الجمعة، 22 يوليو 2022

صورة

 


الغياب في ديوان (مرتبكاً في هامش النصل) للشاعر/ فاضل الجابر


الغياب في ديوان (مرتبكاً في هامش النصل) للشاعر/ فاضل الجابر

دراسة تفكيكيّة للنص

نقد وتحليل  

سلمان عبد الله الحبيب

يمكنني أن أصف الشاعر فاضل الجابر في ديوانه (على هامش النصل) بأنّه شاعر الغياب، فهو في هذا الديوان لا يكترث للحظات الحضور التي يعيشها، بل يحاول أن يستدعي الغياب بشكلٍ لافتٍ للنظر؛ فهو يناجي الراحلين، ويحاول استدعاء الفكرة الغائبة، ويناجي حظه البائس، ويحاول استدعاء طفولته وشبابه، ويناجي حبيبته التي وجد منها الجفاء، ويئنّ من قسوة الاغتراب وغياب الألفة مع من حوله من الأهل والأصدقاء وباقي الناس.

وها هو يقف على عتبة الذكريات، وكأنّه شاعر يبكي الأطلال المندثرة، فيقول:

"فكم ناديتُ هذا الدربَ ما أقساهُ!

واستعصتْ خُطايَ كأنّما ذُهلتْ وكلّتْ فيه مِنسأتي

وهذا الدربُ لا يفنى

فلي الذكرى

سأكتبها مدوزنةً على إيقاع حسْراتي"

ويقول في موضع آخر وهو ينادي مَنْ بهِ حنينٌ إليهم:

"يا بحرُ كم ناديتُهم، ناديتُ أسلافي فأغرقني الصدى، باللهِ

عودوا!!

لامستُ موجَكَ لم أكنْ أرنو إليكَ وإنّما اندلفتْ عليّ خواطري

وتفاقمتْ عندي الوعودُ".

هكذا يسير الشاعر في مناداته لكل أشكال الغياب، بعيداً عن واقعه، ويحاول أن يواجه هذا الغياب بصرامة ليقول له:

"وإذاً فقلْ لي ما الذي سيظلّ منكَ وأنتَ تختبرُ المسافةَ، والدروبُ

تعثّرتْ بخطاكَ وانطفأتْ عيونُكَ آنَ أخمَدَتِ الحياةُ لهيبَ

جمرِك؟"

ويتساءلُ في موضع آخر وهو يواجه الغياب، فيقول:

"أيّ أرضٍ هي الآن أرضك؟

كلّ الدروبِ يبابٌ هنا واتجاهاتها يَبَسٌ

والقرى قاحلهْ"

ويقول في الماضي الغائب:

"يستعيدُ الزمانُ حكاياتهِ

يستعيدُ الزمانْ"

ويقول في أحلام الطفولة التي ولّت حتى وصل به العمر إلى فصل الخريف:

"الخيولُ التي ركضتْ

في الخيالِ كحلمِ الطفولةِ

حتى وصلنا خريف الفصولْ"

ولكنَّ تلك الأحلام الطفوليّة الجميلة لا تستطيع أن تواجه الحاضر، إذ يقول فيها:

"والتي دوزنتنا قصائدَ ذاهلةً في الحضورِ

مراراً تُعادُ ودهشتنا أبداً لا تزولْ"

فهو هنالك يجعل من الحاضر غريباً عن ذلك الغياب الذي يدعو للدهشة والذهول، وبمعنى آخر فإنّ اللحظة الحاضرة الآن تكون ماضياً غائباً بعد لحظات، وهكذا يكون الغياب مستمراً، بينما (الحاضر) لا يلبث حتى يصبح غياباً، فيتلاشى الحضور باستمرار.

وها هو الشاعر يلتفتُ لكونه بعيداً عن واقعه الملموس، وقريباً من الغياب بكل أشكاله، فيقول:

"القلوبُ التي لم تحبَّك يوماً

وكانتْ تداهنُ معنى وجودك

بالقرب منها ستمضي

وتكملُ وحدكَ درب الغيابْ"

ويتخذ الغياب شكل الحنين عند الشاعر فيقول مخاطباً حبيبته:  

"مذْ مرَّ طيفكِ في ثنايا الليلِ

أيقظتِ الحنينَ

فلمْ يبارحْني السهادُ

ولم تغادرني رؤاكِ"

وها هي الذكريات تلوح له في ليله لتؤرّقه وتبعثُ في داخله الحنين، إذ يقول:

"الليلُ ليلكَ ...

فائضٌ من وحيِ ذاتكَ

سحنةٌ تبدو عليها الذكرياتُ

إذا تجلّت في حياتكْ"

وها هو يشعر بالحنين ينهكُ قلبه دون فائدة، مخاطباً حبيبته؛ لتكونَ مادةً خصبةً للتعبير عن حنينه الأليم، فيقول:

"ما ظلَّ غير همسٍ جاء يحملهُ الصدى

قلبي الذي أنهكتْهِ

يتلو المسافةَ بالحنينِ

فكلُّ فترٍ نبضةٌ ضاعتْ سدى"

 

ويعبّر الشاعر عن الغياب في حنينه للطفولةِ وضياع العمر، الذي هو اللحظة الحاضرة التي لا تلبث أن تكونَ سراباً، فيقول:

"ما ظلّ عندي غير منسأتي تلوِّحُ للمشيبِ

أراهُ تسجرُهُ المسافةُ بالحنينِ

كأنّما زمنُ الطفولةِ صارا مصلوباً أمامي"

وهو يرى أنّ اللحظة الراهنة سراب وزيف، فيقول:

"وأنا هنا زيفٌ تماهى في الرمادِ يغصّ بالشكل الرتيبِ

يخطُّ نهراً من يباسٍ

جفَّ عن طينٍ بدوتُ بهِ زماناً رُمتُهُ

عمراً تفتّتَ في رُكامي"

ويقولُ لصاحبه مؤكّداً على ضياع تلك اللحظة الراهنة، فيقول:

"يا صاحِ لو كنّا انتبهنا ربما امتلأتْ بنا الغيماتُ

وانتفضتْ على درب المهالكِ بالحنينْ

ولربّما ما ضاعَ منّا كلّ هذا العمر منفلتَ الشعورِ

تساقطتْ أوراقنا نُتَفاً على مرّ السنينْ"

وها هو يعاتبُ الوقتَ ليعيد تأكيد غياب الزمن وضياع العمر، فيقول:

"أيا وقتُ..

هذي السنين التي انفلتتْ من يديَّ أعِدْها إليّ"

ولكنّه مع ذلك يؤكّد على أنّ ذلك الوقت الغائب، هو حياة للإنسان، وهو وجود عالق في الذاكرة، حتى لو أصبح عدماً في الخارج، فيقول:

"خلتُ أنّ العمرَ قد ولّى وفاتْ

ما حسبتُ الوقتَ من قبلُ حياةْ"

إنّ الشاعر بكلّ ذلك يؤكّد على حقيقة أنّ الزمن خاضع للذاكرة، وخاضع للحريّة التي يؤسّس فيها الشاعر وجوده، والزمنُ كذلك عنده كما يقول (أوغستين) لا وجود فيه إلا للحاضر؛ لأنّ الماضي قد فاتَ، والمستقبلُ لم يأتِ بعد.

إنّ الشاعر يؤكّد على حقيقة فلسفيّة مفادها أنّ الماضي عدم، وما يحاول هو فعله هو إعادة هذا العدم إلى الحياة عن طريق الذاكرة، أو بمعنى آخر استحضار الغياب.

وها هوالشاعر في حنينه يناجي الراحلين الذين غابوا عنه فلم يعد يبصرهم، فيقول:

"فقدُ الأحبّةِ غربةٌ أدري

فهبني ذلك المفقودُ من قبل الولادةِ لم تهدهدْ نبضه إلا

الفجيعة، أرضعتْهُ يدُ الغبارِ ولُفَّ بالموتِ الزؤامِ"

ويقول:

"ناديتُ على من حضروا اليوم ومن غابوا

إنْ جئتُ أدقُّ الباب سيرتعدُ البابُ"

ولكنّه يُفاجأ بغيابهم، إذ لم يفتح أحد الباب ليطمئنه على حاله، فيقول:

"منكسراً، ناديتُ طويلاً محتملاً أن يأتيني بعد القلق الموحشِ فيّ

الأصحابُ

يا ما ناديتُ ولمّا طال الأمرُ عقلتُ الدمعَ بأطرافِ الأبيات

زجرتُ الطير شمالاً جداً

ذهب الطيرُ وما ثَمَّ إيابُ"

ويناجي الراحلين بحرقةٍ فيقول:

"الأمسُ أمسكَ..

كيفَ أمضيتَ الليالي في اجترار سنين ماضيكَ الكئيبِ فصرتَ

تذوي مرهقاً

يكفيكَ عدُّ الراحلين، يغادرونكَ يملؤونَ العينَ رملاً دائباً أو أرقاً

سيجفُّ في الأحلامِ وجهكَ صاخباً بالموتِ منتهياً

كما سيجفُّ في الأوهامِ أصلاً كلّ جذرٍ من وجودكَ والغصونْ"

ويقول في فراق الحبيب الذي رحل عنه:

"حين افترقنا..

هكذا انفلتتْ يدانا في ذهولِ الصمتِ والوقتِ المقيّدِ

لم أكنْ أدري بأنّ الجرحَ أعمقُ من ذهولي

كيف مرّت بي السنين"

والحبيب الغائب يظهر بقوّة في قصائد الشاعر؛ إذ يقول:

"لو كان صوتُكِ قد أجابَ لما ابتعدتُ

ولربّما أفنيتُ عمري في هواكِ

وجدتُ ألفَ طريقةٍ أبقى بها

لكنَّ صوتكِ لم يصلْ

وأنا انتهيتُ"

ويقول:

"طيّرتُ كل تشاؤمي أملاً بوصلٍ رغمَ ضنْكِ العشقِ لا أدري بما

يقضي الغرامُ"

ويقول:

"تمشي على القدَر المهيّئِ دربها الخطِر القلِقْ

فأتيتها أملاً بوصلٍ لم أكن أدري بأنّ قرارها أن نفترقْ"

ويقول:

"ذكراكِ عندي في المحادثةِ الأخيرةِ...

حينَ كانَ الدمعُ صوتكِ

والنشيجُ، وآخرُ الشهقاتِ خاتمة الحديث"

ولكنَّ هذا الغياب ليس سوى شعور الشاعر بالاغتراب، وشعوره بعدم الانسجام مع وضعه الراهن، وبالتالي عدم انسجامه مع كلّ الذين يمتلئون بالحضور، لذلك فهو يرى بأنّ الأنثى المشبعة بالحاضر لا تعرفه، فيقول:

"ثمةَ أنثى لا تعرفني..

متململةً مذْ بدأتْ

أولى الهمساتِ لتنسجَ من شفتيها كفَني"

وليست الأنثى هنا سوى (الحقيقة الغائبة) التي هي عدمٌ في حساب الزمن، والتي تمثّل مجرّد ذكرى عابرة للشاعر؛ فهي بذلك وجودٌ تفتعله الذاكرة، بينما هو في الواقع الخارجيّ عدمٌ ليس إلا.

وحالة الشاعر الممتلئ بالغياب تدفعه إلى عدم اليقين فيما حوله من الموجودات، لذلك فهو يقول:

"الشعر شعرك..

برزخٌ يحوي الذي ما زال منفلتاً كنبضكَ إذ يفرُّ

من الخواطرِ والظنونْ"

ويقول أيضاً:

"تأملتُ غدي المقفرَ إلا من ضلالاتٍ وتيهِ

بيدي اليمنى كتابُ الشكِّ واليسرى بها ما ليس فيهِ"

ويقول:

"يبدو المساءُ هناكَ في الأفقِ البعيدِ نثارَ شكٍّ في عراءِ الوقتِ

مُنتَبذاً يصفّفُ ما تساقطَ من ظلامٍ حولَ أبراجِ السوادِ الجامحهْ"

وذلك الشك، وذلك الغياب عن الواقع، يدعو الشاعر إلى إدراك أنّ كلّ ما يحلم به وتستدعيه ذاكرته ليس سوى حُطام؛ لذلك فهو يقول:

"ستصرخُ دوماً على أيّ حالٍ ويرتدّ صوتكَ من آخر الحلمِ،

يرتدُّ بالهمِّ سيلاً من الكلمات الكفيفةِ والأملِ المستحيلِ المهدّمْ"

ويقول في ذلك المعنى أيضاً:

"تداعى خيالكَ

كيفَ وجدتَ السبيلَ إلى آخرِ الحُلمِ

وسطَ لُهاثِ الخُطا والشهيقِ المحطّمْ"

والمخرج من هذا الشكّ عند الشاعر هو أنْ يبدأ من ذاته، وأن يثق في نفسه ووجوده، وكأنه يعلن قول ديكارت:" أنا أفكّر، فأنا موجود" فيقول:

"لو أنّني أدركتُ وشمكِ، (لا تثق إلا بنفسكَ)

ما انتظرتُ إلى المساءِ

تسومني ابعادهُ لججَ الظنونِ الفادحهْ"

وامتلاء الشاعر بكل أشكال الغياب، يجعله مغترباً عمّن حوله ولا يجد الألفةَ بينهم، ودائمَ الشكِّ فيما حوله، لذلك فهو يقول:

"أنا ذلكَ القرويُّ أتلفهُ التمادي في بناء الشكِّ

أيقنَ أنّ أصلَ الحبِّ يكمنُ تحت أنقاض الحكاياتِ القديمةِ

فاستفاق العزمُ فيه وراح يحفرُ في الحطامِ"

ويقول معبراً عن هذا الاغتراب وهو يناجي البحر:

"ضيّعتُ في صخَبِ المرافئ زورقي

قلتُ: اعترف يا بحرُ، معتكراً مزاجكَ،

أين أخشابي؟ وأين دمي الطريدُ؟"

ويعبّر عن هذا الاغتراب أيضاً بقوله:

"هاجرْ إذا شئتَ الحياةَ

فليسَ في وطنِ المنافي

حظوةٌ للعيشِ إلا في المقابرْ"

ويعبّر عن ذلك الاغتراب أيضاً بالصحوِ الذي جاء بعد نوم طويلٍ فشعر -حينئذٍ- بكلّ شيء من حوله غريباً مختلفاً لا ينتمي إلى عالمه فيقول:

"تصحو كأنّك ما انتبهتَ لنومك الأبديِّ

تسألُ كم لبثتُ؟

وكهفُ غيّكَ محكَمٌ بيدِ السُباتِ

تصحو على وقْع الندى"

وهو يدرك أنّه يبدو مختلفاً عمّن حوله، غريب الأطوار، فيقول:

" تبدو رماديَّ المعالمِ ليس تلحظكَ البرايا أو تراكْ"

كل تلك الأفكار التي يحملها الشاعر بعقله ووجدانه تجعله حزيناً لا يذوق طعم السعادة، لذلك فهو يعبّر عن هذا الحزن بقوله:

"وأنا الذي هاجتْ قريحتهُ فأيقظتِ القوافي نفسها

هيا انتحي ما شئتِ من وجعي

ستوردني الهلاك قصائدي

وينزُّ من وجعي الوريدُ"

ويقول:

" الحزنُ حزنك..

دمعة خبأتها خلف انفعالكْ..

وتشيطنتْ حتى تمادتْ في بكائك وانهمالكْ"

ويقول:

"وفي غمرةٍ من مديحِ الحياةِ تمسّكْ بحزنكَ واحزم وجودكَ

زُمّ الأسى كلَّه وتقدّمْ"

ويقول:

" ملأتْ عينيّ آلافُ الدموع"

ويقول:

" خذنا يا ليلُ فليس لنا إلا أنحاؤكَ وارفةً بالسترِ

بكينا فيكَ طويلاً لم تفصحْ عن سرّ بكانا

خذنا أوشكَ فخَّارُ بقايانا أن يصبحَ طينا

ضِعنا في هذا البرزخِ

عَرَّانا الشكّ وقوّض بالكاملِ ما خلناهُ يقينا

من غيركَ يا ليلُ سيحفظنا شيئاً في الماضي مدفونا"

وإذا كانت مشاعر الغياب تدفع الشاعر للحزن والأسى فهل يا ترى سيكفّ عن التفكير في هذا الغياب؟

كلا، فالشاعر فاضل الجابر لن يرى حقيقةً مطلقةً سوى (الغياب) الذي يراه سنةً طبيعيّة في هذا الكون المتغيّر، لذلك فإنّه يقول بملء الفم:

" حدّقتُ في المعنى طويلاً، ما رأيتُ حقيقةً إلا منامي"

فسيبقى الحلم/ الغياب هو الواقع الذي يراه الشاعر، بينما الواقع الملموس لا يلبث أن يتحوّل إلى عدم.

 

*سلمان عبد الله الحبيب