الأربعاء، 10 أغسطس 2016

الجمال بين الثبات والتحوّل


سلمان عبد الله الحبيب
حينما يبصر الإنسان الجمال ويشعر بلذة داخلية في أرجاء نفسه، فإنّه قد يقول بعاطفته التلقائية : (الله !) معبراً بهذه الكلمة عن مدى إعجابه بموضوع الجمال ، وقد تموت الحروف على شفتيه فينعقد لسانه فلا يحسن الوصف أو التعبير كما يقول الشاعر نزار قبّاني :

فإذا وقفتُ أمام حسنكِ صــــامتاً

فالصمتُ في حرَمِ الجمالِ جمالُ  

كلمــاتنا فـــي الحـــب تقتلُ حبّنا

إنّ الحروف تمـــوتُ حينَ تُقالُ

وقد يقول آخر على الطريقة الفلسفية الهيجليّة : ذلك رمزٌ للروح المطلق  ومقدّمة لموضوع ميتافيزيقيّ أسمى، أو يقول صوفي عارف : ذلك من تجلّيات الله ودليل للوصول إليه ، وقد يتأمّل أحدهم مدى التناسق والتوافق بين الأجزاء فيقول : ذلك وحدة منسجمة بعثتْ في النفس الإعجاب واللّذة لتناسق أجزائها ،وقد يجد البعض الآخر في ذلك الجمال فتنة تخرجه عن الصواب كامرأة عزيز مصر الذي شغفها حبّ يوسف فلامها النساء على ذلك وراودتْه هي عن نفسه، ومثل هذا ما قال فيه الحلّاج :

إلهـــي ليــــس للعشّاق ذنبٌ

ولكن أنتَ تبلـــو العاشـــقينا

فتخلق كلّ ذي وجـهٍ جمــيلٍ

به تسبي قلوب الناظــــــرينا

وتأمرنا بغضِّ الطرف عنهم

كأنّك مـا خلقتَ لنا عيـــــونا

وتلك النظرة السابقة هي التي تربط بين الجمال والإغواء فرأتْ في كل جمال غواية فأصبحت النساء حبائل الشيطان وأصبح أجمل الشعر أكذبه وأصبح الفنّ الذي يرتبط بالإصلاح والفضيلة ركيكاً وهي نظرة تختلف عن النظرة الصوفية أو الفلسفة الهيجيلية التي ترى في الجمال طريقاً نحو عالم آخر .

 وهكذا يبصر الإنسان الجمال ويختلف عن غيره في موقفه منه والتعبير عنه ولكنّ سؤالنا الأهم هنا : هل الجمال أمر ثابت أم هو أمر متحوّل ؟ أي هل يمكن لما نراه جميلاً أن نراه كذلك مدى الحياة أم أنّ ذلك قد يتغيّر ؟

وللجواب على ذلك فإنّنا نقول : إنّ الظروف والعوامل المؤدّية إلى الشعور بالجمال تتغيّر ولذلك فإنّ الجمال أمر متغيّر حتماً حيث تتغيّر ثقافة الإنسان ومعرفته وذوقه كما حدث للشاعر العبّاسيّ علي بن الجهم الذي عاش في بيئة بدويّة وذاق خشونة الصحراء وحينما قدم على المتوكل أنشده قائلاً :

أنتَ كالكلبِ في حفاظك للودِّ

وكالتيسِ في قراعِ الخطوبِ

أنتَ كالدّلوِ لا عدمناك دلواً

من كبار الدّلا كثير الذَّنُوبِ   ( الذّنوب : كثير جريان الماء )

وقد يبدو ظاهر هذين البيتين ذمّاً للخليفة إلا أنه - في حقيقة الأمر- مدح له بالطريقة البدوية ، فحينما أمر الخليفة لهذا الشاعر بدار على شاطئ دجلة - بعيداً عن خشونة البادية ليقيمَ فيها قرابةَ ستة أشهر مع توفير الغذاء وكافة سبل الراحة – جاءه بعد ذلك لينشده أبياتاً أخرى في غاية العذوبة حيث قال :

عيونُ المها بين الرصـــــافةِ والجســـرِ

جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري

أعَدْنَ لي الشــــــوق القديمَ ولم أكـــــنْ

سلوتُ ولكنْ زدنَ جمــــراً على جمـــرِ

سَلِمــــنَ وأسلمْــنَ   القلــــوب  كأنّمـــا

تُشَكُّ بأطـــــرافِ   المــثقّفـــةِ السُّمْــــرِ

وقُلــــنَ لنــا   نحــنُ   الأهِلّةُ    إنّمـــــا

تضيءُ لمــن يســري بليلٍ ولا تُقــــري

فلا بـــــــذلَ إلا مـــــــا تــزوّدَ ناظــــرٌ

ولا وصلَ إلا بالخيــالِ الذي يســــــري

فقال المتوكّل بعد سماع القصيدة : ( لقد خشيتُ عليه أن يذوب رقةً ولطافة ) .

وفي هذه القصة دليل على مدى تغيّر الذوق لتغيّر الظروف البيئية وما يتبعها من تغيّر للثقافة والمعرفة .

وليست تلك العوامل السابقة  فقط هي ما تؤدّي إلى تغيير شعورنا بالجمال، فهنالك عوامل أخرى منها الظروف النفسية ،كما يحدث للإنسان من اقترانات شرطيّة إذ يقترن شيء كان غير محبّب بذكرى جميلة أو موقف جميل فيصبح عندئذٍ جميلاً أو العكس .ومن تلك الظروف النفسية أيضاً ما يحدث من إسقاطات نفسية إذ يرى الفرد شيئاً ما جميلاً لأنّ نفسه مليئة بالجمال والتفاؤل ويرى الشيء نفسه قبيحاً حينما يكون مكتئباً حزيناً وبهذا فإنه يسقط مشاعره على موضوع الجمال .

ومن العوامل الأخرى المؤدّية للشعور بالجمال ما يحدث للفرد من الإحساس بالتشبّع، فالفرد يرى الشيء جميلاً حتى إذا تشبّع منه وتكرّر عليه مدة طويلة فإنّ شعوره يبدأ بالاضمحلال كما يحدث لنا حينما نعلّق لوحة فنيةً في المنزل وننبهر بجمالها فإذا تقدم بنا الزمن فإنّ هذا الجمال قد يتلاشى تدريجياً وقد يضمحل.

ومما يؤدّي لذلك التحوّل - أيضاً – تغيّر موضوع الجمال الناتج عن المدة الزمنية الطويلة فالمقتنيات الجميلة مثلاً تفقد جمالها تدريجياً مع تقدّم الزمن وكذلك المرأة الجميلة تفقد جمالها بشكل بطيء مع تقدّم العمر وهنا يكون التغيّر في موضوع الجمال نفسه .

وهنالك عامل مرتبط بالزمن وبالعامل النفسي معاً وهو ما يحدث للإنسان حينما يتقدّم به العمر حيث يرى في كل قديمٍ جميلاً لأنه يشبع لديه الرغبة في الماضي وما يحمله من قوة جسدية وعنفوان؛ فهو بذلك لا يحنّ إلى الموضوعات بقدر ما يحنُّ إلى ذاته في تلك المراحل المبكّرة من حياته .

ومما يؤدّي إلى هذا التغيّر عامل مرتبط بالفرد نفسه من خلال ( النظرة العاجلة ) أو (النظرة الأولى) فيبهرنا جمال ما من خلال نظرة خاطفة فلا نلمح التفاصيل ،بل نكون قد لمحنا جزءًا ما بانتقاء لاشعوريّ ،أو كنّا خلال تلك اللحظة الخاطفة في وضع نفسي جميل أو مليء بالشوق إلى التطلّع نحو موضوع الجمال ؛مما جعلنا ننبهر به، فإذا أعدنا النظر مرة بعد أخرى ؛فإنّنا نكتشف أنّ ما كان جميلاً لم يكن سوى وهم أو مجرد سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ،وهذا ما دعا الفيلسوف نيتشه - كما أعتقد-  للقول : ( إنّ أسمى أنواع الجمال ليس هو الذي يفتننا مباشرة ، بل الذي يتسلّل إلينا ببطء دون أن نشعر به ) .

من كل ذلك نخلص إلى أن الجمال بشتى أشكاله - دون أن نحصره في جمال الفن كما فعل هيجل – أمرٌ متغيّر لا يمكن الوثوق به مادامتِ العوامل المؤدّية إليه تتسم بالتحوّل وهذا ما يدفعنا إلى نتيجة أخرى أكثر جرأةً وهي أنّ الحب قد يتغيّر باعتباره نتيجة للشعور بالجمال ؛فما كان مبغوضاً لدينا لقبحه أصبح محبوباً لشعورنا -لاحقاً - بجماله ،وما كان جميلاً بالأمس أصبح اليوم قبيحاً يستوجب بغضه والنفور منه .
* سلمان عبد الله الحبيب

الاثنين، 8 أغسطس 2016

الجمال - رؤية تحليلية لطبيعة الجمال والحكم عليه


سلمان عبد الله الحبيب
 الجمال هو إحدى القيم الثلاث التي تناولتها الفلسفة وهي : (الحق والخير والجمال )، وهو بوابة السعادة التي يمكن أن يكون للإنسان منها نصيب والتي عبّر عنها (كافكا) بقوله :(من يحتفظ بالقدرة على مشاهدة الجمال لا يشيخ أبداً ) .

والجمال – أيضاً - هو التناسب والتوافق بين الأجزاء حسبما يرى أفلاطون والغزّالي . ويبدأ الأمر عبر الإدراك الحسي ثم يتم استشعار الجمال وتذوقه في كل ما حولنا إلا أنه يختلف عن الفن باعتبار أن الفن أمر حسيّ خالص بينما الجمال يتعلق بالجانب الوجداني . وقد تمّ تناول الجمال في الفلسفة الجمالية (الاستاطيقا) منذ بداياته الأولى في العهد اليوناني إلى يومنا هذا ؛ولكنّني سأنحو نحواً آخر، حيث سأوسّع دائرة البحث في موضوعات الجمال وأحاول تناول الطبيعة الجمالية وكيفية الحكم على الجماليات المختلفة بشكل أدق لعلّي بذلك أكون قد ساهمت في إضافة شيء لهذه الفلسفة الإنسانية .

الجمال غير محصور في الفنون بمختلف أنواعها من رسم ونحت وموسيقى وأدب ونحو ذلك بل يمكن أن نلمح الجمال في المقتنيات الحسية أو في الطبيعة أو في الثقافة ،كما يمكن أن نلمحه  في الأخلاق كما أشار إلى ذلك (جون ديوي)، بالإضافة إلى ذلك فإنّنا قد نلمح الجمال في الطرف الآخر كجمال المرأة بالنسبة للرجل مما جعل  الشعراء في هذا الجمال الأخير  يتغنّون بمحبوباتهنّ في شعر غزلي بديع أدّى ذلك إلى أن  يتلاقى موضوعان للجمال هما الشعر والمرأة كما أضيف لهما موضوع ثالث وهو الجمال الأخلاقي عبر الغزل العذري ثم التصوف والعرفان .

ولكن كيف لنا أن نحكم على أمر ما بالجمال ؟ وما مصدر ذلك الإحساس ؟

لقد رأى اليونانيون بأن الإله هو المثال الأسمى للجمال وهو الذي أودع هذا الإحساس في البشر ومثل هذا الرأي ما ذهب إليه الفيلسوف هيجل الذي يعدّ الجمال الذي نشاهده من تجلّيات الروح المطلق .ويتفق الرأيان السابقان مع النظرة الصوفية للجمال باعتباره – حسب فلسفتها - من تجليات الله التي تمهّد الطريق للوصول إليه .وتلك النظرة الوجدانية قد تسرّبت - حسب رأيي -  في مختلف الثقافات البشرية بشكل لا شعوريّ وهذا ما يدعو جميع الناس - بمختلف ثقافاتهم حينما يبصرون الجمال - لقول كلمة واحدة بأعلى أصواتهم هي : (الله)، وكأنهم يختصرون النظرة الصوفية أو العرفانية أو النظرة التي تذهب إلى وحدة الوجود حيث يرون في الشيء الجميل الذي أثار إعجابهم تجلياً من تجليات الله وطريقاً للوصول إليه من خلاله ؛لذلك قالوا بتلقائية تامة كلمة ( الله ) ليعبروا عن وجود الله في ذلك الجمال ولعلّ كلمة أفلاطون تكشف عن ذلك في قوله : كلما شاهد الإنسان جمالاً تذكّر جمال الله .

وذهب (إيمانويل كانط) إلى نسبية الجمال لتعدّد الأذواق بين الناس وهو في هذا يذكّرنا بفلسفة (إيليا أبي ماضي ) حين يقول :

ربّ حسن عند زيدٍ هو حسنٌ عند بكرِ

فهما ضدانِ وهْو وهمٌ عند عمْـــــروِ

فمن الصادق فيما يدّعيه ليت شعري

ولماذا ليس للحسن قياس؟!

لست أدري !

وهنالك من يرى أنّ الجمال ينبع من الداخل وليس من الخارج وفي ذلك يقول (إيليا أبو ماضي) :

أيُّ هذا الشاكي وما بكَ داءٌ

كن جميلاً ترَ الوجود جميلا

وهذه النظرة هي التي عبّر عنها (رالف إيمرسون ) بقوله : ( نجوب العالم بحثاً عن الجمال ولا ندري أنّنا يجب أن نحمله بداخلنا وإلا لن نجده أبداً ) .

ولن أخوض في كثير من الآراء والأقوال لأكشف عن مصدر الحكم على الجمال لذلك فإني أجدُ نفسي مضطراً لأبيّن وجهة نظري في كيفية الحكم على كل جميل يستهوينا من خلال عدة أمور منها ما يُعرف بالإسقاط النفسي حيث إننا نرى الشيء جميلاً حينما نكون في لحظة جميلة ونراه عكس ذلك حينما نكون تعساء وهذا ما دفع البعض للقول بأنّ مصدر الجمال داخليّ ولكن ليس هذا الأمر هو الشيء الوحيد الذي يجعلنا نحكم على الشيء بالجمال فهنالك عوامل أخرى منها التنشئة الاجتماعية والثقافية والأسرية بالإضافة إلى رصيد الفرد الفكريّ ومعلوماته الثقافيّة .

وقد يدفعنا للحكم على الجمال ما يحدث من اقتران شرطيّ حسب المدرسة السلوكية حيث يقترن المثير الخارجي بشيء محبّب ممّا يدفعنا للإحساس بجماله كما يحدث للفرد حينما يستعذب قطعة موسيقية عند ارتباطها بذكريات جميلة أو حينما يستشعر جمال نص أدبي لاقترانه بمناسبة جميلة وهكذا .

ولا يمكننا أن نغفل أمراً آخر وهو ما يحدث عند الفرد من مقارنة داخلية بالنموذج أو المثال فيرى أنّ تلك المرأة قبيحة لأنّ لديه صورة مثالية في عقله للمرأة الجميلة وهو يرى أنّ هذه اللوحة الفنية في غاية الجمال لأنها تتطابق مع الصورة النموذجية التي حملها في عقله عبر مشاهداته ومعلوماته وما اكتسبه من ثقافة وما استنتجه من أفكار .

وفي الحقيقة هنالك جانبٌ فطريّ عند الناس يمكن الاتفاق عليه كجمال الطبيعة مثلاً بالإضافة إلى أن هنالك جانباً يكتسبه الفرد من خلال التنشئة أو الدراسة أو التربية أو نحو ذلك وجانباً نفسيّاً خاصاً بكل فرد من خلال إسقاطاته أو ما حدث له من اقترانات شرطية أو من خلال النماذج التي أرشفها في عقله الباطن وبهذا نخلص إلى أنّ الحكم على الجمال أمر داخليّ ومكتسب ولا يمكن لنا أن نختزل الجمال في جانب واحد وإلا جانبنا الحقيقة والصواب.


 * سلمان عبد الله الحبيب