الأربعاء، 7 سبتمبر 2016

قراءة المستقبل


سلمان عبد الله الحبيب
لن أقتحم المستقبل كما فعل (نوسترداموس) في رباعياته ،ولن أكون قارئ فنجان ولا منجماً يدّعي الغيب ولكنّي سأقرأ التاريخ قراءة فاحصة متمعنة وأنا أعلم أنّ من سنة التاريخ التغير وعدم الثبات فهو كما قال شوبنهاور:( التغيير هو وحده الأبديّ الخالد) لذلك فإن التاريخ لا يعيد نفسه مادام يسير في حركة حلزونية متطورة لذلك يقول هيجل :( يستحيل على البشر التعلّم من التاريخ ) .

وقبل أن أذكر ما يمكن أن يحدث مستقبلا فإني سأعرض شيئاً مما يمكن أن يكون إضاءة في حركة التاريخ المتطوّرة.

ففي الفلسفة الدياليكتيكية المثالية فإنّ "هيجل" يرى أنّ التناقض هو جوهر كل الظواهر وأنّ كل شيء يسير في تقدّم ونمو عبر الصراع والحركة وينتهي المطاف بهذه الحركة المستمرة إلى أن تصل إلى الكمال الذي يتمثّل في الروح المطلق ؛وهو بهذا ينظر للتاريخ نظرة متفائلة ؛ فما نراه من ضيق وصعوبة الآن فإنه تمهيد لحركة أخرى فأخرى عبر سلسلة من المتناقضات إلى أن يصل إلى الخلاص .

وبعيداً عن تلك النظرة المثالية للتاريخ ،فإنّ (ماركس) يصل عبر المنهج الدياليكتيكي نفسه الذي استفاده من "هيجل" إلى أولوية المادة في ماديته الجدليّة التي يعتبر فيها أنّ المادّة هي المحرّك للتاريخ ،مركزاً على صراع الطبقات، فيتحرّك المجتمع – عنده - من الرأسمالية إلى الاشتراكية منتهياً بالشيوعية التي هي نهاية حركة الصراع الطبقي على أيدي "البروليتاريا" . وهذه النظرة الماديّة الجدليّة تتماشى مع (الداروينيّة) في حركة التطوّر والانتخاب الطبيعي فأصبحتْ – بذلك- مادية ماركس تتناول الصراع الطبقيّ ، بينما نظريّة "دارون" تتناول التطوّر لطبيعي في الكائنات الحيّة والصراع من أجل البقاء.

ولن نفصّل في كل تلك النظريّات والفلسفات إلا أنّ ما يهمّنا منها هو حركة التطوّر التاريخي والطبيعيّ باعتباره نتيجة طبيعيّة وحتميّة .

وحسبّ تتبّعي واطلاعي على كثير من الحركات والاتجاهات فإني أستخلص مجموعة من القواعد التي تسير عليها حركة التطوّر في التاريخ الإنسانيّ وهي تتمثل في التالي :

-   التركيز على عنصر معيّن والانفراد به مثلما انفرد الصوفيون بالإحسان وفصّلوا فيه حتى أصبحوا مذهباً جديداً يضاف إلى المذاهب الأخرى .

-   الإبدال والتحويل كتحوّل عبادة الشمس وما حولها من كواكب إلى الإله وما لديه من أتباع يتحلّون بصفة القداسة.

-   النقض كما هو الحال في الرومانسية حينما نقضت الكلاسيكية أو ما حدث في البوذية حينما نقضت الهندوسية أو المسيحية في نقضها لليهوديّة أو ما يحدث لمجتمع ما بعد حالة من التشبّع حيث يتحوّل ذلك المجتمع مثلاً من اللهو والمجون والحرية المطلقة إلى الالتزام .

-   التعديل بما يتلاءم مع الواقع أو المفاهيم الشخصية كما حدث للشيوعية من تغيير فأصبحت هنالك الشيوعية اللينينية والشوعية الستالينيّة والشيوعية التحرّرية ،ومن الأمثلة الأخرى أيضا ما تم تعديله في بعض الأديان فظهر الدين الليبرالي أو الدين المدني حسبما يتلاءم مع العصر الحاليّ .

-   التغيير بعد ردود أفعال جمعيّة نتيجة ممارسات خاطئة كالإلحاد حينما جاء رد فعل على تصرّفات المتدينين وممارساتهم .

-   إعادة القراءة والتفسير كما حدث للمعتزلة في اعتمادهم على العقل في قراءة النص الديني بينما اعتمد الأشاعرة على النقل دون مبالغة في التحليل والتفسير وكذلك ما حدث من تفسير لأمور الجبر والاختيار فظهرت حركتان شهيرتان هما : (الجبرية والقدريّة) .  

-         الدمج بين مفاهيم مختلفة كما حدث في السيخية التي جمعت بين تعاليم الهندوسية وممارساتها وبين الإسلام .

-         تأثير السلطة السياسية في تغيير اتجاه فكري معين أو محاربته أو إيجاد مبررات لممارسات وأفكار معيّنة .

-   الإهمال نتيجة لعدم المناسبة للعصر أو لوجود بديل منافس مثل السبي والجزية والعبودية التي كانت سائدة في زمن ما بينما أصبحت اليوم من الممارسات الوحشية التي لا تمت للإنسانية بصلة ، ومثل ذلك ما يحدث في اللغة من اندثار لكلمات معينة لأنها لم تعد متناسبة مع الوقت الحاليّ مع وجود مفردات منافسة بديلة .  

-   التتابع واتساع رقعة النتائج وهو عبارة عن حدث ونتيجة ثم نتيجة أخرى لتلك النتيجة السابقة وهكذا حتى تتسع رقعة النتائج .

وأنا سأقف عند ذلك القانون الأخير الذي يتمثل في (اتساع رقعة النتائج)دون تكهّن مني أو تنجيم أو رجم بالغيب .

ويمكنني أن أنظر لتغييرات تاريخية قادمة من خلال المعطيات الحاضرة فعلى صعيد الأسرة مثلاً سنشهد انهياراً لهذه المؤسسة مع حدوث الطلاق والعزوف عن الزواج والعنوسة بسبب البطالة وقلة ذات اليد .

وعلى صعيد التجارة فإننا مقبلون على كساد تجاريّ عام بسبب ضعف القوة الشرائية نتيجة سوء الأحوال الاقتصاديّة وانشغال الناس بلقمة العيش .

وفيما يتعلق بالمجتمع فستظهر السرقات وجرائم الشرف وعودة الأعمال اليدوية والأعمال الإضافية وضعف الإقبال على الدراسات الأكاديمية مع ظهور الاضطرابات النفسية وحالات العنف والإرهاب والتمرّد وزيادة الهجرة إلى الخارج مما سيؤدّي إلى تغيير (ديموغرافي) كبير وبذلك ستكون المواطنة حيث يكون المال .

وفيما يتعلق بالطبيعة فستكون هنالك قلة في الموارد الطبيعية وستظهر المجاعات وسيموت الكثير من الناس لقلة الموارد وقلة ذات اليد .

وعلى صعيد الحاجات الإنسانية فستكون الأولوية للمادة وإشباع الغرائز والحاجة للأمن وتقلّ الحاجة للأمور الأخرى كالحاجة إلى التقدير وتحقيق الذات والحاجات الجمالية ونحو ذلك .

وبالنسبة للأديان فستكون على عدة أشكال منها الدين البراغماتي ذو النفع المباشر ، والدين الطقوسيّ الذي يكون انتشاره في البلدان الفقيرة وفي الأقليات ، والدين المدنيّ ، والدين الوحشي حيث سيصبح الصراع فيه بين الأديان وليس المذاهب وسيحمل فيه المسلم إرثاً تاريخيا انتقامياً والمسيحي و اليهوديّ أيضاً سيحملان مثل ذلك الإرث مما سيؤدي ذلك  إلى إرهاب دينيٍّ شاملٍ لا ينحصر في دين بعينه ،بالإضافة إلى كل تلك الأشكال من الدين سيظهر الإلحاد الذي سيكون منافساً قوياً للأديان .

وسيحدث على الصعيد الحضاريّ الصراع الضخم بين الحضارات ليكون البقاء للأقوى وفيما يتعلّق بالسياسة فستنهار الكثير من الدول العربية وسيشهد الشرق الأوسط تغيراً كبيراً في الخريطة الجغرافية بسبب النازيّة الأمريكيّة والغول الإسرائيليّ .

وسيتم صعود النظام الرأسماليّ الطبقيّ بالإضافة إلى صعود قوات جديدة كالهند والصين وستنقلب المعادلة عند العرب حيث ستكون العمالة الأجنبية - التي لديها الآن ممن تخدمهم في البيت وتوفر الاحتياجات الأساسية وتقوم بالأعمال الحرفية واليدوية والمهن البسيطة - سادة عليهم .

وستزداد أمريكا وإسرائيل في قوتهما وفي امتدادهما وطغيانهما ليكون السقوط أخيراً بعد استنفاد كل الفرص لأنهما ستكونان قد ابتلعتا كل شيء وليست هنالك من دولة ضعيفة تنتهزان الفرصة لخداعها واستنزاف أموالها بحرب أو فزّاعة ما ،وبهذا ستتآكل تلك الدول العظمى تدريجياً وسيكون نهاية التاريخ هي عودة المجتمع إلى حياة بدائية بسيطة لأنّ الحضارة الحديثة حملت معها بذور دمارها حقّاً وأرجو مما كتبته ألا يحدث منه شيء ولكن كما قال الشاعر : ( وما نيل المطالب بالتمنّي) ولعلّنا - إن لم أبالغ- سنشهد الأسوأ في عالم يتجه إلى الجنون في صراعه من أجل البقاء .

* سلمان عبد الله الحبيب


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق