الخميس، 4 نوفمبر 2021

قراءة في رواية أيقظني الديك




(أيقظني الديك) عمل قصصيّ إنسانيّ واقعيّ للكاتبة القديرة الأستاذة رجاء البوعلي، وتتناول في هذا العمل مشكلة التحرّش الجنسيّ والعنف ضدّ  الأطفال بأسلوبي السرد المباشر وضميرالمتكلّم.

ملخص القصة: 

يتعرّض (جاسر) ابن الحيّ البسيط لتحرّش جنسيّ من معلّم التربية الإسلامية (عبد الرحمن)، فيتحفّظ أهله على الموضوع؛ خوفاً من الانتشاروالفضيحة التي قد تلحق بالعائلة

وتعرف بهذا الخبر جارته (ميّار) كغيرها من أبناء وبنات الحيّ إلا أنّ الموضوع عندها أخذ اهتماماً كبيراً لتصبح فيما بعد ناشطة حقوقيّة تدافع عن الأطفال والنساء ممّن يتعرّضون للعنف والتحرّش والاغتصاب

وتشاء الأقدار  أن تتزوّج (ميّار) من (جاسر) الذي كان طالب دراسات عليا في الخارج، وقد كان يشبهها في الطموح، بالإضافة إلى أنّه يمثّل (القضية) التي كانت تدافع عنها إلا أنّها تُصدم في ليلة الدخول عليه بوجود عدةٍ نسائيّة في غرفته الخاصّة لتدركَ عندها أنّ الضحيّة أصبح -لاحقاًضحيّة بإرادته؛ ممّا دفعها للفرار منه.

ما تناولته القصّة:  

١-القيود الاجتماعية في مجتمعاتنا العربية: فالمجتمعات العربية تتمسّك بالعادات والتقاليد البالية حتى إنّ الفتاة الصغيرة تُمنع من ركوب الدراجة في الطرقات بينما يفعل الصبية ذلك، بالإضافة إلى ذلك فهنالك عنفٌ يوجّه للمرأة والطفل ولا يجدُ المجتمع في ذلك ما يدعوللرفض والاستنكار، وهنالك - أيضاًنظرة دونيّة للمرأة رغم الادّعاء الثقافيّ بالحداثة وبالمطالبة بحقوق المرأة، وقد شهدتْ (ميّار) تلكالازدواجيّة في أخيها (سالم) حيث قالت له يوماً: “تغدق بالكلام المثاليّ لدعم المشروعات الإنسانية وتحفيز التجديد وتغيّر الفكر الاجتماعيّ فيما يتعلّق بريادة المرأة والرجل في مختلف شؤون الحياة، لكنّ الفعل في المواقف هو الميثاق والبرهان على الأقوال والشعارات” فيقول هولها:“ ستجدين القول يتفوّق على الفعل بدرجات”. وشهدت (ميّار ) تلك الازدواجية - أيضاًفي ذلك الشخص الذي يريد الارتباط بها وهو(جلال) الذي قالت له: “ربّما تحاول أن تكونَ نموذجاً عصرياً ولكن … الرجل القديم لم يخرج من أحشائك”.

ولا تقف الضغوط الاجتماعيّة عند هذا الحدّ، فهنالك وأد اجتماعيّ ومعنويّ للمرأة، وقد عبّرت (ميّار) مع صديقتها (أسيل) عن هذا النوع منالوأد، أثناء نقاشهما لموضوع صديقتهما (عبير) التي كان يمنعها زوجها - وهو دارس للعلوم الشرعية - من الكتابة والنشر ، ووافق أخيراً علىأن تكتب باسم مستعار، وفوق ذلك فهو مريض بالشك

ومن القيود الاجتماعية لدينا مقاومة التغيير لكل جديد؛لتمسكنا بأفكارنا القديمة وقد تعرضت الكاتبة لذلك في تناولها لتكريم الأديب الراحل(أديب باكريم)، فهو تعرّض للكثير من الظلم والتنكيل في حياته؛ إذ طلبت زوجته منه الطلاق، وتبرّأ منه والده وحُرم من حق الميراث لأنّه تنويريّ في مجتمع جامد، رافض لأيّ تغيير.

وتتعرّض الكاتبة لنوع آخر من القيود الاجتماعيّة يتمثّل في (النفاق الاجتماعيّ) إذ يظهر الفرد بالمظهر الذي يرضي المجتمع حتى لو كان غيرمقتنع به، وقد أشارت الكاتبة إلى ذلك في المعرض الخاص بالفن التشكيلي الذي كانت فيه (ميّار)، وقد أخبرتها تلك الفنانة التشكيلية المبدعة صاحبة المعرض بأنّ الفن النسويّ يبعد الرجال ممّا جعلها تبتعد عنه، فهي تؤمن بأفكار معينة تريد التعبير عنها، ولكنّ سلطة المجتمع وسلطة الرجل تمنعان من الإقدام على ذلك.

كما تتعرّض الكاتبة لقيود اجتماعيّة تتمثل في ضبابيّة العلاقة بين الجنسين، وعدم وضوح أهداف تلك العلاقة

وتتناول الكاتبة نوعاً آخر من القيود الاجتماعية يتمثّل في قوة الروابط الاجتماعيّة التي تجعل هنالك وصايةً من المجتمع على الأفراد، وهذايتّضح في وصف (ميّار)  لصعوبة الواقع الذي نعيشه حينما قالت لأخيها عن حالة (جاسر): " الصعوبة صنيعة المجتمع بسبب قوة الروابط والتي تخوّل لذاتها الوصاية على الآخرين والرغبة في استنساخهم، وهذا يولّد صعوبة التعبير عن الرأي وكشف المستور، وهذا ظرف خانق لمثل حالة جاسر".

٢الاختلاف بين المجتمع العربي والمجتمع الغربي فيما يتعلق بالجنس والمرأة: 

وتتضح معالم الاختلاف فيما أشارت إليه الكاتبة حينما سافرتْ (ميّار) إلى (روما) للحضور  إلى مؤتمر عالميّ لحقوق الطفل حيث وجدت(ميّار) أنّ الناشطين والناشطات في الغرب ممن يعمل في مجال قوانين حقوق الطفل والتحرّش الجنسيّ يلقون باللوم على المعتدي بينما فيعالمنا العربيّ فإنّ الأمر مختلف؛ إذ كثيراً ممّا يتم إيقاع اللوم على المجنيّ عليه، وجاء على لسان بطلة القصّة قولها فيما نفعله بحقّ الضحيّة:أمّا في واقعنا فيحكم عليه مرتين: واحدة بالدين، والأخرى بالعادات والتقاليد الاجتماعيّة”. 

وممّا جاء في الاختلاف أيضاً ما جاء في القصّة حيث صادفتّ ( ميّار) - في سفرها أثناء عقد مؤتمر حقوق الطفلعجوزاً أراد رسمهافامتنعتْ عن ذلك؛ لأنّها حسب زعمها لا تريد من أحدٍ أن يتحرّى تفاصيلها، ولكنّ الحقيقة التي ترمي إليها الكاتبة هي أنّ المجتمع العربيّ يعيش محافظةً من نوع خاص بشأن المرأة والجنس؛ لهذا يقول العجوز مستنكراً: ألم يحدّق في عينيك عاشق؟فضحكت ميّار وقالت: لم يحِنذلك بعدُ، ولكنّ العجوز لم يصدّقها

ونجد ملامح هذه المحافظة ما جاء على لسان (ميّار) وهي في (روما) إذ تقول:” كلما نظرت إلى هذا السرب، وحاولتُ أن أقنع نفسي أنّنا سندخل الكنيسة بعد عبور كل هؤلاء، إضافة إلى الطقس الحار، أضحك بهستيريا: يخلعون قمصانهم؛ لأنّ الطقس حار، وما لنا إلا الصبر، يا إلهي”.

وفي ذلك السفر نفسه يأتي رجل ويطلب الجلوس في المقعد الشاغر عند طاولة ( ميّار) ويطلب منها مرافقته للمسابح البحريّة لكنّها ترفض ويستطرد ذلك الرجل الغربي في قوله لها بأنّ الفارق بين الشرق والغرب هو أنّ المجتمع الغربيّ مشغول فيه كل فرد بنفسه دون متابعة أحد أو محاولة اقتحام خصوصيّاته، بعكس المجتمع الشرقيّ تماماً، ويخبرها أنّ الروح العربية ما زالت تلاحقها؛ لهذا فهي تبتعد عن السباحة والغطس وغير ذلك.

٣لباس الدين قد يكون غطاءً للفساد والظلم: ويتضح هذا الأمر في قصة معلم التربية الإسلامية (عبد الرحمن) الذي جعل من الدين وسيلةً لتبرير أفعاله المستنكرة من تحرّش بالأطفال ومن شكوك في زوجته ومنعها من الظهور الإعلاميّ ولو بالاسم الصريح

كما يتّضح هذا الأمر - أيضاًفي أنّ المجتمع الشرقيّ يبدو في ظاهره محافظاً متديّناً ولكنّه رغم ذلك يمارس أسوأ الأفعال من اغتصاب وتحرّش قد يمتدّان حتى لضحايا الحروب

وقد تناولت الكاتبة أيضاً هذه القضية في تناولها للمؤتمر الدوليّ بروما والذي كانت فيه بطلة القصة ( ميّار) حيث وجدت الحرب المستعرة بينالنظرة الحديثة والنظرة الدينية للزواج بالقاصرات ووجدت تبريراً من رجال الدين لهذا النوع من الزواج الذي ينتهك الطفولة

ولا يقتصر هذا النوع من التفكير  والسلوك الدينيّ على طائفةٍ أو دينٍ بعينه فهو عند كل المتديّنين بكافة الأديان والطوائف، وفي هذا الأمرتتناول الكاتبة ما يتمّ فعله في الكنائس من تحرّش واعتداءات جنسيّة

٤الهجرة قد تكون مهرباً للمهاجرين: وهذا يتّضح في سفر (جاسر) الذي أكملَ دراسته العليا ليعيش في الخارج؛ هرباً ممّا تعرّض له منذ طفولته من (تحرّش جنسيّ)، وهرب (ميّار) من موطنها لأنّها يئستْ من تحقيق حلمها في تأسيس مكتب للمحاماة للدفاع عن المظلومين وعن النساء والأطفال ومن تعرضوا للانتهاكات والظلم، وهنالك (ناريمان) ابنة الحارة التي هربتْ للخارج هرباً من وضعها الأسريّ فقد عاشتْ مع زوجة أب قاسية، وتمّ ختانها في سن السابعة وتعرضت - كذلكللاغتصاب من قريبات زوجة الأب بينما كان والدها غائباً أغلب الوقت لتجد نفسها في مجتمع جديد وتبدأ بداية جديدة نقمةً على مجتمعها حيث خلعت الحجاب، وأصبحت ذات علاقات جنسيّة متعددة مع الرجال ومع النساء المثليّات وراحت تصوّر نفسها بالملابس الداخلية وتدافع عن المثليّين وعن العاملين في دور البغاء، فتموت في النهاية بجرعة كحول زائدة في بلد المهجر

وبطلة القصّة (ميّار) لها فلسفة خاصّة في تلك الهجرة حيث تقول: “ هنالك قوّة تجذبني نحو الهجرة … الحب، العمل، الدفاع الإنساني، ومعانٍ أخرى” وتقول: “ أرحل لأبقى، أهاجر لأعود لروح المدينة، أسافر لوجوه أخرى، لأثبّت وجود الوجوه الأصيلة في الحارة”. 

٥-الهرب من المجتمع إلى بلد آخر قد يعقّد المشكلة دون أن يكون هو الحل: ويمكن أن نلحظ ذلك فيما حدث لناريمان في موتهاالأخير وما حدث لجاسر الذي أصبح ضحيةً بإرادته في الخارج، وما حدث لميّار التي صُدمت في أول يوم من زواجها لتفرّ بعد ذلك إلى غير رجعة

٦الإصلاح الاجتماعيّ يكون من خلال: تحقيق العدالة تجاه النساء والأطفال، وعدم التفريق على أساس الجنس، وعدم التساهل في الأخطاء الصادرة من الذكور بينما يتم إلقاء اللوم بكل قسوة على الفتيات والنساء، وألا يجد المجتمع مبرّرات دينيّة لأفعاله غير المتناسبة مع المجتمع المتحضّر كما يحدث في زواج القاصرات،  والفتيات اللاتي تعرضت بلدانهنّ للحروب. 


وفي الختام أستطيع القول بأنّ هذه الرواية استطاعت الخوض في جملة من الأمور الاجتماعيّة الجريئة المسكوت عنها لترسم خريطة طريق جديدة مبنيّة على الوعيّ الاجتماعي والشفافيّة والتسامح وعدم التفريق على أساس الجنس وحماية النساء والأطفال من الاعتداء والتحرش والاغتصاب.   

الثلاثاء، 1 يونيو 2021

الهروب إلى الماضي

سلمان عبد الله الحبيب 

كلنا شاهد في فترةٍ ما من تاريخ حياته مشهدًا سينمائيًا، أو فيلماً، أو مسلسلاً يتناول رحلة الإنسان عبر الزمن، من خلال آلة خاصة بتلك الرحلة المفعمة بالخيال الجامح. وكثيرٌ منّا -أثناء مشاهدته لتلك الرحلة الممتعة- كانَ يترقّب تحقّق هذا الخيال؛ ليجدَ تلك الآلة التي تسير بنا عبر الزمن، قد أصبحتْ واقعاً نعيشه بالفعل، ولكنّنا لو تأملنا مليّاً في أنفسنا لوجدنا أنّنا نمتلك تلك الآلة التي هي (عقلنا). نعم، تلك الآلة الزمنية التي لا تمثّل شيئًا خارجاً عنّا بل هي في داخلنا عبر الذهن والشعور. وقد أشار الفيلسوف القدّيس (أوغستين) لمثل هذا المعنى حيث رأى أنّ الأزمنة الثلاثة موجودة في الذهن؛ فالمستقبل يتمثّل في الانتظار، والحاضر في الانتباه، والماضي في التذكّر، بإلإضافة إلى أنّ موضوع الانتظار -كذلك- يمرّ في الانتباه، ليتحوّل بدوره إلى تذكّر، وهكذا فكل زمان هو موجود - حسب وصفه - على المستوى الذهنيّ. وفي مثل هذا المعنى -أيضاً- يشير الفيلسوف (هنري برغسون) إلى أنّ الزمن خاضع للذاكرة ويتمّ في الحالات الشعورية التي هي إبداع وخلق يؤسس الإنسان فيها وجوده بكامل حريته. ومن هنا نستطيع أن نقول بملء الفم: إنّنا نعيش رحلة زمنية دون وسيلة مواصلات أو حقيبة سفر ، ولا نمرّ من خلال تلك الرحلة بنقطة تفتيش جمركية؛ إذ نسير بذاكرتنا نحو الماضي البعيد ونعيش بعقلنا وشعورنا في المستقبل كما نعيش في الحاضر تماماً، وهذا ما دفع (هيدغر)للقول بأنّ الإنسان هو الكائن الذي يبدو موجوداً أمام نفسه، وهو الذي يخرج من ذاته في الماضي أو المستقبل ليعود إليها في الحاضر. إنّنا نرحل عبر ( آلة الزمن) التي هي ذاتنا بشكل مستمرّ في إبداع وخلق، جعلتْ (هنري برغسون) يرى بأنّ النفس لا تنفصل عن الزمن وهذا ما قاده إلى الاعتقاد بالجوهر الروحيّ. ولن أخوض كثيراً في التعمّق في فلسفة هذه الرحلة الوجوديّة، لكنّني سأقف عند تحليل رحلتها نحو الماضي، لأجيبَ عن السؤال التالي: لماذا نشدّ رحالنا نحو الماضي؟ وما الذي يدفعنا لتلك الرحلة بكل تفاصيلها؟! ويمكنني القول بأنّنا نسافر عبر (ذاكرتنا) نحو (الماضي) لعدة أسباب يمكن إجمالها على الشكل التالي: أولاً- الرغبة اللاشعورية في إيذاء الذات، ويكون ذلك باسترجاع ذكريات مؤلمة؛ إذ يمتلئ الذهن بالأحداث الأليمة الماضية التي تجعلنا أسرى لاكتئاب سوداويّ خانق؛ يتمّ فيها إشباع (غريزة العدوان) الموجّهة نحو الذات، بأسلوب ماسوشيّ يلقي الفرد فيه اللوم والتأنيب على نفسه، ويمارس جلد الذات التي فشلتْ في معالجة مشكلات الماضي. ثانياً- أخذ الدرس والعبرة ممّا مضى، ويكون ذلك باسترجاع الذكريات المؤلمة بغرض إعادة ترتيب الأحداث وكتابة نصٍّ جديد ليكون درساً يمكننا إضافته لخبرات الحياة؛ حيث نسجّل فيه ما يجب أن نفعله وما لا يجب، حينما نتعرّض لمواقف مشابهة لتلك التي حدثت في الماضي. ثالثاً- الهروب من قسوة الحاضر، ويكون ذلك عبر شكلين اثنين: الشكل الأول، نهرب فيه إلى ماضينا الشخصيّ الذي حدث لنا. والشكل الثاني، يكون بالهرب إلى التراث والتاريخ. وكلا الشكلين رغبةٌ لاشعورية للمحافظة على الاتزان النفسيّ عبر (النكوص) إلى ماضٍ يمثّل حالة (العدم) كما عبّر عنه (أوغستين) باعتباره غير موجود في الحاضر كما لا يمكن قياسه، إلا أنه زمن نفسيّ مختلف عن الزمن الطبيعيّ كما أشار إلى ذلك (أرسطو). والشكل الأول الذي نهرب فيه إلى تاريخنا الشخصيّ، قد يجعلنا مهووسين مغمورين بسعادة لا حدود لها، عبر انتقاء ذهنيّ للأحداث السعيدة التي مررنا بها دون الأحداث السيئة، أو من خلال تزييف الماضي الذي كنّا نعيشه، ويتم كلّ ذلك بشكلٍ لا شعوريّ؛ إذ يمارس الفرد سلطته على الأحداث السابقة ليكتبَ نصّاً جديداً مليئاً بالبطولات والأمجاد، أو كأنّه مصوّر محترف يقوم بعمل التحسينات اللازمة على تلك الصور الفوتوغرافية لتكون أزهى وأجمل، وهو بهذا الهروب الذي هو تزييف أو انتقاء يشعر بسعادة وسلام وشيء من الهدوء. أما الشكل الثاني الذي هو هروب للتراث والتاريخ والذي يتمثّل بقول الشخص: كنّا وكان أجدادنا وكانت أمتنا ونحو ذلك، فهو هرب يدعو الفرد للفخر والانتشاء والتعويض عن الفشل والإخفاقات بشكل لاشعوريّ؛ إذ يكون الفرد شاهداً على بطولات تاريخية وانتصارات عظيمة يستحضرها في وقته الراهن وبالتالي فهو أصبح الآن في هذا الوقت يمتلك تلك الأمجاد؛ لأنه أحضرها من الماضي الذي هو عدم إلى الحاضر؛ لتكون وجوداً حيّاً يعيشه الآن. إن الهروب من قسوة الحاضر بشكليه السابقين أشبه بمخدّر أفيونيّ ينسينا قسوة الواقع ومرارته، ويبعدنا عن مواجهة مشاكلنا الراهنة وما تفرضه من مسؤوليات وحزم وقوة. ونستطيع بعد كل ذلك أن نقول: إن هروبنا إلى الماضي ليس سوى حيلة نفسية تحدث بشكل لاشعوريّ؛ إذ نمارس فيها سلطة ذاتية تعيد تشكيل الواقع أو تعيد ترتيب ما بداخلنا من فوضى وإحساس بالاغتراب، ولكنّنا يجب ألا نغرق أنفسنا في الماضي لنعيش لحظتنا الراهنة ونواجه مشكلاتنا بواقعية ونبني مستقبلنا بتخطيط مبنيّ على واقعنا الذي نعيشه الآن.

• سلمان عبد الله الحبيب