![]() |
| سلمان عبد الله الحبيب |
لا نكاد نبصر مجتمعاً إنسانياً خالياً من الصراعات حتى لو بدا الأمر غير
ذلك وقد يتساءل البعض لماذا يمكن لهذا أن يحدث رغم وجود القوانين والأنظمة
والتشريعات ؟!
وهذا التساؤل رغمَ بساطته للوهلة الأولى إلا أنه عميق عند الإمعان فيه إذ
يتطلّب منّا استقصاء الأدلة والبحث الجادّ للتعرّف على طبيعة هذا الصراع وتسليط
الضوء على حقيقته ومنشئه لنبحرَ في مغامرة نستبطن فيها عالم الإنسان الذي نجهل
الكثير عنه .
لقد جعل (فرويد) صاحب مدرسة التحليل النفسي أصل الصراع الإنسانيّ ذاتيّاً
حيث يبدأ الفرد صراعه من خلال تعارض غرائزه مع متطلّبات المجتمع والحضارة . وهو
يرى أنّ غريزة العدوان متأصلة في الإنسان ولو تُرك له المجال لظهرتْ هذه الغريزة
في أبشع صورها كما نرى ذلك في الحروب ، وفي مثل هذا الاتجاه نرى الفيلسوف(هوبز)
الذي يرى كذلك أن طبيعة الإنسان طبيعة شريرة فهو- في نظره - ذئب لأخيه الإنسان
وهذا ما يجعله في صراع مع الآخرين مما يؤدّي
ذلك حسب قوله إلى (حرب الكل ضد الكل).
وهنالك فيلسوف آخر هو (روني جيرار) الذي يرى أنّ نشأة الصراعات الإنسانية
كانتْ من خلال التنافس في الرغبات الإنسانية مما يؤدّي بالإنسان إلى السيطرة بدافع
القوة فإن وجد من هو أقوى منه أدّى به ذلك إلى (الانتقام المؤجّل) .
وإن خرجنا عن تلك النظرة الذاتية لأصل الصراعات الإنسانية فخير ما
يطالعنا في هذا المجال رؤية (كارل ماركس) الذي جعل الصراع في المجتمعات البشرية - منذ
البدء إلى يومنا هذا - صراعا طبقياً من أجل المصالح .
ولو تأمّلنا فيما سبق من آراء بالقول إن طبيعة البشر عدوانيّة مما يؤدّي
ذلك إلى الصراع فلا زال لدينا تساؤل لماذا لم تحدث تلك الصراعات عند الجميع وفي كل
الأوقات ؟ وإنْ كان الصراع بسبب التنافس في الرغبات فماذا عن الصراع من أجل فكرة
أو حقيقة يؤمن بها فرد أو فئة ما ؟ وماذا عن الصراع من أجل اللون أو الجنس أو
الطائفة أو العرق ؟
أما إنْ كان القول بأنّ أصلَ الصراع طبقيّ من أجل مصلحة الطبقة
الاجتماعية فسيكون الصراع بهذا محصوراً في الجانب الاقتصاديّ وسيكون بين الأغنياء
والفقراء فالغنيّ يستغل الفقير ويحاول سلبه واستعباده ،والفقير يحاول الثأر ممن
سلبه واستغله واستعبده ولكنْ من حقنا أن نسأل القائل بمثل ذلك القول :هل الصراع
بين البشر يتمثّل في الجانب الاقتصاديّ فقط ؟! وماذا عن صراع الطبقة الواحدة أي
صراع الفقراء مع الفقراء وصراع الأغنياء مع الأغنياء؟!
من كل ما استعرضناه يمكنني القول بأنني أتفق مع الرأي الذاهب إلى وجود
غريزة متأصّلة في الإنسان هي غريزة (العدوان) لكنّني أضيف إلى ذلك أنَّ أصل الصراع
هو أنّ الإنسان يحافظ على (الأنا) سواء أكانت الأنا فردية ، أم اجتماعية ،فإذا
أحسّ فرد ما بأنّ هنالك ما يمثّل تهديداً لتلك (الأنا) من وجهة نظره ،فسيبدأ صراعه
ضد الآخر وبهذا سيكون الصراع متسعاً ليشمل الجانب الماديّ والمعنويّ ؛ بمعنى أنّ
فرداً ما عندما يشعر بأنّ الآخر ينال منه شخصياً أو يسعى لأخذ حقه أو يحاول النيل
من طائفته أو لونه أو عرقه أو حينما يعتقد ذلك الفرد أن الآخر يمثّل تهديداً له
ولوجوده فسيبدأ صراعه وعدوانه تجاه ذلك التهديد أو ذلك الذي يعتقد بأنه يمثل
تهديداً له ليحافظ على تلك (الأنا).
وبهذا فإنّ أصل الصراع ذاتيّ يهدف الفرد من خلاله للحفاظ على (أناه
الفردية أو الاجتماعية) ولا يمكن أن ينتهي الصراع إلا إذا انتهى التهديد أو ما يعتقد
الفرد أنه تهديد له أو لفئته التي ينتمي إليها .
* سلمان عبد الله الحبيب

