![]() |
| سلمان عبد الله الحبيب |
من أجمل ما يملكه
الإنسان ذلك العقل الذي يمكن أن يعمّر به هذه الأرض وأن يتقدّم به في كل مناحي
حياته ، ولكنْ يجب ألا ينشغل العقل بالأفكار المجرّدة البعيدة عن الواقع أو
الأفكار التافهة التي لا تسمن ولا تغني من جوع .
وقد اعتادت المجتمعات
العربية والإسلامية على مناقشة أفكار مجرّدة وسجالات متعدّدة في قضايا لا قيمة لها
سوى زيادة الخلافات والتشنّجات والتنافر والفرقة . والذي يدعو مجتمعاتنا إلى ذلك التهافت
عدة أسباب منها عدم التسلّح بالعلم والمعرفة والنقد والتحليل وفي مثل ذلك يقول
جمال الدين الأفغاني : ( لن تنبعث شرارة الإصلاح في وسط هذا الظلام إلا إذا تعلّمت
الشعوب العربية وعرفتْ حقوقها ودافعتْ عنها بالثورة القائمة على العلم والعقل )
بالإضافة إلى ذلك فهنالك سبب آخر وهو رجوع المجتمعات العربية إلى التاريخ وقضايا
التراث الديني بدلاً من العلم لتعويض الفشل
فبدلاً من التفكير فيما يبني ويصنع ويعمّر فإننا نفكّر في أفضلية شخصية تاريخية على أخرى أو هل يجوز لعن
فلان أو هل سيكون فلان في الجنة أم في النار أو نعقد ندوات ضخمة للحديث عن فوائد
التداوي ببول البعير أو نؤلف كتاباً للتشافي بالحبة السوداء وقد ندخل في سجالات
وخصومات حول قضايا تاريخية بينما يفكر غيرنا في العيش على سطح القمر ويحضرني في
هذا المجال رأي رالف إميرسون حيث يقول :( للعقول الصغيرة هموم صغيرة ،أما العقول
الكبيرة فليس عندها وقت للهموم ). وليس ذلك فحسب ما يدعو المجتمعات العربية لهذا
الوضع بل هنالك سبب مهم جداً وهو أنّ العقول العربية اعتادت على الاتباع فأصبح العامة
يتبعون الثقافة السائدة دون أن يتمرّدوا عليها بالإضافة إلى اتباع شيوخ الفتنة
الذين يؤججون الصراعات للحفاظ على مكانتهم والذين يصفهم العامة بالعلماء بينما
علماء الطبيعة والفيزياء والكيمياء والرياضيات ونحو ذلك ، فهم دخلاء مزيفون لأن
حفاظ الأحاديث والآيات القرآنية والتاريخ هم العلماء الحقيقيون في مجتمعاتنا
العربية .
بمثل تلك العقول
المليئة بالأقوال والصراعات التاريخية والسجالات التي لا تقدّم ولا تؤخر ؛ لن
نحقّق شيئاً يُذكر في واقعنا الذي نعيشه وسنكتفي بصراع الديكة في حواراتنا والرجوع
إلى الخلف بدلاً من أن نخطو إلى الأمام .
إن العقول النظرية
التي لا تلامس الحياة ولا تخدم الواقع ليست سوى عقول تافهة مهما امتلكت من أفكار
وقرأت من كتب لأنها بُنيت على ما لا ينفع وهذا هو ما يمكن أن أطلق عليه بإهدار
العقول .
ولم يتطوّر الغرب إلا
بالعلم وبالعقول التي تفكّر في الإنتاج والتقدّم على كافة المستويات العلمية
والصناعية والصحية والتعليمية ، ولم تتقدّم اليابان إلا بفضل عقل إداري عملي يهتم
بالإنتاج وروح الجماعة والاهتمام بالتعليم التطبيقي، ولم تتقدّم ماليزيا إلا بفضل
عقل (مهاتير محمد ) الذي حوّل بلده الزراعي إلى بلد صناعي بنسبة 90% من إجمالي الناتج المحلّي ، ولم تتحرّر الهند من
الاحتلال البريطاني إلا بفضل عقل (المهاتما غاندي) الذي وظّف دراسته القانونية
لتحرير بلده وصناعة واقع جديد يقوم على الوحدة الوطنية وإلغاء التمييز والاعتماد
على الاقتصاد الذاتي .
من هنا يمكنني القول
بأن العقول المليئة بالسجالات التاريخية والتراثية والبعيدة عن العلم تعدّ معطلة
لمسيرة التقدّم أما العقل العلمي العملي فهو العقل الذي يصنع نجاحاً حقيقياً لا
يحتاج إلى خطب رنّانة ولا إلى تطبيل وتصفيق وقصائد مديح .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق