الاثنين، 21 فبراير 2022

الموسويّ شاعر الاغتراب - دراسة نقدية في ديوانه شرود مؤجّل.

















الشاعر عبد المجيد الموسويّ في ديوانه (شرود مؤجّل) يعيش حالة اغتراب فكريّ وشعوريّ، فها هو يقول: 


تعبتُ من غربتي 

واثّاءبت رئتي 

وصرتُ أهربُ مني 

حين أقتربُ 

ويقول في موضع آخر: 

كم غربةٍ في منافي الروحِ 

ضلّ بها عقلي 

وما زلتُ عن دنيايَ 

أغتربُ!

ويعلن الشاعر سأمهُ من هذه الغربة فيقول: 


سئمتُ من غربتي 

من كل قافيةٍ 

عرجاء 

يرضع من أثدائها القلقُ

ويوضح ما في عقله من غربةٍ فيقول: 

عقلي خِزانةُ أحلامٍ 

أهشّ به 

أسراب وهمٍ 

تبثُّ الرعب كالشررِ 

وهو يصفُ نفسه بشكل صريح بأنه غريب وكل أيامه سدى وهو في كآبة غربته يشبه المدن البعيدة فيقول: 

غريبٌ 

يا لأيامي الشريدهْ 

أعيدُ كآبة المدن البعيدهْ 

ويحاول الشاعر أن يسقط مشاعر الغربة على الحبيبة ليرى فيها نفسه فيقول: 

غريبةٌ

تمضغ الآهاتِ 

ترمقها كلّ الجهات 

بعين الشك والوجلِ 

وشاعرنا (الموسويّ) يمتلئ بهذا الحزن بسبب شعوره بالغربة فتطغى عليه مشاعر القهر والكآبة فها هو يقول: 


أنا مسافةُ قهرٍ 

والمدى ألمي

أشاطرُ الليل أنّاتي 

وأحترقُ

ويقول كذلك: 

مواجعي 

كلّ هذا القهر من وجعي 

وآهتي 

من أقاصي الجرحِ تندفقُ 

 

ويشعر (الموسويّ) بضيقٍ خانق بسبب مرور الوقت الذي يسير إلى الأمام دون عودة، وكأنه يتأسف على كل يوم مرّ وكان فيه غريباً عن كل من كانوا حوله فيقول: 

 فليس الذي يمضي يعودُ

فما أنا 

سوى ومضةٍ عجلى 

كلمحٍ تبعثرا 

ويقول في موضع آخر: 

كم تحمّلنا أنينَ العمرِ

والعمرُ قصيرْ

ويقول كذلك: 

هتفَ الصبحُ بأصواتِ العصافير التي تركتْ أعشاشها 

في ليالي البوحِ في شوطٍ من العمر 

أخيرْ

وهو يحاول أن يفعل شيئاً وأن يكسر حاجز الصمت كيلا يكون غريباً لذا فهو يبوح بذلك الأمر على لسان الحبيبة التي تمثّل حاله فيقول على لسانها: 

لكنّني 

لن أعيشَ الصمتَ 

خانقةً 

أوتاري البكر 

بين العرفِ والدجلِ

ويحاول الشاعر الغريب أن يعرّف بنفسه كيلا يبدو غريباً أمام نفسه وأمام الآخرين، وما هذا الفخر سوى حيلة للدفاع عن نفسه ولإلقاء اللومعلى الآخرين الذين لم يعرفوا قيمته ممّا جعله غريباً بينهم لذا فهو يقول: 

محرابيَ العشقُ

في الأسحارِ يأتلقُ 

كلّي عروجٌ 

ومن آياتيَ الفلقُ 

كلّ ابتهالاتي ال(كانت) تجلّلني 

أنفاسُ عشقٍ 

وليلي كلّه عبقُ 

محمّلٌ بالندى 

قنديل قافيتي 

يكاد يخطفني 

كالبرق يأتلقُ 

ويقول أيضاً: 

