الاثنين، 5 ديسمبر 2016

الإنسان كما صوروه لنا

سلمان عبد الله الحبيب



يُقال : إن الإنسان أفضل المخلوقات بما أوتي من عقل وحكمة وبما يتمتّع به من قدرة على كبح جماح غرائزه بفضل ذلك العقل وبما يتحلّى به من إنسانية تبعده عن شريعة الغاب .
ذلك العقل الذي تميّز به الإنسان هو الذي رأى (كانط)  في منهجه العقلي بأنّه الغاية التي يستمد منها الإنسان قيمته ويعرف من خلالها الخير والشر .
ولنا أن نتساءل : هل معرفة الخير والشر- التي أشار إليها كانط - تلزم الإنسان بعمل الخير والامتناع عن الشر ؟ ثم ما الذي يلزم الإنسان بالعمل أو الاجتناب وكيف يتم ذلك ؟  
وهل العقل الذي ميّز بين الخير والشر أو الحق والباطل يمتلك السلطة التي تدفعنا للعمل الخيّر واجتناب الشر أم هنالك سلطة أخرى ؟
لقد جاء الإنسان متأخراً في عمر الحياة على هذه الأرض بملايين السنين حيث سبقه إلى الوجود الكثير من الحيوانات التي انقرض بعضها وبذلك يكون الإنسان مجرّد ضيف جاء إلى أرض سكنها غيره من قبل.
ويا ترى ماذا فعل هذا الإنسان العاقل ؟ بالتأكيد ستكون الإجابة بأنه بنى وعمّر وأحرز تقدّما مادياً ملموساً وصنع وابتكر وجعل الحياة لعبة في يده . لكن لا يمكننا أن ننسى أو نتغافل – أيضا- عن كونه دمّر ما بناه وخرّب كل ما أسسه من تقدّم وحضارة وأصبح لا يقل بشاعة عما يحكم شريعة الغاب من وحشية وتنافس ورغبة في تحقيق المصالح الذاتية التي تشبع الأنا المريضة لتكون المبادئ مجرّد شعارات تتلى كجرعة تخدير للشعوب الكادحة  فأصبح الإنسان بذلك - كما يقول هوبز- ذئباً لأخيه الإنسان .
وعلى الرغم من أنّ الحيوان لا يملك عقلاً يميّز بين الخير والشر مع أنّه يسبق الإنسان في تعلّمه والاعتماد على نفسه إلا أن الإنسان الذي يملك ذلك العقل بما فيه من قدرات عليا اتبع خطوات الحيوان الذي تبرأ منه مع تفاخره بعقله ونسي أن العقل الذي أفسد لن يجعله متفوقاً على الحيوان إطلاقاً ؛ فالقيمة الإنسانية - كما يقول هيجل - تتحدّد بامتثال الإنسان للواجب الأخلاقي .
إنّنا لو تأمّلنا ملياً للحياة الإنسانية فإنّنا سنراها أشبه بعبثية (نيتشه) التي تتطلّب القوة لمصارعة الحياة والتغلّب على كل ما فيها من مصاعب وعقبات دون أن يكون للحياة معنى سوى أن تكون قويّاً فقط ، ولو أمعنّا النظر أكثر فأكثر فإنّنا سنتلاقى مع (فرويد) في نظرته للطبيعة البشرية القاتمة بحكم الحتميّة النفسية اللاشعوريّة التي تدفع بالإنسان لإشباع غرائزه وممارسة طبيعته الشريرة لولا سلطة المجتمع التي تدخله في صراعات وكبت وعقد نفسية .
إنّ العقل الذي يتباهى به الإنسان يميّز بين الخير والشر إلا أنه لا يلزم بشيء ولقد آمن كثير من المفكرين بأنّ هنالك سلطة خارجية يمكن أن تحكم السلوك دون أن يمتلك فيها الفرد الحرية المطلقة التي آمنت بها الوجودية وراهنت عليها فخسرت في نهاية المطاف من خلال واقعنا الذي نعيشه فـ(سارتر) الذي زعم بأنّ الإنسان إذا أعطي الحرية المطلقة فإنّه سيستخدمها في الخير باعتباره مسؤولاً ؛لم تكن سوى ضرب من الخيال ،ولم يكن إعطاء الإنسان ذاتيته باعتباره مشروعاً يمتلك الإرادة الحرة لأنّ وجوده يسبق ماهيته سوى تعميق روح الأنا ضد الآخر .
ويحضرني - في هذا السياق – تلك التجربة التي قامت بها (مارينا إبراموفيك) في سنة 1974 حيث وقفت ست ساعات متواصلة دون حراك ووضعتْ إلى جانبها السكين والمسدس والأزهار وتركتْ للجمهور الحرية في عمل ما يريدون دون ممانعة منها أو قيامها بأيّ ردة فعل ، فكان الجمهور يشاهدها في بداية الأمر ثم بدأت التصرفات العدوانيّة من خلال التحرش الجنسي ووخزها بأشواك الأزهار وتمزيق الملابس ومحاولة أحدهم قتلها بالمسدس لولا تدخّل أحد المتفرّجين وبعد انتهاء المدة المحدّدة تحركتْ ففرّ الجمهور ووصلت لنتيجة مفادها أن الإنسان إذا أعطي الحرية المطلقة سيتصرّف بكل عدائية وشر مهما كانت ثقافته أو جنسه أو عرقه مما يجعل وجود قانون يحكم الإنسان أمراً حتمياً .
وبعد هذا نقول بأنّ الحياة تشبه في عبثيتها شريعة الغاب .والقانون يمكن أن يحكم سلوك الناس ظاهرياً فقط ،كما أنّه موضوع بيد الإنسان الذي تحكمه نزعة الشر؛ لذلك لا يمكن الاطمئنان إليه بدرجة كاملة ؛مع أن وجوده ضرورة حتميّة ، أما بالنسبة إلى العقل فإنّه يقوم بالتفريق والتمييز بين الخير والشر دون أن يمتلك السلطة على الذات البشرية ؛لذلك يفرض القانون سلطته ،والإنسان يمتلك إرادة حرة محاطة بسلطة المجتمع والقانون والدين والغرائز الذاتية وتبقى حرية الإنسان ضمن ضوابط تحكمه ولو ظاهراً لتخفيف عبثية الحياة الإنسانية .


  • سلمان عبد الله الحبيب     

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق