الجمعة، 18 مارس 2016

أصل الصراعات البشرية


أصل الصراعات البشرية
سلمان عبد الله الحبيب


لا نكاد نبصر مجتمعاً إنسانياً خالياً من الصراعات حتى لو بدا الأمر غير ذلك وقد يتساءل البعض لماذا يمكن لهذا أن يحدث رغم وجود القوانين والأنظمة والتشريعات ؟!

وهذا التساؤل رغمَ بساطته للوهلة الأولى إلا أنه عميق عند الإمعان فيه إذ يتطلّب منّا استقصاء الأدلة والبحث الجادّ للتعرّف على طبيعة هذا الصراع وتسليط الضوء على حقيقته ومنشئه لنبحرَ في مغامرة نستبطن فيها عالم الإنسان الذي نجهل الكثير عنه .

لقد جعل (فرويد) صاحب مدرسة التحليل النفسي أصل الصراع الإنسانيّ ذاتيّاً حيث يبدأ الفرد صراعه من خلال تعارض غرائزه مع متطلّبات المجتمع والحضارة . وهو يرى أنّ غريزة العدوان متأصلة في الإنسان ولو تُرك له المجال لظهرتْ هذه الغريزة في أبشع صورها كما نرى ذلك في الحروب ، وفي مثل هذا الاتجاه نرى الفيلسوف(هوبز) الذي يرى كذلك أن طبيعة الإنسان طبيعة شريرة فهو- في نظره - ذئب لأخيه الإنسان وهذا ما  يجعله في صراع مع الآخرين مما يؤدّي ذلك حسب قوله إلى (حرب الكل ضد الكل).

وهنالك فيلسوف آخر هو (روني جيرار) الذي يرى أنّ نشأة الصراعات الإنسانية كانتْ من خلال التنافس في الرغبات الإنسانية مما يؤدّي بالإنسان إلى السيطرة بدافع القوة فإن وجد من هو أقوى منه أدّى به ذلك إلى (الانتقام المؤجّل) .

وإن خرجنا عن تلك النظرة الذاتية لأصل الصراعات الإنسانية فخير ما يطالعنا في هذا المجال رؤية (كارل ماركس) الذي جعل الصراع في المجتمعات البشرية - منذ البدء إلى يومنا هذا - صراعا طبقياً من أجل المصالح .

ولو تأمّلنا فيما سبق من آراء بالقول إن طبيعة البشر عدوانيّة مما يؤدّي ذلك إلى الصراع فلا زال لدينا تساؤل لماذا لم تحدث تلك الصراعات عند الجميع وفي كل الأوقات ؟ وإنْ كان الصراع بسبب التنافس في الرغبات فماذا عن الصراع من أجل فكرة أو حقيقة يؤمن بها فرد أو فئة ما ؟ وماذا عن الصراع من أجل اللون أو الجنس أو الطائفة أو العرق ؟

أما إنْ كان القول بأنّ أصلَ الصراع طبقيّ من أجل مصلحة الطبقة الاجتماعية فسيكون الصراع بهذا محصوراً في الجانب الاقتصاديّ وسيكون بين الأغنياء والفقراء فالغنيّ يستغل الفقير ويحاول سلبه واستعباده ،والفقير يحاول الثأر ممن سلبه واستغله واستعبده ولكنْ من حقنا أن نسأل القائل بمثل ذلك القول :هل الصراع بين البشر يتمثّل في الجانب الاقتصاديّ فقط ؟! وماذا عن صراع الطبقة الواحدة أي صراع الفقراء مع الفقراء وصراع الأغنياء مع الأغنياء؟!   

من كل ما استعرضناه يمكنني القول بأنني أتفق مع الرأي الذاهب إلى وجود غريزة متأصّلة في الإنسان هي غريزة (العدوان) لكنّني أضيف إلى ذلك أنَّ أصل الصراع هو أنّ الإنسان يحافظ على (الأنا) سواء أكانت الأنا فردية ، أم اجتماعية ،فإذا أحسّ فرد ما بأنّ هنالك ما يمثّل تهديداً لتلك (الأنا) من وجهة نظره ،فسيبدأ صراعه ضد الآخر وبهذا سيكون الصراع متسعاً ليشمل الجانب الماديّ والمعنويّ ؛ بمعنى أنّ فرداً ما عندما يشعر بأنّ الآخر ينال منه شخصياً أو يسعى لأخذ حقه أو يحاول النيل من طائفته أو لونه أو عرقه أو حينما يعتقد ذلك الفرد أن الآخر يمثّل تهديداً له ولوجوده فسيبدأ صراعه وعدوانه تجاه ذلك التهديد أو ذلك الذي يعتقد بأنه يمثل تهديداً له ليحافظ على تلك (الأنا).

وبهذا فإنّ أصل الصراع ذاتيّ يهدف الفرد من خلاله للحفاظ على (أناه الفردية أو الاجتماعية) ولا يمكن أن ينتهي الصراع إلا إذا انتهى التهديد أو ما يعتقد الفرد أنه تهديد له أو لفئته التي ينتمي إليها .



* سلمان عبد الله الحبيب

الاثنين، 7 مارس 2016

الحبسة العاطفية

سلمان عبد الله الحبيب 
قد يمتلك البعض قدرة طبيعية على الكلام في مختلف المواقف إلا أنهم يكونون غير قادرين على التعبير عن عواطفهم تجاه الطرف الآخر بما يمكن أن نطلق عليه (الحبسة العاطفية) التي يصعب فيها التعبير وكأنّ صاحبها طفل يتعلّم لتوّه الكلمات مما يؤدّي إلى النفور والتباعد ؛لأنّ الحب كما قال عنه الفيلسوف (أوشو) هديّة كلما أهديته أكثر امتلكته أكثر .
ولا تقتصر تلك الحبسة العاطفية على جنس معيّن فهي تصيب النساء والرجال إلا أنّها تصيب النساء أكثر لكثرة القيود الاجتماعية عليهنّ.
وتعود أسباب تلك الحبسة العاطفية إلى الخجل أو القلق أو الخوف من العلاقة العاطفية أو تعود إلى ثقافة المجتمع التي تفرض القيود على المشاعر أو إلى التنشئة الاجتماعية أو التنشئة الأسرية .
كما يمكن أن يعود الأمر إلى ما يحدث للفرد من ربط ذهني حيث ترتبط العلاقة لديه بالمحرّم أو العيب أو بالبغاء والانحلال الأخلاقي . وقد تلعب التخيلات الذهنية دوراً كبيراً في تلك الحالة حيث يرى الرجل مثلاً في المرأة أخته أو أمه أو يرى فيها صورة العشيقة التي لا يرغب في أن تكون زوجته أو التي فشل معها في علاقته العاطفية ؛ممّا يجعله ينفر من التعبير العاطفي باعتباره ردة فعل لتجربة سابقة ،وكأن لسان حاله يقول : (إن الحروف تموت حين تُقالُ) .
 ولا يمكن أن نغفل أثر العقد النفسية المكبوتة في السنوات الأولى من عمر الطفل حين يفتقد العاطفة والحب أو تتم معاقبته عند محاولة استكشافه الجنسي البريء مما يجعله لاحقاً غير قادر على أن يكون إنساناً طبيعياً قادراً على التعبير العاطفي بطلاقة وحرية تامّة .
من هنا أصبح لزاماً على الفرد - الذي يعاني من تلك الحبسة العاطفية – أن يسعى لمعالجة هذه المشكلة كيلا يشعر الطرف الآخر بفراغ عاطفي قاتل يؤدي إلى نتائج وخيمة لا تحمد عقباها باعتبار أنّ الإنسان يحتاج إلى العاطفة كما يحتاج إلى الماء والهواء .