عندي مع العمرِ 

ما عندي من العبَرِ 

كلّي يقينٌ بما يُفضيه من قدَري 

ويقول بصرخةٍ مدوّية: 

إنّي أنا الإنسانُ 

نفحةُ آدمٍ

الحبُّ 

من أسمائيَ البيضاءِ 

ويعرّف بنفسه أيضاً ويعطيها هالةً قدسيةً بقوله: 

قلبي حمامةُ معبدٍ 

حطّتْ على جُنح الظلامِ 

وعشّشتْ ب(حرائي) 


والغربة التي يعيشها الشاعر هي غربة إنسانية فهو يريد الحب والسلام بين الناس،  وأن يعيش العالم في ودّ وتعاطف وإخاء، وهو يريدالواقع كما يرسمه في شعره مليئاً بالحب والعاطفة الإنسانيّة المرهفة؛ لذلك فهو ينكر هذا الواقع المليء بالقسوة فيقول: 

طفحَ الدمارُ 

وفاضَ بحرُ الداءِ 

وسماؤنا سحبٌ 

من الأرزاءِ 

الأرضُ تنزف

من قساوةِ طعنةٍ

بيد الظلامِ 

بمُديةٍ عمياءِ

لم يبقَ شبرٌ وادعٌ من طهرها إلا استبيح 

بفكرةٍ سوداءِ!

ويقول: 

الحبُّ يا وطني سلالتيَ التي 

تبعتْكَ طيّعةً وباسمك تفخرُ

ويقول مخاطباً حبيبته: 

ووزّعي العطرَ 

كي تحيا النفوسُ به 

ولتزرعي الحبّ 

باسم الحبّ 

في البشرِ 

ولكن كيف يخرج هذا الشاعر الغريب من غربته؟وما السبيل إلى الخروج من تلك الأزمة الخانقة؟

إنه يبتكر وسائل للخروج من دائرة الاغتراب عبر وسائل عدة منها أنّه يتسلّى بالشعر لتكون تلك القصائد وسيلته لإبعاد حالة الاغتراب عن نفسه، فيكون الشعر نافذته لعالم جديد وطريقه للبوح عمّا لا يستطيع البوح به لأحد لذلك فهو يقول: 

الشعرُ: 

نافذتي البكرُ التي انفتحتْ

على الحياةِ 

كضوءٍ حين ينبثقُ 

الشعرُ

أغنيةٌ

وحيٌ وفلسفةٌ 

نهرٌ من البوح

منه الروحُ تندفقُ 

وها هو يقول: 

وليس لقنديل بوحي فتيلٌ يضيء

ولم ادّخرْ ولو بعض زيتْ 

فأمسكتُ بالضوء حتى انتشيتْ 

ويواصل بقوله: 

أفتّش عن ومضةٍ شاردهْ 

تجرّدتُ أكثر حدّ الغياب وأصغيتُ للصمتِ في داخلي وكأنّ 

صدىً عبر هذا السكونِ

يحرّك أحرفيَ الراكدهْ 

ويواصل: 

وما زلتُ أمشي 

أنقّبُ في العقل عن فكرةٍ للعروجِ

لأصنعَ من وحيها قارباً للخلاصِ

لأعبرَ نهر الكلام، وأرمي بصنّارة الوعي أصطاد من غورهِ 

قبضةً من خيالٍ 

وأنهلُ منهُ سنًا من مجازٍ 

وأبقى أجدّف شطر القصيدةِ 

لا شيء يبرقُ لي في الخيالِ 

لأكتبَ مقدار بيتْ 

ويواصل في التعبير عن انشغاله بالشعر حتى يبلغ منه الإعياء مبلغه فيقول: 

هنا يسكنُ الصمتُ في أضلعي 

كي أتمّ القصيدةَ قسراً 

وأبقى أحدّق في المتنِ

أمحو وأكتبُ

أكتبُ أمحو 

وللآن من حيرتي ما انتهيتْ …

والشاعر (الموسويّ) يستترُ بالظلامِ ويكتبُ نصه الإبداعي لعلّه يؤنس وحشته فيقول: 

فصرتُ

أرخي سدول الليل 

في خَلَدي 

وصرتُ أكتبُ

آلامي وخاطرتي 

وليس الشعر وحده، ما يبعد عن الشاعر وحشته وإحساسه بالغربة، فهنالك سبيل آخر يتمثل في حبه لمعشوقته والتغزّل بها، وذلك الحبّ أشبه بالسّكر الذي ينسي ألم الواقع ومرارة الاغتراب لذلك فهو يقول: 

ما أجملَ السُّكْرَ 

حين السّكْر يلهمنا 

أنّ الغرام به 

أشهى الحكاياتِ

وهو حلم لا يود الاستيقاظ منه فيقول مخاطباً حبيبته: 

لا توقظي الحلُمَ الغافي 

على جسدي 

وتهربي من صدى لحني 

لأغنيتي 

ويطلب من حبيبته إخراجه من تلك الغربة الخانقة فيقول: 

أيا امرأةً 

بطعم الشعرِ

عودي 

واكسري صمتي 

فالشعر ليس مجرد كلمات عند الشاعر بل هو حياة له ورسم طريق للغد: 

أُرقيكِ بالشعرِ؛ 

إذ بالشعر يمكننا 

منح الحياةِ 

حياةً

للغد الآتي 

ويستمرّ الشاعر مع حبيبته في هذا الشعر وترديد الكلمات فيقول: 

ونبقى 

نحتسي الكلماتِ 

عبر قداسةِ الصوتِ 

أنا والشعرُ

صنوانٌ 

بغير الحبّ

لم نُفْتِ.. 

ويقرّر الشاعر أنّ محبوبته هي وطنه الذي يأنس إليه بعيداً عن شعوره بالغربة فيقول: 

أشتاقُ قربكِ عشاً لو نعيش به 

إخالُ ظلّكِ قصْراً يرسمُ الوطنا 

وقد يركن الشاعر للإيمان فيكون وسيلته الأخرى للخروج من الشعور بالاغتراب لذلك فهو يقول: 

قلبي مع الله 

أدركتُ الجمال بهِ

وعشتُ معناهُ 

ما أدركتُ من سفَري 

ويقول: 

وأدتُ كلّ بناتِ الكبْتِ 

في خلَدي 

ورحتُ أستلهمُ الإيمانَ 

من فكَري 

ويقول: 

أظنّني الآن 

قد أدركتُ أنّ يداً 

غيبيّةً 

تكنسُ الأكدارَ عن بصَري 


ومن وسائل الخروج من الغربة العودة لأحلام الطفولة وأحضان الأم ليواجه ببراءة الأطفال مرارة الواقع فيقول لأمه: 

أشتاق قربكِ كي أشرّد غربتي 

لا شيء غيركِ في ثنايا مهجتي 

ويقول لها: 

أنا طفلكِ المسكونُ حباً فارحمي 

طفلاً    يتوقُ  هوى  لأرحمِ   نظرةِ 

وما قد يفاجئنا أنّ الشاعر يتخذ من (اليأس) وسيلةً لتبديد غربته، ولن يكون هذا اليأس - بكل تأكيد -  إلا نتيجة إحساس بعدم القدرة علىالتأقلم والتغيير، لذا فهو يقول: 

وأكنسُ غربتي 

بفناء يأسي 

لأنسى كلَّ آلامي العنيدهْ 

فهو يأس نتيجة شعور بالعجز وعدم القدرة على التكيّف مع العالم الخارجيّ لهذا فهو يعيش حالة حزن يقول فيها:

وهكذا 

يعتريني الحزنُ 

يقتلني 

وهكذا تنمحي روحي وذاكرتي 


وقد استطاع الشاعر (عبد المجيد الموسويّ) أن يعبّر عن غربته وأن يخبّيء تلك المشاعر الخانقة عبر حيل بلاغية يشيّد من خلالها عالماً ينسيه مرارة الواقع وشقاء الاغتراب


* سلمان عبد الله الحبيب