الاثنين، 21 ديسمبر 2015

السعادة بين التصور الذهني والواقع المعيشي


سلمان عبد الله الحبيب
السعادة مطلب الناس جميعاً . وكلٌّ يغرّد حسب طريقته وفهمه ،ويسعى للحصول عليها في نهاية المطاف . وقد يبدو هذا الموضوع سهلاً للوهلة الأولى ؛إلا أنّ الأمر ليس بهذه البساطة ؛حيث يمكننا التساؤل حول طبيعة السعادة :هل هي متحققة بالفعل أم مجرّد أمنيات ؟ وهل هي ثابتة أم نسبية ؟ وهل السعادة – ياترى - جسدية أم ذهنية ؟ كما يمكننا أن نتساءل :هل هي دينية أم أخلاقية وهل هي داخلية أم خارجية ؟ وكيف يمكن أن تتحقق ولماذا نسعى إليها وهل هي غاية في ذاتها أم وسيلة لشيء آخر ؟ وهكذا ندور في فضاء متسع من التساؤلات التي قد يصعب حصرها .

وقد اختلفت السعادة في مفهومها ،وتفسير حقيقتها ،عند الفلاسفة والمفكرين ،كما كانت للأديان آراء مختلفة ،بالإضافة إلى اختلاف العلوم الإنسانية ،وكذلك الثقافات الاجتماعية ،والنظرة الشخصية لكل فرد .

وتجاوز هذا الاختلاف حدود الوجهة التي يُفسَّر من خلالها مفهوم السعادة ؛فيختلف الفلاسفة وهم في حقل واحد، كما يختلف المتدينون أيضاً ،وتختلف كذلك العلوم الإنسانية والثقافات المتعدّدة ،بالإضافة إلى اختلاف نظرة كل فرد حسب حاجاته الشخصية.

ونجد هذا التباين في الفلسفة حيث يرى سقراط أن القناعة والانقطاع عن اللذائذ هو ما يحقق السعادة ويزكي الروح ،بينما يعارضه في هذه النظرة أنتيفون ويرى أن تلك النظرة تؤدي لتعاسة الإنسان وشقائه لا إلى سعادته وابتهاجه .

ويرى أفلاطون أن السعادة تتمثّل في اتباع الفضيلة ،أما أرسطو فالسعادة عنده في تحقيق الخير المطلق ، وهو يفرّق بين ثلاثة أنواع من السعادة وهي السعادة الحسية المتمثلة في الطعام والشراب والجنس ويشترك فيها الإنسان مع الحيوان وهذه سعادة وقتية سرعان ما تزول ، وهنالك سعادة سياسية أو عمومية وتكون لأصحاب المراكز السياسية بما يحصلون عليه من تمجيد وتقدير ،وهذه أيضا سعادة وقتية سرعان ما تزول بمجرّد افتقاد أولئك السياسيين لمناصبهم ، والسعادة الأخيرة في نظره هي السعادة العقلية التي تهدف - من خلال الحكمة والمعرفة - إلى الفضيلة التي هي بين رذيلتين أو بين إفراط وتفريط .

ويرى الفيلسوف (كانط) صاحب المنهج العقلي بأنّ السعادة هو المثل الأعلى المطلق في التصوّر الذهني الذي يصيب منه المرء شيئاً يرتبط بحدود تجربته المحدودة من خلال سعيه لتحقيق الخير الذي ينهي الصراع بين الأهواء والضمير وهذه نظرة أخلاقية تجعل من الإنسان يسعى للخير دون النظر للثواب والعقاب بل يعمل الخير باعتباره واجباً عقلياً .

والسعادة في نظر (أبيقور)  تتمثل في تحقيق لذة النفس والجسد معاً ،من خلال تحقيق المنفعة الذاتية بشرط الاعتدال والقناعة التي لا يقصد بها التقشّف . وليست كل لذة مقبولة عنده حيث يرفض بعض اللذات التي  تؤدي لآلامه وشقائه كما يرى أنّ الصبر على الآلام يحقق السعادة بعد أن يتخطّاها ويحصل على مراده .  

وشوبنهاور ينظر للحياة بسوداوية فيراها مجرّد آلام وشقاء وما يحدث للإنسان من بهجة فهي مجرّد لذة عابرة ،وهذا يذكّرنا بقول الشاعر :

حلاوتها ممزوجة بمرارة / وراحتها ممزوجة بعناءِ

 أما (ديفيد هيوم ) فالسعادة من وجهة نظره تكون بتهذيب الذوق لاستشعار الفن والجمال وهنالك فيلسوف آخر يدعى ( أندريه لالاند) يجد أن السعادة إشباع لحاجات الفرد ورغباته .

ومن الفلسفات ما ترى أنّ اللذائذ الحسية هي التي تؤدي إلى السعادة وهنالك فلسفة أخرى ترى أن السعادة تتحقق في امتثال الإنسان للقانون الطبيعي الذي يمثل الإرادة الكلية فيقبل الإنسان الموت والمرض وما يحدث من كوارث طبيعية بالإضافة إلى استجابته لنداء الطبيعة في تلبية رغباته وحاجاته دون أن يمتثل لسيطرة الآخرين التي تعارض حقه الطبيعي .وقد ظهرت في عصر النهضة فلسفة أخرى ترى أن السعادة مجرّد وهم لا يمكن أن يتحقّق .

وهنالك نظرة فلسفية مرتبطة بالدين كالتي يراها ( توما الأكويني ) حيث يقول بأن السعادة المطلقة هي ما يمكن أن يحصل عليه الإنسان في الحياة الأخرى أما في الدنيا فلن يجد سعادة كاملة وهي تشبه نظرة (ابن مسكويه ) الذي يرى أن السعادة تكون بتطهير الروح من خلال التعلق بالله وهذه سعادة الحياة الأخرى، أما سعادة الدنيا فتتمثل عنده في الحفاظ على الجسد بإبعاده عن المحرّمات وتنميته بالحدود المشروعة.

والسعادة في الفلسفة الوجودية تكون بالحرية الفرديةّ والإرادة المستقلّة وتحقيق الرغبات وكل ما يحقق من خلاله الإنسان وجودَه الذي سبق ماهيته وهويته.

والسعادة في الأديان تكون بتطهير الروح والالتزام الأخلاقي، ففي البوذية تتحقق السعادة في البعد عن اللذات والشهوات والانقطاع عن كل ما يربطنا بالحياة والزهد فيها ليصل الإنسان إلى السعادة المطلقة وهي (النيرفانا) أما في الهندوسية فهي انقطاع وزهد من أجل انعتاق الروح للوصول إلى إلههم (براهما) بعيداً عن عالم المادة بما فيها من شقاء وبؤس وتناسخ للأرواح. وفي التراث الصوفي ما يشبه ذلك حيث تتحقق السعادة بالانقطاع عن الدنيا والزهد فيها للوصول من إلى لحظة الكشف والتجلّي التي يكون فيها الإنسان مرتبطاً بواجب الوجود أو متحداً بالمطلق اللامتناهي. وفي الأديان الإبراهيمية - خارج إطار الفلسفة - فإن السعادة تتحقق بالالتزام بالأوامر الإلهية واجتناب المحرّمات والالتزام بالعبادة والطاعة المطلقة والعبودية الخالصة لله .

وفي الفلسفة الإسلامية نظرة مختلفة للسعادة فيرى الفارابي أن السعادة تكون بالعقل والمنطق لتمييز الحق من الباطل بالإضافة إلى الابتعاد عن اللذات الحسية .وابن سينا في فلسفته الإسلامية يرى أن السعادة تكون بتطهير الروح والابتعاد عن الملذات الجسدية .والسهروردي وهو فيلسوف صوفي يرى أنّ السعادة تتحقّق بتصفية الروح والوصول إلى لحظة الكشف والاتصال بالذات الربّانية وابن عربي يرى أن السعادة ليست بالعقل وليست بالحس ولكنها تتحقق بالوجدان للوصول إلى التجلّي والاتحاد في المطلق ويتخذ الغزّالي موقفاً مماثلاً في فلسفته الصوفية حيث يرى أن السعادة تتحقّق في الخلوة والانقطاع عن الدنيا والوصول إلى الذات الربانية ؛وبذلك تتفق الفلسفة الصوفية في نبذ الملذات الحسية والدنيوية والالتزام بالانقطاع وتزكية الروح والحس الوجداني للوصول إلى درجة يتعدّى فيها الإنسان عالم المحسوسات ليدخل إلى عالم الغيب فيكون بالنسبة له لحظة كشف وحضور .

وفي الفلسفة الصينية يطالعنا الفيلسوف ( كونفوشيوس) الذي يرى السعادة في تحقيق الإنسانية الخالصة بما يقتضيه الواجب الأخلاقي بينما يختلف معه الفيلسوف (لاوتزو) الذي يشبه في رؤيته النظرة الصوفية حيث يرى بأن الكون في حالة حركة مستمرة بين (الين) و(اليانج) وعلى الإنسان ليكون سعيداً أن يركن إلى حالة السكون (اللافعل) فيتخلى عن العلم والمعرفة والسيطرة والشهوات ويتحلى بالضعف والتواضع والسكون ليتحد بالطاو الذي يمثل المطلق فيكون هو المطلق بعد فنائه فيه وبهذا فهو يمثل العودة إلى الطبيعة والحالة البدائية التي تحارب المدنية وضجيج المنافسة والسيطرة .

والسعادة عند العامة - بعيداً عن التعقيدات الفلسفية  - هو تحقيق ما يحتاجه الإنسان والحصول على أمنياته وكل ما ينقصه فالفقير يرى سعادته في امتلاك المال والمريض يرى سعادته في صحته والضعيف يرى السعادة في القوة والمشتاق يرى سعادته فيمن يشتاق إليه إلى غير ذلك مما يحتاج إليه الإنسان .

والسعادة في العلوم الإنسانية تنحو منحى آخر فهي تحقيق الصحة النفسية أو التوافق النفسي بين الذات والغير أو تحقيق الأهداف حسب القدرات والإمكانات أو هي تحقيق الحاجات الإنسانية حسب هرم ماسلو أو هي إطلاق للرغبات والغرائز حسب نظرية التحليل النفسي .

وحينما نعيد النظر فيما سبق من آراء ندرك مدى تعقيد الحياة الإنسانية وندرك أنّنا أمام أمر جادّ يحتاج بالفعل إلى تأمّل ودراسة ويمكنني القول بأنّ السعادة ذاتية وجسدية ونفسية لكنّها ليست في الزهد والتقشّف والحرمان وإلا كان الفقراء والمحرومون من أسعد الناس وقد حاربت الأديان الأثرياء لأنهم كانوا ضدّها وليس لأنّ الثراء يجلب التعاسة بالإضافة إلى أنّ كثيرا من الأديان يعتمد فيها رجال الدين على عطايا الناس من طعام وشراب ونحو ذلك كما هو عند الهندوسيين أو البوذيين وغيرهم ممّا يجعلهم يرون في فقرهم سعادة وهذا منافٍ للحقيقة بل هو مجرد خداع للذات يتخذه هؤلاء باعتباره حيلة دفاعية لاشعورية تجاه معاناتهم .

وليست السعادة في الضعف والسكون إذ لا يمكن أن نجلب السعادة مما يؤدي إلى الشقاء إلا إذا كان البعض منّا يتمثّل في ذلك بقول الشاعر أبي نواس :

( دع عنك لومي فإنّ اللومّ إغراءُ / ودواني بالتي كانت هي الداء )

حيث جعل دواءه في دائه وصحته في مرضه وهذه الدعوة للضعف هي ما جعلتْ الفيلسوف (نيتشه) ينقم على الأديان التي أسستْ في نظره للضعف وجعلت الناس كقطيع الأغنام وأنتجتْ أخلاق العبيد داعياً في ذلك للقوة التي يجب أن يتحلّى بها الإنسان . كما لا يمكننا أن نتصوّر السعادة بالانقطاع عن الدنيا والعزلة والرهبانية وكل ذلك مجرّد هروب وهو أيضاً حيلة دفاعية يلجأ إليها الإنسان حينما يواجه المسؤوليات والأعباء فيضطر للهرب منها خوفاً من مواجهتها ثم يلبسها ثوب القداسة ليجعل لها مبرراً قوياً يرضي به ذاته إلا أنّ الهروب يظلّ أمراً سلبياً وخوفاً من مواجهة الواقع فالهارب برهبنته كالهارب نحو المخدّرات أو المسكرات ويحضرني هنا قول الشاعر إيليا أبي ماضي في وصفه للرهبان :

أيها الهارب إن العار في هذا الفرارِ

لا صلاحٌ في الذي تفعل حتى للقفار

أنتَ جانٍ أيُّ جانٍ قاتل في غير ثارِ

أفيرضى الله عن هذا ويعفو ؟

لست أدري !

ويقول أيضاً في رده عليهم :

إنْ تكُ العزلة نسكا وتقى فالذّئب راهبْ

وعرين اللّيث دير حبّه فرضٌ وواجبْ

ليت شعري أيميت النّسك أم يحيي المواهبْ

كيف يمحو النّسك إثما وهو إثم؟..

لست أدري!

وليست السعادة في العقل كما يروّج بعض المفكرين فكثير ممّن يجهد عقله بالتفكير يعيش حالة تعاسة يحسد من خلالها أولئك الذين لم يتمتعوا بالعقل كما يقول المتنبيّ :

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله

وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ

وليست السعادة أيضاً في تحقيق اللذائذ الحسية فكثيراً ما يشعر الإنسان برفضه لتلك اللذائذ بعد تشبّعه منها إن لم يعتدل فيها ويضع لها ضابطاً قيمياً .

وأنا بهذا قد أصبت القارئ بحيرة حيث يسأل إذاً ما هي السعادة ؟ فأقول : السعادة تبدأ من الداخل من خلال تحقيق المنافع الذاتية والحاجات الإنسانية مع الاعتدال بالإضافة إلى السعي نحو الأهداف من خلال تحدّي العقبات وبهذا تكون السعادة دائمة لكنّها لا يمكن أن تكون متصلة فهي سلسلة من التحديات تحتاج إلى الصبر لتحقيق الهدف الذي يؤدي بدوره إلى تحقيق السعادة ويمكننا بهذا أن نقول بمعنى آخر تكون السعادة من خلال شعور الإنسان بالنقص في طبيعته الإنسانية ومحاولته سد هذا النقص بصبره ومثابرته ،وكل إنسان - بهذا المفهوم -  ناقص يحتاج إلى شيء يكمّله فيسعى لامتلاك المال إن كان فقيراً ويسعى للحصول على الصحة إن كان مريضاً ويسعى للدراسة والتعلّم إن كان جاهلاً ويسعى للزواج إن كان عازباً ولكن يجب أن يراعي في تحقيق أهدافه النظر لإمكاناته وقدراته وبذلك تكون السعادة نسبية إلا أنها تتفق في حقيقة واحدة هي تعويض النقص ويمكننا أن نجمل كل ذلك في تعريف السعادة بأنّها تعويض للنقص بشرط أن يمتلك الإنسان القوّة والصبر ومراعاة حقيقة إمكاناته وقدراته ليدرك هدفه ويصل إلى السعادة بعد ذلك ثم يبحث عن هدف آخر ليتحدّى فيه كل العقبات لتحقيق الهدف والسعادة وهكذا يكون الإنسان في سلسلة متقطعة من السعادة وهذا ما يجعلنا نشعر بها؛ لأنها تأتي بعد المعاناة والألم ولولا ذلك لم نعرف السعادة لأن الأشياء تُعرف بنقائضها ونضيف لهذا المفهوم مفهوماً آخر يؤدّي للسعادة وهو تحقيق الفضائل الإنسانية باعتبارها واجباً عقلياً وأخلاقياً وبهذا يكون فكر الإنسان نقياً ويرى الأشياء من خلال إنسانيته ممّا يجعله إنساناً بما تحمله هذه الكلمة من معنى ونقول له بما قاله الشاعر : ( كن جميلاً ترَ الوجود جميلاً )  .

* سلمان عبد الله الحبيب

الخميس، 10 ديسمبر 2015

الحقيقة بين الوعي الفردي والامتثال الاجتماعي


سلمان عبد الله الحبيب
كلنا نمتلك المعلومات والمعارف المتراكمة التي تزداد يوماً بعد يوم ،ولكن كيف اكتسبنا كل تلك الأفكار ؟!هل سعينا بالبحث والتأمل والتدقيق للوصول إليها أم توارثناها جيلاً بعد جيل من البيئة التي ننتمي إليها أو أخذناها من خلال جماعتنا المرجعية التي تؤثر في قراراتنا ومحتوى أفكارنا؟!

وهل الحقائق التي اكتسبناها أنا أو أنت كانت عبارة عن استنتاجات شخصية بحتة أو عن تجربة ذاتية أو هل هي بمعنى آخر نابعة من الذات كما يرى ذلك الوجوديون ؟ أم كانت مسلّمات فكرية تأتي من الخارج لنذعنَ لها دون أدنى تفكير فيها ؟!

كل تلك التساؤلات قد تورطنا في طبيعة الحياة الإنسانية التي ينزّهها الإنسان وينظر لها نظرة إكبار ويراها أعظم من الحياة الحيوانية نظراً لما أوتي الإنسان من عقل وإرادة حرة ،إلا أنّنا قد نخيب آمال الكثير من الناس حينما يجدون أنّ العقل الجمعي يقوم بتسيير الفرد بشكل يصعب مقاومته في كثير من الأحيان وقد أجريت عدة تجارب في هذا المجال تبيّن مدى تأثير المجموعة في أفكار الفرد وسلوكه ومن أشهرها دراسات آش (Asch  ) .

إنّ الفرد قد يصل إلى حقيقة ما قد لا تتفق مع ما يؤمن به المجتمع فإما أن يسير مع فكرته مؤكداً هويته الشخصية فيكون بذلك شاذاً منبوذاً وإما أن يساير مجتمعه ؛ليكون بذلك تابعاً مؤمناً إيمانا أعمى بما يؤمن به مجتمعه أو الجماعة المرجعية التي ينتمي إليها ؛وليحافظَ على استقراره النفسي وشعوره بالانتماء والقبول الاجتماعي ،وقد يكون هذا الإيمان نفاقاً اجتماعياً حيث يؤمن الفرد بشيء لا يستطيع البوح به لمجتمعه أو الجماعة التي ينتمي إليها .وليس هذا فحسب بل إنّ هذا الإيمان قد يكون بسبب البساطة الفكرية وعدم امتلاك المعرفة الكافية أو عدم القدرة على النقد والتحليل أو بسبب الشعور بالدونية والنقص أمام الجماعة .

وقد يدعو لهذه التبعية أيضاً – كما تشير الدراسات النفسية – خوف الفرد من التصريح بآرائه الخاصة أو الشك في معرفته وقدراته أو بسبب تعلّقه الكبير بالجماعة التي ينتمي إليها .

هذا الفكر الذي يأخذه الفرد دون تدقيق أو تمحيص وتلك السلوكيات التي يسلكها الفرد دون أدنى تدبّر في مدى صحتها أو جدواها وكل ذلك الذي اكتسبه دون فهم للمغزى منه ليس سوى ما يعرف في علم النفس الاجتماعي  بمصطلح الامتثال الاجتماعي ( Conformity ) أو ما يعبّر عنه بسلوك القطيع (Herd behavior) .

ويمكننا أن نعبّر عن هذه التبعية الاجتماعية بأنها استعارة الفرد لعقل الآخرين بسبب ضعف فيه أو خوف منه أو رغبة منه في العيش بسلام ،وقد نرى هذا الامتثال في مظاهر متعدّدة في حياتنا من العادات والتقاليد والمعتقدات وكل الإيديولوجيات ،ويمكننا أن نراه في العنصرية والطائفية والتكفير والإرهاب أو في المظاهرات أو ما يحدث في الأندية الرياضية من تشجيع أو ما يحدث في سوق البورصة من مسايرة عمياء .

وقد نرى ذلك في الأديان وما يتم تلقينه للفرد الذي يكتسب دين مجتمعه ويورثه لأبنائه جيلاً بعد جيل أو نراه في الأحزاب السياسية أو الاتجاهات الفكرية المتطرّفة التي تتبع عقل الجماعة .

والانشقاق عن الجماعة وعدم الامتثال الاجتماعي لها (Anticonformity) يحتاج لجرأة كبيرة وتضحية وقدرة على المواجهة وتوكيد للذات كما يتطلّب قدرة كافية على النقد والتحليل والشعور بالاستقلالية والقدرة على تحمّل نتائج هذا الانشقاق من مقاطعة وتشويه صورة ذلك الفرد المنشقّ واتهامه بأبشع التهم وأسوأ الصفات ورميه بالهرطقة أو التمرّد أو الغباء أو الكفر أو التكبّر مما يجعله تحت ضغط اجتماعي يجبره على الاستسلام كيلا يعيش غريباً في مجتمعه .

ذلك الانشقاق يعني  حاجة الإنسان إلى أن يمارس وعيه الفردي كيلا يكون مستلباً في مجتمعه وهذا يتطلّب منه الاستقلالية والحفاظ على الهوية الشخصية والإرادة الحرة والشجاعة لإيصال الصوت وتغيير الواقع بكل جرأة وتحدٍّ وإصرار ؛لأنّ الحقيقة التي تبدأ من وعينا الفردي وعن دراية تامة منّا وعن دراسة واقتناع شخصي هي بداية الانطلاق للمعرفة الأصيلة وهي للأسف الشديد مسيرة النخبة المثقفة التي لا تعرف الإذعان والتي تمثّل القلة، أما بقية أفراد المجتمع فهم يسيرون سير القطيع هادئين مطمئنين لا يريدون تعكير صفو حياتهم بأي شيء يمكن أن يزلزل معتقداتهم أو ينتهك سلوكياتهم ويقتحم مشاعرهم ليكونوا كالبهائم أو أضل سبيلا بينما يكون الخارج عن هذا القطيع متمرداً شاذاً يجب مقاطعته ومحاربته وتصفيته فهل يا ترى أنا وأنت ننطلق من وعينا الفردي أم من خلال ما يتلوه علينا آباؤنا من أساطير الأولين ؟!

* سلمان عبد الله الحبيب

الثلاثاء، 1 ديسمبر 2015

تطوّر الفكر الإنساني


سلمان عبد الله الحبيب - تطور الفكر الإنساني
بدأ الإنسان الأول قبل ارتقائه للحالة الإنسانية الكاملة كما هي اليوم، بدون لغة، فاكتفى بالرسوم والإشارات مع بعض الكلمات البسيطة التي تقترب من الطبيعة الحيوانية ،وكانت لغته شبه معدومة لأنّ أهم ما كان يسعى إليه الفرد هو البحث عن سبل العيش من طعام وشراب وسكن وتكاثر ونحو ذلك، فكان أقرب إلى الطبيعة الحيوانية منه إلى الطبيعة البشرية ،بالإضافة إلى أنّ هذا الفرد  كان يتعلّق- أيضاً - بالتابوهات التي نشأت من خلال اقترانات شرطية فابتعد –مثلاً- عن كائن ما لارتباطه بحدث مزعج مما جعله يربط بين هذا الكائن وبين الحدث ليصبح محظوراً فيما بعد حتى مع انتفاء ذلك الحدث ، وهنالك اقترانات شرطية غيبية تشبه تلك التابوهات كأن يتوسل الأفراد – مثلاً-  بمكان معين لارتباطه بحدث مهم وسار مما جعل المكان يحتل قدسية ومكانة في نفوس الأفراد ،وهكذا اكتسب (الموضوع ) قدسية أو تحريماً لارتباطه بحدث يستدعي ذلك فاستمرّتْ الاستجابة لذلك الموضوع حتى بعد أن انتفى الموقف الذي أدّى إلى الربط بينه وبين موضوعه.

وبعد أن ظهرت اللغة بشكل واضح وتام للتواصل بين الأفراد بدأ الإنسان يبحث عن وسائل متطورة للعيش وبدأ يبتكر الكثير من الأشياء من الخشب والحجر والنار والصلصال وبدأ يفسّر الأحداث والظواهر الكونية وأزمة الوجود بشكل بدائي من خلال (الأسطورة) مع وجود التابوهات ؛فظهرت عدة أشكال من الأساطير تتمثل في الأسطورة الطقوسية المرتبطة بالشعائر والأسطورة الرمزية ذات البعد الدلالي ،والأسطورة التعليلية التي تفسر أسباب الظواهر وعلل الأشياء بالإضافة إلى أسطورة التكوين التي تفسّر الظواهر الكونية وحقيقة الوجود ، ثم ارتقى بعد ذلك - بعد أن اتسعت مفرداته وكلماته وأصبح لديه فائض لغوي - ليبدأ بالتأمل الذهني عبر التفكير الفلسفي الذي يبدأ بمقدّمات منطقية يصل من خلالها إلى نتائج مقنعة فأصبح يعالج قضايا الكون والوجود من منطلق فلسفي وتفكير تأمّلي خارج نطاق الأسطورة البدائية التي تفتقد المنطق في التفكير أوالنظر للأمور من خلال الاستقصاء والاستنتاج و التأمّل والربط بطريقة مقنعة ،وبذلك تشعبّت الأمور الفلسفية من خلال الزاوية التي تركز عليها فظهرت الفلسفة الميتافيزيقية والفلسفة الإبستمولوجية والفلسفة الجمالية والفلسفة الأخلاقية ثم ظهرت فلسفات للعلوم وغير ذلك من أنواع الفلسفة.

وبوجود اللغة - التي وصلت مستوى عاليا رفيعاً مع مستوى من الفكر المتوقّد  والخيال الجامح الذي خلفته الأساطير في نفوس الناس-  نشأ الشعر والغناء والقصص ، ثم جاءتْ مرحلة جديدة حيث بدأ يخوض الإنسان التجارب ويعتمد على الملاحظة والتفكير المنطقي مما أدى ذلك إلى ظهور الحركة العلمية فبدأ الإنسان بالصناعة والعمل في ميدان الصحة واكتشاف بعض الأمور في الطبيعة أو في جسم الإنسان. وهذه الحركة العلمية جعلتّ التابوهات والأساطير والفلسفة تتراجع إلى حدٍ ما ؛حيث أصبحت الأحكام العقلية مبنية على التجارب والمحسوسات والنظر للأمور بشكل علمي مدروس .

من هنا بدأتْ الأمور تتخذ منحى آخر فأصبح الفكر يفوق اللغة وأصبحت العقلانية تفوق السذاجة الفكرية المرتبطة بالميتافيزيقيا والتفسيرات غير المنطقية وهذا أوجد أشكالاً مختلفة من الفكر الإنساني الذي طغى عليه الفكر المادي والحس التجريبي فأصبح هنالك فئة من الناس مرتبطة بالفكر العلمي مع ارتباطهم بالفكر الأسطوري والخوارق الميتافيزيقية والتابوهات ، وهنالك فئة أخرى أخذتْ الفكر العلمي فقط ،وظهر أشخاص آخرون رفضوا الفكر العلمي وارتبطوا بالفكر الأسطوريّ والتابوهات والغيببيات ،وهنالك من رفض الفكر العلمي لعدم شعوره بالاطمئنان تجاهه ولأنه لم يجد فيه ما يبني إنسانيته ورفض معه كذلك الفكر الأسطوري والتعلّق بالتابوهات والأمور الميتافيزيقية؛لأنه لم يجدها – أيضاً-  قد حققتْ ما يطمح إليه من سعادة .

ومن الطبيعي أن تتغير المعادلة بارتفاع  مستوى الفكر ومستوى العلم وسهولة الحصول على المعرفة بالإضافة إلى شعور الإنسان بالسيطرة والقوة والتفوّق، فبرزت دعوات التحرّر وظهرت العولمة وحقوق الإنسان، وفي مقابل ذلك ظهرت دعوات مضادة ترفض العقل والعلم وتحارب الحريات والعولمة وحقوق الإنسان وتعود إلى استحضار الماضي لتفتك بالحاضر ممّا أدى ذلك الأمر إلى وجود معسكرين متصارعين هما الفكر المتحضّر التنويري بما فيه من علم ومعرفة وحقوق إنسان ، وفكر رجعي بما فيه من عودة للماضي ورفض لكل جديد وإقصاء كل فكر لا ينتمي إلى الموروث القديم ونتج عن ذلك حالة من التشظي الفكري والنفسي والاجتماعي بالإضافة إلى ظهور حالة الاغتراب والاستلاب الثقافي وحالة التبعية العمياء أو الاستقلالية المفرطة .

وهكذا تطوّر الفكر الإنساني من البساطة إلى التعقيد ولا يزال هذا الفكر متطوراً بشكل دياليكتيكي حتميّ عبر الزمن ليجد الإنسان نفسه في حقبة تاريخية متلونة بنمط فكريّ معيّن .

* سلمان عبد الله الحبيب