![]() |
| سلمان عبد الله الحبيب |
هنالك عالم نعيشه
وندركه .إنه هذا العالم المحسوس لدينا والذي نعرف قوانينه من جاذبية وحركة وزمان
ومكان وغير ذلك. ولكن هل نحن هنا فقط أم أنّنا نتوق إلى عالم آخر هناك كما أشار
إلى ذلك الدكتور علي شريعتي إذ يرى أنّ البشر منذ بدء الحياة يتطلّعون إلى العالم
الآخر ويشعرون بأنهّم لا ينتمون كسائر الموجودات لهذا العالم ؟!
وعلينا أن نعترفَ
بكلّ جرأة وثقة بأنّه ليس من السهولة الدخول إلى عالم آخر لسنا على صلة به من قريب
أو بعيد ثم نقوم بادّعاء معرفتنا لأمور ميتافيزيقية لا سبيل إلى اختبارها أو
استقصائها والكشف عنها وقد أقرّ (كانط ) بصعوبة الدخول إلى عالم ميتافيزيقي
بالأدوات والقوانين نفسها التي نستخدمها في عالمنا هذا من زمان ومكان أو علة
ومعلول ونحو ذلك .
والجدير بالذكر أنّنا
هنا والآن نعيش عالماً آخر يحيط بنا ويملأ أرجاء هذا الكون دون أن نبصره كما تثبت
ذلك الفيزياء الكمّية . هذا العالم الذي لا نبصره رغم عيشنا فيه هو العالم الآخر
بالنسبة لعالمنا باعتباره بعيداً عن مستوى الحواس والإدراك المباشر .
إنه بالفعل عالم آخر
بالنسبة لنا ولكن ليس بالمعنى الميتافيزيقي ؛فهو يتكوّن من جزيئات صغيرة دون مستوى
الذرة وتحيط بنا من كل جانب ولكنّنا لا نرى ذلك وهذا قد يلبّي شيئاً من شغف
العلماء والفلاسفة الماديين الذين اعترفوا بأصل المادة وأنكروا ما سواها ولكنه
يعيدنا إلى حقيقة في غاية الأهمية وهي أنّنا لا نعيش فقط في هذا العالم المحسوس
لدينا . ومع أنّ العالم الكمّي قد يصطدم به الماديّون مع أصحاب النظرة
الميتافيزيقية إلا أنّهما يلتقيان في الاعتراف بوجود عالم آخر بعيد عن مستوى إدراكنا
المباشر.
إنّنا الآن حينما
نكشف النقاب عن عالم آخر غير محسوس بالنسبة لنا هو العالم دون الذرّي الذي جعل
البعض مثل العالم ( إيفريت) يعتقد بنظرية العوالم المتعدّدة (Many worlds theory) فنحن نفتح الباب لكثير من التأمّلات والافتراضات وأهمها أنّنا لا
نعيش عالماً واحداً وأنّ العالم دون الذريّ قد يكون حلقة وصل بين عالمنا الذي
نعيشه وبين العالم الآخر بالمفهوم الديني والفلسفي وقد تكون نظرتنا من هذه الزاوية
إعادة تأويل لقول ابن عربي : ( العالم هو اعتراف متبادل بالوجود بين الله والإنسان
عبر العقل).
ذلك العالم دون
الذرّي قد أراه من وجهة نظري (الروح الكليّة) التي تحرّك الكون في الفلسفة
الهيجلية حيث يرى (هيجل) أنّ كل ما في الوجود هو سعي للتكامل للوصول إلى (مطلق
الوجود ) من خلال التطوّر الطبيعي القائم على التناقض الذي هو جوهر التاريخ
والحياة بشكل عام .
إنّ هيجل جعل منّا مع
كل الموجودات مجرّد أدوات تؤدّي دوراً محدداً في مسيرة الحياة؛ فالعقل الكلّي في
نظره ،هو محرك التاريخ والوجود الذي يفرض علينا نصاً مكتوباً تتطوّر فيه الأحداث ،وترتقي
لتصل إليه في النهاية .وإن خرجنا عن النص قليلاً فإنّنا في نهاية المطاف سنحقق ما
هو مكتوب في الرواية .
إنّ ذلك التصاعد
والترقّي التاريخي والطبيعي يتلاقى مع نظرة (ديكارت) الذي جعل من الإنسان متحرّكاً
نحو الكمال لإيمانه بنقصه وما ذلك الكمال إلا مطلق الوجود الذي يعدّ كليّ القدرة .
وفي فلسفتي (هيجل )
و(ديكارت) إيمان بعالم آخر ولكنهما بالتأكيد يقصدان العالم الميتافيزيقي وليس
العالم دون الذرّي .
إن ذلك العالم الذي
تثبته الفيزياء الكميّة يمثل طاقة كونية نتحرّك من خلالها وننطفئ فيها بعد أن نفنى
وهذا يحيلني على مفهوم الروح الكليّة عند هيجل ، ووحدة الوجود في الفكر الصوفي
والعرفاني .
إنّنا فعلاً بين
عالمين : عالم ندركه بكل قوانينه ونشعر به تماماً وعالم آخر لا ندرك شيئاً عنه إلا
أن العقل يوصلنا إليه ويوقفنا عنده ،وبمجرّد وصولنا يتوقف العقل لعدم وجود أدوات
معرفية تتلاءم مع ذلك العالم .
ولكي نتخطى عالمنا
هذا إلى عالم آخر فإنّنا بحاجة إلى لحظة وجوديّة تغيّر إيماننا لنسلك طريقنا
الروحي كما يقول بذلك (كريكغارد) في فلسفته الوجودية ولكنّي أرى أن هذه اللحظة
تحتاج إلى عقل كليّ وإلى أدوات نمتلكها بأيدينا وقوانين ندركها لنصل إلى الجانب
الآخر.
إنّنا من خلال تلك
التجربة الروحية الوجودية الشخصية نجعل من الدين حياة حقيقية تساهم في تطهير الروح
وهي تنسجم مع الأديان ذات الطابع التصوّفي التطهيري كالصوفية والعرفان والديانات
الهندية مثل الهندوسية والبوذية .
إنّ هذه التجربة - التي
تنبع من الذات بغية بناء الروح وترويض الشر وبناء الضمير الإنساني والاعتماد على
العقل والنضج - هي الجوهر الحقيقي لكل الأديان مهما تعدّدت الطرق في الاتصال بواجب
الوجود .
تلك التجربة الروحية
التي بُنيت على العقل واستمدّت حياتها من الذات تمثل دين الأحرار بعكس الأديان
التي نقم عليها (نيتشة) والتي أنتجت أخلاق العبيد - حسب قوله - لاعتمادها على
العواطف والطقوس وإلغاء العقل .
ومن التجارب الروحية
الوجودية ذات الطابع التصوفي التطهيري والتي تستدعي الوقوف عندها بتمعّن (التجربة
البوذية) ؛ فبوذا حاول خوض تجربته الروحية بنفسه رافضاً كل ما تلقّاه في الديانة
الهندوسية ليصل إلى حقيقة يطمئنّ إليها فابتعد عن الناس وتأمّل في نفسه وفيما حوله
ليصل في نهاية المطاف إلى الحقائق الأربع وهي : أنّ الحياة معاناة من خلال الولادة
والمرض والشيخوخة والموت ونحو ذلك . والحقيقة الثانية أنّ المعاناة لم تأتِ إلا من
خلال تعلّقنا بالوجود وشغفنا بالمتع الحسيّة . والحقيقة الثالثة أنّ المعاناة يمكن
إيقافها بإنهاء التعلّق بذلك الوجود وتجنّب المتع الحسيّة . أما الحقيقة الرابعة
والأخيرة فهي تقرّ بأنّ إلغاء التعلّق يحتاج إلى طريق نبيل يساهم في وقف المعاناة
وهو ما أسماه بالطريق الثماني لأنه يتكون من ثمان خطوات هي : النظر السليم ،
والنيّة السليمة ، والكلمة السليمة، والعمل السليم ، وكسب الرزق السليم ، والجهد
السليم ، والذهن السليم ، والتركيز السليم .
إنّ بوذا بعد كل هذا
ومن خلال ترويض روحه يصل إلى حالة (النيرفانا) التي تمثّل السعادة المطلقة وهي غاية
البوذي بعد محاولاته الدؤوبة في تهذيب نفسه وترويض روحه وإصلاح داخله وهي تقابل
الجنة في الديانات الإبراهيمية كما تقابل لحظة الانعتاق والاتصال بالمطلق في
الديانة الهندوسية ، بالإضافة إلى أنها تشبه إلى حدّ ما لحظة الكشف والتجلّي عند
أهل التصوّف والعرفان إلا أن حالة (النيرفانا) حالة دائمة وهي النهاية والغاية أما
لحظة الكشف فهي لحظة وقتية تأتي نتيجة ترويض روحي ولا تمثل النهاية والغاية .
وما يمكن أن أؤكّد
عليه هنا أن الإيمان تجربة وجودية تنبع من حاجة الفرد الشخصية إلى يقين يفسّر
وجوده ويعيد له استقراره النفسي من خلال سعيه نحو حقيقة مطلقة كسعي (ديكارت) من
الشك إلى اليقين ومن النقص إلى الكمال ليصل في النهاية إلى الإيمان بمطلق الوجود الذي
يتصف بالكمال وعدم التناهي.
إنّ تلك التجربة
الروحية تعبّر عن وعي الفرد ومشاعره ومستوى إدراكه وطبيعة اتصاله بالروح الكليّة
وبهذا فهي تختلف من فرد لآخر وهنا يطالعنا قول المتصوفة : ( الطرق إلى الله بعدد
أنفاس الخلائق ) ممّا أدّى بهم إلى أن يسلكوا طرقاً متعدّدة منها : القادرية
والرفاعية والسعدية والنقشبندية والعيساوية والتيجانية والسنوسية والمولوية
والجعفرية والخليلية وغير ذلك من الطرق التي يسلكونها .
ومن الخطأ تعميم
التجربة الفردية فالحقيقة الروحية تبدأ من الفرد نفسه لا من خلال الموروث أو ما
يتم تلقينه وأضيف إلى ذلك أنّ التجربة الروحية هي تجربة وجدانية كتذوّق الجمال
لذلك يختلف فرد عن آخر في تذوقه لجمال ما تبعاً لوعيه وشعوره وطبيعة تجربته . كما
أنّ هذه التجربة تسعى إلى الإحساس باللذة
والشعور بالاطمئنان وفي ذلك اختلاف بين الأفراد وتفاوت لا تكاد تجد فيه فرداً يشبه
الآخر .
من هنا أقول بأننا
بين عالمين منفصلين .ولكي نخطو نحو العالم الآخر فإننا نسعى في لحظة وجودية حاسمة باختيارنا
وبحرية تامة وبأدواتنا المعرفية التي توصلنا هناك ثم تقف عقولنا عاجزة عن الوصول
إلى حقائق بعد أن نكونَ قد وصلنا .

