الأحد، 22 نوفمبر 2020

عالم مجازيّ


   ماذا لو كان لدينا جهاز لكشف ما بداخل الناس؟! ماذا لو كنّا نستطيع - فعلاً-كشف أفكارهم ومشاعرهم وما يضمرونه من رغبات؟! أعرف أنّني قد أبدو عابثاً، ولكنْ لا بأس، فلنتأملْ ذلك ولو من باب الخيال العلميّ! لو فعلنا ذلك لاكتشفنا أنّ كثيراً من الناس يختبئ وراء أقنعةٍ لا حصرَ لها، بحيث يظهرون السلوكيّات الاجتماعية المقبولة، ويخفون حقيقتهم إرضاءً للمجتمع، وقد ألمح لذلك "سيجموند فرويد" من خلال بيان أثر التحضّر وسلطة المجتمع في الأخلاق في كثير من كتبه. إنّ الكثير من الناس يتوارى خلف الكثير من الحُجُب فيعيش عالماً مجازياً لا يمتّ لحقيقته بصلة؛ فهو يساير ثقافة المجتمع وعاداته وتقاليده وأخلاقه دون أن يصطدم معه بإظهار ما يقتنع به تماماً أو إبراز ما لديه من أفكار ومشاعر وغرائز وسلوكيّات؛ وهو بذلك يعيش تقيّة ثقافيّة عبر ممارسة حيل دفاعيّة لاشعورية من الكبت، والكذب، والإنكار، والتماهي، والإسقاط، والتبرير، والتسامي، والتحويل، والتحريف، والتكوين العكسيّ، والانسحاب. من خلال ذلك فإنّنا لا نتعجّب حينما نرى شخصاً يظهر السمات الأخلاقيّة التي ترضي المجتمع مع إخفاء حقيقته لكيلا يشعر بالتأنيب أو الاغتراب أو الإقصاء من الثقافة الاجتماعيّة التي ينتمي إليها، وقد يكون في موقفه ذلك مقتنعاً فيكون في وفاق ومراجعة مستمرة، وقد يكون غير مقتنع فيعيش في حالة صراع دائمة وتقيّة ثقافيّة مراوغة وتمثيل دورٍ آخر لا يمتّ له بصلة وكأنّه ممثّل يؤدّي دوراً على خشبة المسرح. وهنالك في مقابل ذلك من يحاول إظهار حقيقته الداخليّة التي قد تكون مخالفةً لثقافة المجتمع؛ لكنّه سيدفع ثمناً باهظاً لتلك الحريّة التي قد تكلفه حياته. ويمكننا أن نميّز موقفين أساسيّين في التعامل مع ثقافة المجتمع وأخلاقيّاته وهما:
 أولاً- المواجهة والتمرّد، ويتصف ذلك الموقف بالحريّة الوجوديّة التي قد تكون عدمية أو عبثيّة، أو تكون حرية ملتزمة بالمعنى الذي يستلزم المسؤولية والإرادة الحرة المسؤولة عن تغيير الواقع دون استسلام لقيود المجتمع الحديديّة التي تفرض نفسها على حريّته وتحدّد له ماهيّته، وقد يدفع الإنسان الثمن الباهظ غالباً، ولا سيّما في المجتمعات المحافظة التي ترفض صدق ذلك الفرد مع ذاته في مقابل نبذ قيم المجتمع وثقافته.
 ثانياً- التصرّف وفق حيل دفاعيّة لاشعوريّة، وهذا الموقف يتخذ أربعة أشكال - من وجهة نظري -على الشكل التالي:
 ١- إعادة التسمية ويدخل ضمن ذلك الإنكار والتبرير والكذب والتحريف فنرى البعض يسمّي الجنس حباً، والخلاعةَ فناً، والابتذال حريةً، والوقاحة جرأة، والاستبداد والتسلط قيادة، والضعف تسامحاً، والعبودية تواضعاً، والعدوان والوحشية قوة، والعنصرية انتماء.
٢- التكوين العكسيّ وقد أشار إليه إلى جانب علماء التحليل النفسيّ عالم اللغة الألماني الفيلسوف "نيتشه" في كتابه (جينالوجيا الأخلاق) فيما أطلق عليه أخلاق العبيد عند أولئك الذين يزهدون نتيجة فقرهم، ويتسامحون نتيجة ضعفهم، أمّا عند علماء التحليل النفسيّ فإن ( التكوين العكسيّ) يعدّ حيلة دفاعية لاشعورية تتصف بقلب الرغبات المحرّمة أو غير المقبولة إلى النقيض، حيث يكون- مثلاً- ذلك الشخص المغرور مخفياً لعقدة النقص التي يشعر بها، أو يكون ذلك الشخص المبالغ في تديّنه -مثلاً- مخفياً لرغباته العدوانية أو الجنسية، وهكذا يتم إظهار الصفات المعاكسة.
٣-التساميّ ويتمّ في هذه الحيلة الدفاعية تحويل الطاقة الجنسية مثلاً إلى طموح دراسيّ أو إبداع فنيّ، أو تحويل النقص البدني إلى تميز ثقافي، أو تحويل حالة العدوان إلى تميز رياضيّ أو عمل مقبول كالملاكمة أو المصارعة أو فنون القتال وهكذا يحاول الفرد هنا جعل غرائزه البدائية أو نقائصه إلى قيم عليا أو إبداع أو طموح ليكون مقبولاً اجتماعياً بينما هو يحاول طمس ما في داخله.
 ٤- الانسحاب ويتم في هذه الحيلة الدفاعية البعد عن كل ما يدعو للألم بإخراج ذلك من الذهن بشكل لاشعوريّ ليأنسَ بما لديه دون أن يعكّر صفو حياته بأمور تدفعه للحزن والقلق ونحو ذلك.
هكذا يعيش الناس إما في حالة تمرّد على المجتمع لتحقيق بطولات فرديّة حرة أو يحاول أولئك الناس التعايش مع المجتمع بحيل دفاعية لاشعورية يتطلّب الكشف عنها شجاعة منقطعة النظير، ويحضرني في ذلك قصة أحد الحكماء مع ذلك الشخص الذي قال بأنه يحب السمك حيث ردّ عليه بقوله: لا تقل أحب السمك، بل قل أحب أكل السمك؛ فالذي يحب لا يقتل.