحن يجب
ألا نجد هذا الاختلاف قد تحوّل إلى عداء بين أبيض وأسود أو بين فئة وأخرى أو بين
طائفة وطائفة أو دين ودين، مع إيماننا بأنّ الانتماء لفكرةٍ أو لمجموعة يعني
الاعتزاز بذلك الانتماء ويعني ضمناً التقليل من الفكر الآخر أو الجماعات الأخرى،
ولكنّ ذلك التحيّز محمود حينما لا يكون عدوانيّاً بل يكون انتماءً طبيعياً يمثّل
الهويّة التي يجب الحفاظ عليها، وقد يلجأ بعض القادة في الحروب إلى جعل ذلك
الانتماء عدوانياً من أجل الحفاظ على وحدة الشعب وقوة البلاد، إلا أنه يجب أن يتمّ
الحفاظ بشكل عام على تلك الهويّة للتماسك والبقاء لا من أجل استعداء الآخرين
والنيل منهم.
