الثلاثاء، 1 يونيو 2021

الهروب إلى الماضي

سلمان عبد الله الحبيب 

كلنا شاهد في فترةٍ ما من تاريخ حياته مشهدًا سينمائيًا، أو فيلماً، أو مسلسلاً يتناول رحلة الإنسان عبر الزمن، من خلال آلة خاصة بتلك الرحلة المفعمة بالخيال الجامح. وكثيرٌ منّا -أثناء مشاهدته لتلك الرحلة الممتعة- كانَ يترقّب تحقّق هذا الخيال؛ ليجدَ تلك الآلة التي تسير بنا عبر الزمن، قد أصبحتْ واقعاً نعيشه بالفعل، ولكنّنا لو تأملنا مليّاً في أنفسنا لوجدنا أنّنا نمتلك تلك الآلة التي هي (عقلنا). نعم، تلك الآلة الزمنية التي لا تمثّل شيئًا خارجاً عنّا بل هي في داخلنا عبر الذهن والشعور. وقد أشار الفيلسوف القدّيس (أوغستين) لمثل هذا المعنى حيث رأى أنّ الأزمنة الثلاثة موجودة في الذهن؛ فالمستقبل يتمثّل في الانتظار، والحاضر في الانتباه، والماضي في التذكّر، بإلإضافة إلى أنّ موضوع الانتظار -كذلك- يمرّ في الانتباه، ليتحوّل بدوره إلى تذكّر، وهكذا فكل زمان هو موجود - حسب وصفه - على المستوى الذهنيّ. وفي مثل هذا المعنى -أيضاً- يشير الفيلسوف (هنري برغسون) إلى أنّ الزمن خاضع للذاكرة ويتمّ في الحالات الشعورية التي هي إبداع وخلق يؤسس الإنسان فيها وجوده بكامل حريته. ومن هنا نستطيع أن نقول بملء الفم: إنّنا نعيش رحلة زمنية دون وسيلة مواصلات أو حقيبة سفر ، ولا نمرّ من خلال تلك الرحلة بنقطة تفتيش جمركية؛ إذ نسير بذاكرتنا نحو الماضي البعيد ونعيش بعقلنا وشعورنا في المستقبل كما نعيش في الحاضر تماماً، وهذا ما دفع (هيدغر)للقول بأنّ الإنسان هو الكائن الذي يبدو موجوداً أمام نفسه، وهو الذي يخرج من ذاته في الماضي أو المستقبل ليعود إليها في الحاضر. إنّنا نرحل عبر ( آلة الزمن) التي هي ذاتنا بشكل مستمرّ في إبداع وخلق، جعلتْ (هنري برغسون) يرى بأنّ النفس لا تنفصل عن الزمن وهذا ما قاده إلى الاعتقاد بالجوهر الروحيّ. ولن أخوض كثيراً في التعمّق في فلسفة هذه الرحلة الوجوديّة، لكنّني سأقف عند تحليل رحلتها نحو الماضي، لأجيبَ عن السؤال التالي: لماذا نشدّ رحالنا نحو الماضي؟ وما الذي يدفعنا لتلك الرحلة بكل تفاصيلها؟! ويمكنني القول بأنّنا نسافر عبر (ذاكرتنا) نحو (الماضي) لعدة أسباب يمكن إجمالها على الشكل التالي: أولاً- الرغبة اللاشعورية في إيذاء الذات، ويكون ذلك باسترجاع ذكريات مؤلمة؛ إذ يمتلئ الذهن بالأحداث الأليمة الماضية التي تجعلنا أسرى لاكتئاب سوداويّ خانق؛ يتمّ فيها إشباع (غريزة العدوان) الموجّهة نحو الذات، بأسلوب ماسوشيّ يلقي الفرد فيه اللوم والتأنيب على نفسه، ويمارس جلد الذات التي فشلتْ في معالجة مشكلات الماضي. ثانياً- أخذ الدرس والعبرة ممّا مضى، ويكون ذلك باسترجاع الذكريات المؤلمة بغرض إعادة ترتيب الأحداث وكتابة نصٍّ جديد ليكون درساً يمكننا إضافته لخبرات الحياة؛ حيث نسجّل فيه ما يجب أن نفعله وما لا يجب، حينما نتعرّض لمواقف مشابهة لتلك التي حدثت في الماضي. ثالثاً- الهروب من قسوة الحاضر، ويكون ذلك عبر شكلين اثنين: الشكل الأول، نهرب فيه إلى ماضينا الشخصيّ الذي حدث لنا. والشكل الثاني، يكون بالهرب إلى التراث والتاريخ. وكلا الشكلين رغبةٌ لاشعورية للمحافظة على الاتزان النفسيّ عبر (النكوص) إلى ماضٍ يمثّل حالة (العدم) كما عبّر عنه (أوغستين) باعتباره غير موجود في الحاضر كما لا يمكن قياسه، إلا أنه زمن نفسيّ مختلف عن الزمن الطبيعيّ كما أشار إلى ذلك (أرسطو). والشكل الأول الذي نهرب فيه إلى تاريخنا الشخصيّ، قد يجعلنا مهووسين مغمورين بسعادة لا حدود لها، عبر انتقاء ذهنيّ للأحداث السعيدة التي مررنا بها دون الأحداث السيئة، أو من خلال تزييف الماضي الذي كنّا نعيشه، ويتم كلّ ذلك بشكلٍ لا شعوريّ؛ إذ يمارس الفرد سلطته على الأحداث السابقة ليكتبَ نصّاً جديداً مليئاً بالبطولات والأمجاد، أو كأنّه مصوّر محترف يقوم بعمل التحسينات اللازمة على تلك الصور الفوتوغرافية لتكون أزهى وأجمل، وهو بهذا الهروب الذي هو تزييف أو انتقاء يشعر بسعادة وسلام وشيء من الهدوء. أما الشكل الثاني الذي هو هروب للتراث والتاريخ والذي يتمثّل بقول الشخص: كنّا وكان أجدادنا وكانت أمتنا ونحو ذلك، فهو هرب يدعو الفرد للفخر والانتشاء والتعويض عن الفشل والإخفاقات بشكل لاشعوريّ؛ إذ يكون الفرد شاهداً على بطولات تاريخية وانتصارات عظيمة يستحضرها في وقته الراهن وبالتالي فهو أصبح الآن في هذا الوقت يمتلك تلك الأمجاد؛ لأنه أحضرها من الماضي الذي هو عدم إلى الحاضر؛ لتكون وجوداً حيّاً يعيشه الآن. إن الهروب من قسوة الحاضر بشكليه السابقين أشبه بمخدّر أفيونيّ ينسينا قسوة الواقع ومرارته، ويبعدنا عن مواجهة مشاكلنا الراهنة وما تفرضه من مسؤوليات وحزم وقوة. ونستطيع بعد كل ذلك أن نقول: إن هروبنا إلى الماضي ليس سوى حيلة نفسية تحدث بشكل لاشعوريّ؛ إذ نمارس فيها سلطة ذاتية تعيد تشكيل الواقع أو تعيد ترتيب ما بداخلنا من فوضى وإحساس بالاغتراب، ولكنّنا يجب ألا نغرق أنفسنا في الماضي لنعيش لحظتنا الراهنة ونواجه مشكلاتنا بواقعية ونبني مستقبلنا بتخطيط مبنيّ على واقعنا الذي نعيشه الآن.

• سلمان عبد الله الحبيب