الاثنين، 8 أغسطس 2016

الجمال - رؤية تحليلية لطبيعة الجمال والحكم عليه


سلمان عبد الله الحبيب
 الجمال هو إحدى القيم الثلاث التي تناولتها الفلسفة وهي : (الحق والخير والجمال )، وهو بوابة السعادة التي يمكن أن يكون للإنسان منها نصيب والتي عبّر عنها (كافكا) بقوله :(من يحتفظ بالقدرة على مشاهدة الجمال لا يشيخ أبداً ) .

والجمال – أيضاً - هو التناسب والتوافق بين الأجزاء حسبما يرى أفلاطون والغزّالي . ويبدأ الأمر عبر الإدراك الحسي ثم يتم استشعار الجمال وتذوقه في كل ما حولنا إلا أنه يختلف عن الفن باعتبار أن الفن أمر حسيّ خالص بينما الجمال يتعلق بالجانب الوجداني . وقد تمّ تناول الجمال في الفلسفة الجمالية (الاستاطيقا) منذ بداياته الأولى في العهد اليوناني إلى يومنا هذا ؛ولكنّني سأنحو نحواً آخر، حيث سأوسّع دائرة البحث في موضوعات الجمال وأحاول تناول الطبيعة الجمالية وكيفية الحكم على الجماليات المختلفة بشكل أدق لعلّي بذلك أكون قد ساهمت في إضافة شيء لهذه الفلسفة الإنسانية .

الجمال غير محصور في الفنون بمختلف أنواعها من رسم ونحت وموسيقى وأدب ونحو ذلك بل يمكن أن نلمح الجمال في المقتنيات الحسية أو في الطبيعة أو في الثقافة ،كما يمكن أن نلمحه  في الأخلاق كما أشار إلى ذلك (جون ديوي)، بالإضافة إلى ذلك فإنّنا قد نلمح الجمال في الطرف الآخر كجمال المرأة بالنسبة للرجل مما جعل  الشعراء في هذا الجمال الأخير  يتغنّون بمحبوباتهنّ في شعر غزلي بديع أدّى ذلك إلى أن  يتلاقى موضوعان للجمال هما الشعر والمرأة كما أضيف لهما موضوع ثالث وهو الجمال الأخلاقي عبر الغزل العذري ثم التصوف والعرفان .

ولكن كيف لنا أن نحكم على أمر ما بالجمال ؟ وما مصدر ذلك الإحساس ؟

لقد رأى اليونانيون بأن الإله هو المثال الأسمى للجمال وهو الذي أودع هذا الإحساس في البشر ومثل هذا الرأي ما ذهب إليه الفيلسوف هيجل الذي يعدّ الجمال الذي نشاهده من تجلّيات الروح المطلق .ويتفق الرأيان السابقان مع النظرة الصوفية للجمال باعتباره – حسب فلسفتها - من تجليات الله التي تمهّد الطريق للوصول إليه .وتلك النظرة الوجدانية قد تسرّبت - حسب رأيي -  في مختلف الثقافات البشرية بشكل لا شعوريّ وهذا ما يدعو جميع الناس - بمختلف ثقافاتهم حينما يبصرون الجمال - لقول كلمة واحدة بأعلى أصواتهم هي : (الله)، وكأنهم يختصرون النظرة الصوفية أو العرفانية أو النظرة التي تذهب إلى وحدة الوجود حيث يرون في الشيء الجميل الذي أثار إعجابهم تجلياً من تجليات الله وطريقاً للوصول إليه من خلاله ؛لذلك قالوا بتلقائية تامة كلمة ( الله ) ليعبروا عن وجود الله في ذلك الجمال ولعلّ كلمة أفلاطون تكشف عن ذلك في قوله : كلما شاهد الإنسان جمالاً تذكّر جمال الله .

وذهب (إيمانويل كانط) إلى نسبية الجمال لتعدّد الأذواق بين الناس وهو في هذا يذكّرنا بفلسفة (إيليا أبي ماضي ) حين يقول :

ربّ حسن عند زيدٍ هو حسنٌ عند بكرِ

فهما ضدانِ وهْو وهمٌ عند عمْـــــروِ

فمن الصادق فيما يدّعيه ليت شعري

ولماذا ليس للحسن قياس؟!

لست أدري !

وهنالك من يرى أنّ الجمال ينبع من الداخل وليس من الخارج وفي ذلك يقول (إيليا أبو ماضي) :

أيُّ هذا الشاكي وما بكَ داءٌ

كن جميلاً ترَ الوجود جميلا

وهذه النظرة هي التي عبّر عنها (رالف إيمرسون ) بقوله : ( نجوب العالم بحثاً عن الجمال ولا ندري أنّنا يجب أن نحمله بداخلنا وإلا لن نجده أبداً ) .

ولن أخوض في كثير من الآراء والأقوال لأكشف عن مصدر الحكم على الجمال لذلك فإني أجدُ نفسي مضطراً لأبيّن وجهة نظري في كيفية الحكم على كل جميل يستهوينا من خلال عدة أمور منها ما يُعرف بالإسقاط النفسي حيث إننا نرى الشيء جميلاً حينما نكون في لحظة جميلة ونراه عكس ذلك حينما نكون تعساء وهذا ما دفع البعض للقول بأنّ مصدر الجمال داخليّ ولكن ليس هذا الأمر هو الشيء الوحيد الذي يجعلنا نحكم على الشيء بالجمال فهنالك عوامل أخرى منها التنشئة الاجتماعية والثقافية والأسرية بالإضافة إلى رصيد الفرد الفكريّ ومعلوماته الثقافيّة .

وقد يدفعنا للحكم على الجمال ما يحدث من اقتران شرطيّ حسب المدرسة السلوكية حيث يقترن المثير الخارجي بشيء محبّب ممّا يدفعنا للإحساس بجماله كما يحدث للفرد حينما يستعذب قطعة موسيقية عند ارتباطها بذكريات جميلة أو حينما يستشعر جمال نص أدبي لاقترانه بمناسبة جميلة وهكذا .

ولا يمكننا أن نغفل أمراً آخر وهو ما يحدث عند الفرد من مقارنة داخلية بالنموذج أو المثال فيرى أنّ تلك المرأة قبيحة لأنّ لديه صورة مثالية في عقله للمرأة الجميلة وهو يرى أنّ هذه اللوحة الفنية في غاية الجمال لأنها تتطابق مع الصورة النموذجية التي حملها في عقله عبر مشاهداته ومعلوماته وما اكتسبه من ثقافة وما استنتجه من أفكار .

وفي الحقيقة هنالك جانبٌ فطريّ عند الناس يمكن الاتفاق عليه كجمال الطبيعة مثلاً بالإضافة إلى أن هنالك جانباً يكتسبه الفرد من خلال التنشئة أو الدراسة أو التربية أو نحو ذلك وجانباً نفسيّاً خاصاً بكل فرد من خلال إسقاطاته أو ما حدث له من اقترانات شرطية أو من خلال النماذج التي أرشفها في عقله الباطن وبهذا نخلص إلى أنّ الحكم على الجمال أمر داخليّ ومكتسب ولا يمكن لنا أن نختزل الجمال في جانب واحد وإلا جانبنا الحقيقة والصواب.


 * سلمان عبد الله الحبيب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق