![]() |
| سلمان عبد الله الحبيب |
إننا نرى المسلمين اليوم قد شوهوا دينهم وأفسدوا فيه كل الفساد ،وأفرزوا الرعب
والخوف من كل مسلم مما اصطُلح عليه مؤخراً (إسلاموفوبيا) وجعلوا من دينهم أداة قتل
وسفك للدماء بشكل يتعدّى فيه أفلام الرعب التي نشاهدها في السينما الغربية .
ولكن ما الذي جعل هؤلاء المتدينين يتحوّلون إلى قتلة دمويين كمصاصي
الدماء لا يفرقون بين أب أو أم أو أخ أو أي إنسان قريب أو بعيد؟!
الذي دفعهم إلى هذا التوحش عدة أسباب من أهمها الخلل الفكري الذي يتشبّع
فيه أولئك الشباب من شيوخهم الذين يقدّسونهم ويثقون في كلامهم دون نقد أومن خلال
ما يقرؤون من كتب أو ما يسمعون من خطب حيث يتم شحن هؤلاء الشباب بجملة من الآيات
التي تحرّض على القتل دون اعتبار للسياق التاريخي أو الظروف أو نحو ذلك فيأخذون
بمثل هذه الآيات في القرآن الكريم :
{كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً
وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ
وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }البقرة216
{أَلَمْ
تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ
لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ
هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ
وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا
وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ
قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ }البقرة246
{أَلَمْ
تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ
وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ
مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً
وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا
إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ
اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً }النساء77
{وَمَن
يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ
مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ
جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }الأنفال16
{يَا أَيُّهَا
النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ
صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ
أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ
}الأنفال65
{وَاقْتُلُوهُمْ
حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ
أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى
يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء
الْكَافِرِينَ }البقرة191
{وَدُّواْ
لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ
مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ
فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ
وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً }النساء89
{وَلاَ
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء
عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }آل عمران169
{قَاتِلُوا
الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا
يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ
مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ
صَاغِرُونَ} التوبة 29
{فَلَا
تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ
وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ }محمد 35
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ
بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ
الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ
خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ
بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ
يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السبيل } الممتحنة 1
{إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ
أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ
كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ
بَنَانٍ }الأنفال 12
{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ
وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا
يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }الأنفال 39
{فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ
فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا
ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ
بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ
أَعْمَالَهُمْ} محمد 4
{قَاتِلُوهُمْ
يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ
وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} التوبة 14
{إِنَّمَا جَزَاءُ
الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا
أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ
مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا
وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } المائدة 33
{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى
لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا
عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ } البقرة 193
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ
غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المتقين } التوبة 123
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ
عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ *
قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ
وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ
اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا
أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ
فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي
الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة: 23، 24].
وهنالك شواهد من السنة النبويّة
يأخذونها بعيداً عن السياق أو صحة التفسير أو صحة الحديث أو نحو ذلك ومن أمثلتها ما
يروى على لسان النبي :
( لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ وَبُعِثْت بِالْحَصَادِ
وَلَمْ أُبْعَث بِالزِّرَاعَةِ ) ،(لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَإِنَّ
أَصْحَابِي أَسْلَمُوا مِنْ خَوْف اللَّه وَأَسْلَمَ النَّاس مِنْ خَوْف السَّيْف ) ، (جُعِلَ رِزْقِي تَحْت ظِلّ
رُمْحِي ..) ، ( أنا الضحوك القتال ) ، ( أمرتُ أن أقاتل الناس ) .
أَصْحَابِي أَسْلَمُوا مِنْ خَوْف اللَّه وَأَسْلَمَ النَّاس مِنْ خَوْف السَّيْف ) ، (جُعِلَ رِزْقِي تَحْت ظِلّ
رُمْحِي ..) ، ( أنا الضحوك القتال ) ، ( أمرتُ أن أقاتل الناس ) .
وهنالك
الكثير من كتب المتأخرين الذين يضعون تصوّرهم عن الإسلام ورؤيتهم الخاصة فيأمرون
بالعنف والقتال وسفك الدماء .
وكل تلك
المفاهيم المشوّهة التي لا تتلاءم مع الفطرة الإنسانية السليمة كفيلة بأن تجعل
الإنسان مجرماً باسم الدين .
وليس هذا
فحسب هو ما يجعل المسلم متوحشاً بل هنالك أسباب أخرى منها العزلة التي يعيشها
المتدين حيث يصبح في عزلة فكرية واجتماعية من خلال رؤيته لنفسه أنه الحق المطلق
مما يمهّد الطريق له لتكفير الآخرين وبالتالي يمهّد لقتالهم .وبالإضافة إلى تلك
العزلة هنالك عزلة أخرى أشد خطراً حيث يعتزل فيها ذلك المتدين الدنيا باعتبارها
لهوا ولعباً ولا ينظر إلا إلى آخرته فيصبح بذلك غريباً عن عالمه وكأنه لا ينتمي
إليه مما يجعله يتطلّع إلى الآخرة التي فيها الظفر بالشهادة والحور العين ويكون
ذلك من خلال تطهير الأرض من الفساد الذي يراه فيها وتكون النتيجة قتلاً وتدميراً
لا تطهيراً كما يدّعي هو وأمثاله .
ومما يؤدّي
إلى هذه الوحشية ما يحدث للمتديّن من محاولة استخدام المبررات والحيل الشرعية التي
تميت ضميره وهي حيل دفاعية لا شعورية تجعل المتدين يقتل ويخرج من قتله بمبرّر شرعي
ويتلاعب بالأعراض فيجد لذلك حيلة شرعية ويمكنه إعطاء ذلك مسمّى آخر ليخرجه من
الحرّج وبالتالي تموت الإنسانية فيه بموت ضميره وكل ذلك يحدث باسم الدين ويأخذ صفة
القداسة .
ويمكننا أن
نلمح لأمر مهم في أسباب هذا التوحّش وهو وجود العدوان داخل كل منّا باعتباره غريزة
متأصلة فينا كما يشير إلى ذلك فرويد في تحليله النفسي .والذي يستثير هذه الغريزة
العدوانية ما يراه الفرد من تحريض عبر الخطب ووسائل الإعلام وما يشاهده في القنوات
الفضائية من قتل وذبح بلباس طائفي وما يراه في المقابل من شهادة وفوز بالجنة والحور
العين والنعيم الأبديّ.
ومع أنّ كل
تلك الأسباب منطقية لحدوث مثل هذا التوحش الدمويّ إلا أنّ البعض قد يتساءل هل ذلك
يكفي لحدوث مثل هذه الظاهرة الدموية ؟!
فأقول بملء
الفم كل ذلك يمثّل استعداداً للانفجار وهو بمثابة إعداد قنابل موقوتة تنتظر
انفجارها في اللحظة الحاسمة وهي كمن يقول له الطبيب إنّ لديك استعداداً وراثياً
للإصابة بمرض السكر مثلاً ؛ لذلك فإنّ هذا الاستعداد يحتاج لأسباب مفجّرة فما هي
تلك الأسباب المفجّرة يا ترى ؟! إنها المشكلات الأسرية والنفسية وما يعيشه الشباب
من البطالة والإحباط والإدمان بالإضافة إلى قلة وعيهم وتحليلهم لما يتلقّون من
أفكار لغياب الحس النقدي والتحليل الفكري .
ومع ازدياد
فئة الشباب في عالمنا العربي - ممن يعيشون حالة الضياع داخل أسرهم أو داخل مجتمعهم
مع طاقاتهم التي لا تجد منفساً طبيعياً لإخراجها بالإضافة إلى ما يعتريهم من
إحباطات مادية وأسرية واجتماعية – نجدهم يستسلمون لمن يحتضنهم ويداعب مشاعرهم بقصص
فانتازية عن العالم الآخر وما ينتظرهم من نساء وموائد وأنهار وثمار يانعة وغلمان
يقومون على الخدمة ،وما يحلّون فيه من أساور من ذهب وما يلبسون فيها من حرير وغير
ذلك مما يجعل هؤلاء الشباب مقبلين على الموت هرباً من حياتهم البائسة فخسروا بذلك
الدنيا والآخرة .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق