الأحد، 18 ديسمبر 2016

ثقافة التأطير وتأطير الثقافة



سلمان عبد الله الحبيب
الإطار الذهني (Paradigm) هو عبارة عن الأفكار والمعتقدات والمبادئ التي يسير عليها الفرد ،وهو أشبه بصندوق مليء بكل ما يحمله الإنسان في داخله ليسيرَ بذلك منهج حياته  بناءً على ما في ذلك الصندوق .

وتلعب التنشئة الاجتماعية والتنشئة الأسرية دوراً كبيراً في تلك الأطر الذهنية للأفراد وقلّما تجد فرداً خرج من ذلك الصندوق المغلَق . وهذا يفسّر ما يحدث للإنسان الذي قد يبلغ مستوى علمياً متقدّماً لكنّه ينزل إلى معتقدات لا يؤمن بها غير المأفون إذعاناً منه لثقافة المجتمع السائدة ولتنشئة الأسرة التي ينتمي إليها ؛ممّا يجعل خروجه أمراً شبه مستحيل؛ لأن ذلك يعد جريمة لا تغتفر ، ويُرى صاحبها مجرماً متمرّداً منبوذاً من كل أفراد مجتمعه؛ لذلك فهو لا يحاول التفكير في الخروج عن إرثه إذ إنّ مجرد التفكير في ذلك يعني وقوعه في ( التابو) الذي تكون نتائجه وخيمة.

فالمجتمع – إذاً- يؤطّر أفراده بأفكار لا يحيدون عنها وكذلك تفعل الأسرة حيث يقوم الوالدان بتربية أبنائهما بناءً على ما يعتقدان ويؤمنان ،وبناءً على ما ورثاه من المجتمع لتتم بذلك مصادرة الحريات الفرديّة وليكون الإنسان مجرد وعاء يتم ملؤه بقواعد اجتماعية وأسرية وثقافية وهذا يعيدنا لمفهوم الحرية عند (سارتر) فهي الأساس الذي يرتكز عليه الوجود الإنساني باعتبار أن وجود الإنسان سابق لماهيته؛ لذلك فهو حر حرية مطلقة بعيدة عن كل القيود والإملاءات ، وهذا ما جعله ينقم على كل سلطة أو فكر مسبق يؤطّر الإنسان ويلغي حريته كما جعله ينقم – أيضاً – على العلوم الإنسانية التي تتعامل مع الإنسان بشكل عام أي باعتباره نموذجاً كلياً لا باعتباره فرداً يختلف عن الكل ، كما آمن بقدرة الإنسان على تغيير واقعه باعتباره جزءً منه .

تلك الحرية التي آمن بها سارتر ورفض فيها كل أشكال التأطير هي التي جعلته يرفض جائزة (نوبل) ليكون سيد نفسه غير خاضع لسلطة ما .

ولكنّا من ناحية أخرى نرى أنّ الحرية بالمفهوم الوجوديّ السابق مستحيلة فلا وجود لمثل تلك الحرية المطلقة وهذا ما جعل (هيوم) يعتقد بالحتمية السلوكية والاجتماعية ويرى أنّ العقل عبد للعواطف وبالتالي فليس هنالك من سلطان على الفرد سوى ما يعيشه من تجارب وبذلك لا يكون للفرد اختيار بالمعنى المتعارف عليه و(هيوم) متأثر في ذلك بالقوانين الطبيعية والتجارب العلمية .

ومع أنّني لا أتفق مع الحرية المطلقة وأرى أن الحرية يجب أن تكون ضمن ضوابط إنسانية لكي تكون حرية ناضجة مسؤولة كما لا أؤمن بالحتمية التي تجعل الإنسان كالآلة المسيّرة بسلطة المجتمع مع إيماني بأنّ سلطة المجتمع أقوى على الإنسان من أن يمارس حريته ويمكنني أن ألمح إلى شيء في ثقافتنا العربية حيث نرى أنّ (الدين) يعدّ الإطار الجوهري السائد والذي يحتلّ الصدارة ممّا يجعل الخارج عن ذلك شاذاً عن القطيع ومع ذلك فهنالك ثلة قليلة خرجوا عن ثقافتهم السائدة وكان محورهم ( نقد الدين) وهم بذلك لم يخرجوا تماماً عن حدود الدين ولازالوا يتعاطون مع الثقافة الدينية ولذلك يقال : الفرد مهووس بما يمنعه عن نفسه فمحاربو الجنس مهووسون به ومحاربو الدين أكثر تعلّقاً بالدين.

لا أنفي بهذا المثال الحرية الإنسانية ولكنّي أشير إلى حقيقة قد تكون غائبة عن البعض وهي أنّ الحرية قد تكون مجرّد حيلة دفاعية لدى البعض ممّن يحاربون ما هم مهووسون به وبهذا تكون حريّة شكلية فقط ، وأضيف إلى ذلك أن الحرية – أيضاً - قد تُمارس في الخفاء ليكون الفرد حراً فيما يعتقد ويفكّر لكنه مجبر غالباً على أن يسير مع القطيع كيلا يكون العنصر الشاذ في تلك المجموعة وقد يمارس ذلك الفرد حريته في العلن مع دفع ثمن هذه الحرية التي يؤمن بها حينما تصطدم بثقافة المجتمع الذي يعيش فيه.

ولكي يخرج الإنسان من إطاره الذهني أو من صندوقه المغلق فإنه لابدّ أن ينفتح على أطر ذهنية مختلفة للخروج من صندوقه المظلم ويكون ذلك عبر الاطلاع والمثاقفة والمرونة وعدم التعصّب الأعمى بالإضافة إلى ذلك فإنه لا بدّ من النقد الناضج والتحليل المستمر والواعي لكل ما يتم اكتسابه أو تلقّيه فوجود الأنا الإنسانية مرتبط بالتفكير الذي يعي من خلاله الإنسان وجوده لذلك يقول ديكارت :( أنا أفكر إذاً أنا موجود ) وهذا يتفق مع (كانط) الذي ذهب إلى أنّ قيمة الإنسان مشروطة بالعقل . ويختلف عن ذلك ( جون لوك ) الذي أنكر وجود العقل المستقلّ مدّعياً أن العقل مكتسب باعتباره صفحة بيضاء ويتساوى في ذلك مع ( هيوم) ،ولكننا لا نتفق مع هذا الرأي الذي يجعل العقل ثانوياً .

ومن الأمور الأخرى التي تجعل الإنسان يخرج من إطاره الذهني المغلَق هو أن يبدأ بالتغيير بحريته الواعية التي يمكن أن نتفق فيها مع (سارتر) والتي تؤكّد على أن الإنسان قادر على تغيير تاريخه الذي هو جزء منه ؛ لذلك يقول غاندي في هذا السياق : ( كن أنت التغيير الذي تريد أن تراه في هذا العالم ) .

بهذا فنحن ضد ثقافة التأطير وضد تأطير الثقافة ،ومع الخروج من القوالب الجاهزة ،ولكن يجب أن يكون الخروج واعياً مسؤولاً ؛لتكونَ الحرية في مكانها وليكون العقل –هو- القيمة والغاية كما يشير إلى ذلك (كانط ) في منهجه العقلي .



* سلمان عبد الله الحبيب

الاثنين، 5 ديسمبر 2016

الإنسان كما صوروه لنا

سلمان عبد الله الحبيب



يُقال : إن الإنسان أفضل المخلوقات بما أوتي من عقل وحكمة وبما يتمتّع به من قدرة على كبح جماح غرائزه بفضل ذلك العقل وبما يتحلّى به من إنسانية تبعده عن شريعة الغاب .
ذلك العقل الذي تميّز به الإنسان هو الذي رأى (كانط)  في منهجه العقلي بأنّه الغاية التي يستمد منها الإنسان قيمته ويعرف من خلالها الخير والشر .
ولنا أن نتساءل : هل معرفة الخير والشر- التي أشار إليها كانط - تلزم الإنسان بعمل الخير والامتناع عن الشر ؟ ثم ما الذي يلزم الإنسان بالعمل أو الاجتناب وكيف يتم ذلك ؟  
وهل العقل الذي ميّز بين الخير والشر أو الحق والباطل يمتلك السلطة التي تدفعنا للعمل الخيّر واجتناب الشر أم هنالك سلطة أخرى ؟
لقد جاء الإنسان متأخراً في عمر الحياة على هذه الأرض بملايين السنين حيث سبقه إلى الوجود الكثير من الحيوانات التي انقرض بعضها وبذلك يكون الإنسان مجرّد ضيف جاء إلى أرض سكنها غيره من قبل.
ويا ترى ماذا فعل هذا الإنسان العاقل ؟ بالتأكيد ستكون الإجابة بأنه بنى وعمّر وأحرز تقدّما مادياً ملموساً وصنع وابتكر وجعل الحياة لعبة في يده . لكن لا يمكننا أن ننسى أو نتغافل – أيضا- عن كونه دمّر ما بناه وخرّب كل ما أسسه من تقدّم وحضارة وأصبح لا يقل بشاعة عما يحكم شريعة الغاب من وحشية وتنافس ورغبة في تحقيق المصالح الذاتية التي تشبع الأنا المريضة لتكون المبادئ مجرّد شعارات تتلى كجرعة تخدير للشعوب الكادحة  فأصبح الإنسان بذلك - كما يقول هوبز- ذئباً لأخيه الإنسان .
وعلى الرغم من أنّ الحيوان لا يملك عقلاً يميّز بين الخير والشر مع أنّه يسبق الإنسان في تعلّمه والاعتماد على نفسه إلا أن الإنسان الذي يملك ذلك العقل بما فيه من قدرات عليا اتبع خطوات الحيوان الذي تبرأ منه مع تفاخره بعقله ونسي أن العقل الذي أفسد لن يجعله متفوقاً على الحيوان إطلاقاً ؛ فالقيمة الإنسانية - كما يقول هيجل - تتحدّد بامتثال الإنسان للواجب الأخلاقي .
إنّنا لو تأمّلنا ملياً للحياة الإنسانية فإنّنا سنراها أشبه بعبثية (نيتشه) التي تتطلّب القوة لمصارعة الحياة والتغلّب على كل ما فيها من مصاعب وعقبات دون أن يكون للحياة معنى سوى أن تكون قويّاً فقط ، ولو أمعنّا النظر أكثر فأكثر فإنّنا سنتلاقى مع (فرويد) في نظرته للطبيعة البشرية القاتمة بحكم الحتميّة النفسية اللاشعوريّة التي تدفع بالإنسان لإشباع غرائزه وممارسة طبيعته الشريرة لولا سلطة المجتمع التي تدخله في صراعات وكبت وعقد نفسية .
إنّ العقل الذي يتباهى به الإنسان يميّز بين الخير والشر إلا أنه لا يلزم بشيء ولقد آمن كثير من المفكرين بأنّ هنالك سلطة خارجية يمكن أن تحكم السلوك دون أن يمتلك فيها الفرد الحرية المطلقة التي آمنت بها الوجودية وراهنت عليها فخسرت في نهاية المطاف من خلال واقعنا الذي نعيشه فـ(سارتر) الذي زعم بأنّ الإنسان إذا أعطي الحرية المطلقة فإنّه سيستخدمها في الخير باعتباره مسؤولاً ؛لم تكن سوى ضرب من الخيال ،ولم يكن إعطاء الإنسان ذاتيته باعتباره مشروعاً يمتلك الإرادة الحرة لأنّ وجوده يسبق ماهيته سوى تعميق روح الأنا ضد الآخر .
ويحضرني - في هذا السياق – تلك التجربة التي قامت بها (مارينا إبراموفيك) في سنة 1974 حيث وقفت ست ساعات متواصلة دون حراك ووضعتْ إلى جانبها السكين والمسدس والأزهار وتركتْ للجمهور الحرية في عمل ما يريدون دون ممانعة منها أو قيامها بأيّ ردة فعل ، فكان الجمهور يشاهدها في بداية الأمر ثم بدأت التصرفات العدوانيّة من خلال التحرش الجنسي ووخزها بأشواك الأزهار وتمزيق الملابس ومحاولة أحدهم قتلها بالمسدس لولا تدخّل أحد المتفرّجين وبعد انتهاء المدة المحدّدة تحركتْ ففرّ الجمهور ووصلت لنتيجة مفادها أن الإنسان إذا أعطي الحرية المطلقة سيتصرّف بكل عدائية وشر مهما كانت ثقافته أو جنسه أو عرقه مما يجعل وجود قانون يحكم الإنسان أمراً حتمياً .
وبعد هذا نقول بأنّ الحياة تشبه في عبثيتها شريعة الغاب .والقانون يمكن أن يحكم سلوك الناس ظاهرياً فقط ،كما أنّه موضوع بيد الإنسان الذي تحكمه نزعة الشر؛ لذلك لا يمكن الاطمئنان إليه بدرجة كاملة ؛مع أن وجوده ضرورة حتميّة ، أما بالنسبة إلى العقل فإنّه يقوم بالتفريق والتمييز بين الخير والشر دون أن يمتلك السلطة على الذات البشرية ؛لذلك يفرض القانون سلطته ،والإنسان يمتلك إرادة حرة محاطة بسلطة المجتمع والقانون والدين والغرائز الذاتية وتبقى حرية الإنسان ضمن ضوابط تحكمه ولو ظاهراً لتخفيف عبثية الحياة الإنسانية .


  • سلمان عبد الله الحبيب