الجمعة، 22 يناير 2016

ثقافة الحياة وثقافة الموت


سلمان عبد الله الحبيب


الحياة التي نعيشها ثقافة وكذلك الموت . وقد كان الفلاسفة والمفكرون والعلماء والمتدينون منشغلين في مغزاهما ومتأملين كذلك في سر وجود الإنسان وفنائه ،بل كان هذا الانشغال هو الأبرز حتى عند الإنسان العاديّ حينما أبصر الوجود .

وبما أن مفهوم الحياة ثقافة فهذا يعني أنّنا نؤطرها بمعتقدات معينة تتشكّل في العقل الجمعيّ وبالتالي تؤثر في سلوكنا الاجتماعي ، وهذا ما يدعوني للدخول في حياة بعض المسلمين ممّن رفضوا الحياة برمّتها ، واعتبروا كل لذة فيها زائفة مبتذلة ،وأصبحوا يتطلّعون للحياة الآخرة متطرّفين في هذه النظرة ممّا أدّى ذلك لظهور ثقافة الموت أو ثقافة الدم ، فبدلاً من تعمير الحياة باعتبارهم خلفاء فيها دمّروها وبدلاً من الاستمتاع بلذة الحياة ومتعها المباحة جعلوا أنفسهم غرباء على أرضها وعاثوا فيها فساداً باسم الدين فهم كمن قال الشاعر فيهم :

ليس أشقى ممّن يرى العيش مراً

ويظــــنُّ اللــــذات فيه فضــولا

إنهم نظروا للحياة بتشاؤم ورأوا بأنها رخيصة تافهة يجب التعفّف عنها والعزوف عن كل ما فيها ؛لذلك اختصروا الطريق للآخرة من خلال تفجير أنفسهم، وهم يظنون أنهم في أعلى درجات الشهادة ،وعلى النقيض من هذا المشهد فإنّنا نرى الغرب -الذي يتهمه هؤلاء بالكفر والزندقة والفجور- ينجزون ويبدعون ويطوّرون ويتقدّمون في شتى المجالات لأنهم نظروا لدنياهم على الرغم من أن كثيراً من المسلمين يرجمونهم بتهمة المادية والانغماس في المتعة في حين أن انغماسهم في حياتهم كان أجدى من تطلّع أولئك المتطرفين إلى العالم الآخر .

تلك النظرة التشاؤمية السوداء للحياة جعلت أصحابها غرباء عن دنياهم بعيدين عن أي إنتاج أو تقدّم بل أصبحوا على العكس من ذلك تماماً ،بالإضافة إلى أنهم أصبحوا يتعبّدون بالموت ويرون حياتهم في العالم الآخر ، ومماتهم في الحياة الدنيا .

تلك النظرة التي تبعد الإنسان عن واقعه هي التي جعلت (غوتاما) صاحب الديانة البوذية يوجه أتباعه للنظر في حياتهم التي يعيشونها بعيداً عن الميتافيزيقيا ؛لينطلقوا من واقعهم ،ويقوموا بواجبهم الذي تقتضيه طبيعة الحياة عليهم .

ولكي يؤسس المجتمع ثقافة لحياته بالشكل الأسمى والأصلح فإنه بحاجة ماسّة إلى كثير من الأمور ،حيث إنه يحتاج – بشكل ضروري - إلى امتلاك فكرٍ نقديٍ تحليليٍ يجنّبه الوقوع في الأفكار السلبية التي تسلبه حياته ، كما إنه بحاجة – أيضا- إلى تقبّل الآخر ، والانفتاح على كافة الأطياف الاجتماعية والألوان الفكرية بالإضافة إلى حاجته إلى أن يمتلك ( الحب ) الذي يعدّ درعاً واقياً من أي خطر وحصناً حصيناً من أي أذى وحماية للمجتمع من إراقة الدماء والاستئناس بالقتل والتعذيب والإرهاب إذ لا يمكن أن يجتمع الحب مع ثقافة الدم التي لا تعرف سبيلاً للرحمة .

ويمكنني أن أضيف أمراً آخر لتأسيس ثقافة حياتية واعية وناضجة، وهو أن الإنسان إذا اعتبر أنّ الخير واجب عقلي وأخلاقي بعيداً عن أية إيديولوجية فإنّه سيساهم في بناء الحياة وفي تحقيق الإنسانية ، ولا يمكنني أن أغفل أمراً مهماً مرتبطاً بسابقه ،وهو أنّ الإنسان إذا تعلّم أن يبذل الخير للآخرين وأن يأخذ بيدهم وأن يخدم المجتمع فإنّه بذلك يساهم في الحفاظ على توازنه الإنسانيّ في الحياة. وقد دلّت الكثير من البحوث النفسيّة أنّ الاستقرار النفسي يتحقّق من خلال ممارسة الأعمال لاجتماعية والخيريّة التي تتعدّى الذات لتصبّ في خدمة الآخر ممّا يضعف الانغماس في الأنا ويزيد من مشاعر الحب والتوافق مع الذات والآخر .

وأقول – أخيراً- لكي نحافظ على ثقافة ناضجة في معنى الحياة فإنّه ينبغي علينا أن نفكّر في الحياة لا الموت بل يجب أن ننظر بأنه لا يوجد موت في الواقع وإن بدا لنا ذلك . فنحن أحياء وحياتنا مستمرة ولقد حملنا حياة أجدادنا عبر جيناتهم التي وهبونا إياها ونحن حينما نغيب عن الحياة فإننا نهدي جيناتنا للأجيال اللاحقة وهكذا تستمر الحياة جيلاً بعد جيل عبر هذه الجينات ممّا يجعل الموت مجازاً لا حقيقة وهذا في نظري هو الذي جعل البعض يتوهّم بأن هنالك تناسخاً للأرواح لأنهم وجدوا تشابه الأبناء والأحفاد مع آبائهم في الشكل والطباع والسلوك والحالة الذهنية والنفسية والعقلية والوضع الصحيّ مما جعلهم يستنتجون بأن أرواح آبائهم حلّتْ في أبنائهم عبر التقمّص إلا أنّ ذلك مجرد وهم لا حقيقة، والواقع أنّ الآباء يهدون جيناتهم للأجيال المتعاقبة عبر الوراثة فأصبحوا أحياء رغم موتهم .

وبكل ذلك يمكن أن نقول لكل المؤدلجين بثقافة دينية مغلوطة يجب أن تنظروا للحياة لا الموت وأن تكون نظرتكم على أساس ثقافي صحيح مبني على تحقيق إنسانية كاملة غير مشوّهة تساهم في البناء والتعمير لا الهدم والتدمير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق