الثلاثاء، 1 ديسمبر 2015

تطوّر الفكر الإنساني


سلمان عبد الله الحبيب - تطور الفكر الإنساني
بدأ الإنسان الأول قبل ارتقائه للحالة الإنسانية الكاملة كما هي اليوم، بدون لغة، فاكتفى بالرسوم والإشارات مع بعض الكلمات البسيطة التي تقترب من الطبيعة الحيوانية ،وكانت لغته شبه معدومة لأنّ أهم ما كان يسعى إليه الفرد هو البحث عن سبل العيش من طعام وشراب وسكن وتكاثر ونحو ذلك، فكان أقرب إلى الطبيعة الحيوانية منه إلى الطبيعة البشرية ،بالإضافة إلى أنّ هذا الفرد  كان يتعلّق- أيضاً - بالتابوهات التي نشأت من خلال اقترانات شرطية فابتعد –مثلاً- عن كائن ما لارتباطه بحدث مزعج مما جعله يربط بين هذا الكائن وبين الحدث ليصبح محظوراً فيما بعد حتى مع انتفاء ذلك الحدث ، وهنالك اقترانات شرطية غيبية تشبه تلك التابوهات كأن يتوسل الأفراد – مثلاً-  بمكان معين لارتباطه بحدث مهم وسار مما جعل المكان يحتل قدسية ومكانة في نفوس الأفراد ،وهكذا اكتسب (الموضوع ) قدسية أو تحريماً لارتباطه بحدث يستدعي ذلك فاستمرّتْ الاستجابة لذلك الموضوع حتى بعد أن انتفى الموقف الذي أدّى إلى الربط بينه وبين موضوعه.

وبعد أن ظهرت اللغة بشكل واضح وتام للتواصل بين الأفراد بدأ الإنسان يبحث عن وسائل متطورة للعيش وبدأ يبتكر الكثير من الأشياء من الخشب والحجر والنار والصلصال وبدأ يفسّر الأحداث والظواهر الكونية وأزمة الوجود بشكل بدائي من خلال (الأسطورة) مع وجود التابوهات ؛فظهرت عدة أشكال من الأساطير تتمثل في الأسطورة الطقوسية المرتبطة بالشعائر والأسطورة الرمزية ذات البعد الدلالي ،والأسطورة التعليلية التي تفسر أسباب الظواهر وعلل الأشياء بالإضافة إلى أسطورة التكوين التي تفسّر الظواهر الكونية وحقيقة الوجود ، ثم ارتقى بعد ذلك - بعد أن اتسعت مفرداته وكلماته وأصبح لديه فائض لغوي - ليبدأ بالتأمل الذهني عبر التفكير الفلسفي الذي يبدأ بمقدّمات منطقية يصل من خلالها إلى نتائج مقنعة فأصبح يعالج قضايا الكون والوجود من منطلق فلسفي وتفكير تأمّلي خارج نطاق الأسطورة البدائية التي تفتقد المنطق في التفكير أوالنظر للأمور من خلال الاستقصاء والاستنتاج و التأمّل والربط بطريقة مقنعة ،وبذلك تشعبّت الأمور الفلسفية من خلال الزاوية التي تركز عليها فظهرت الفلسفة الميتافيزيقية والفلسفة الإبستمولوجية والفلسفة الجمالية والفلسفة الأخلاقية ثم ظهرت فلسفات للعلوم وغير ذلك من أنواع الفلسفة.

وبوجود اللغة - التي وصلت مستوى عاليا رفيعاً مع مستوى من الفكر المتوقّد  والخيال الجامح الذي خلفته الأساطير في نفوس الناس-  نشأ الشعر والغناء والقصص ، ثم جاءتْ مرحلة جديدة حيث بدأ يخوض الإنسان التجارب ويعتمد على الملاحظة والتفكير المنطقي مما أدى ذلك إلى ظهور الحركة العلمية فبدأ الإنسان بالصناعة والعمل في ميدان الصحة واكتشاف بعض الأمور في الطبيعة أو في جسم الإنسان. وهذه الحركة العلمية جعلتّ التابوهات والأساطير والفلسفة تتراجع إلى حدٍ ما ؛حيث أصبحت الأحكام العقلية مبنية على التجارب والمحسوسات والنظر للأمور بشكل علمي مدروس .

من هنا بدأتْ الأمور تتخذ منحى آخر فأصبح الفكر يفوق اللغة وأصبحت العقلانية تفوق السذاجة الفكرية المرتبطة بالميتافيزيقيا والتفسيرات غير المنطقية وهذا أوجد أشكالاً مختلفة من الفكر الإنساني الذي طغى عليه الفكر المادي والحس التجريبي فأصبح هنالك فئة من الناس مرتبطة بالفكر العلمي مع ارتباطهم بالفكر الأسطوري والخوارق الميتافيزيقية والتابوهات ، وهنالك فئة أخرى أخذتْ الفكر العلمي فقط ،وظهر أشخاص آخرون رفضوا الفكر العلمي وارتبطوا بالفكر الأسطوريّ والتابوهات والغيببيات ،وهنالك من رفض الفكر العلمي لعدم شعوره بالاطمئنان تجاهه ولأنه لم يجد فيه ما يبني إنسانيته ورفض معه كذلك الفكر الأسطوري والتعلّق بالتابوهات والأمور الميتافيزيقية؛لأنه لم يجدها – أيضاً-  قد حققتْ ما يطمح إليه من سعادة .

ومن الطبيعي أن تتغير المعادلة بارتفاع  مستوى الفكر ومستوى العلم وسهولة الحصول على المعرفة بالإضافة إلى شعور الإنسان بالسيطرة والقوة والتفوّق، فبرزت دعوات التحرّر وظهرت العولمة وحقوق الإنسان، وفي مقابل ذلك ظهرت دعوات مضادة ترفض العقل والعلم وتحارب الحريات والعولمة وحقوق الإنسان وتعود إلى استحضار الماضي لتفتك بالحاضر ممّا أدى ذلك الأمر إلى وجود معسكرين متصارعين هما الفكر المتحضّر التنويري بما فيه من علم ومعرفة وحقوق إنسان ، وفكر رجعي بما فيه من عودة للماضي ورفض لكل جديد وإقصاء كل فكر لا ينتمي إلى الموروث القديم ونتج عن ذلك حالة من التشظي الفكري والنفسي والاجتماعي بالإضافة إلى ظهور حالة الاغتراب والاستلاب الثقافي وحالة التبعية العمياء أو الاستقلالية المفرطة .

وهكذا تطوّر الفكر الإنساني من البساطة إلى التعقيد ولا يزال هذا الفكر متطوراً بشكل دياليكتيكي حتميّ عبر الزمن ليجد الإنسان نفسه في حقبة تاريخية متلونة بنمط فكريّ معيّن .

* سلمان عبد الله الحبيب

هناك تعليق واحد:

  1. جميل جدا ورائع ماكتبته استاذي وهذا يذكرنا بما كتبه الكاتب والمفكر العراقي علي الوردي في كتابه مهزلة العقل البشري...

    "ولو درسنا أي مجتمع يتحرك لوجدنا فيه جماعتين تتنازعان على السيطرة فيه. فهناك جماعة المحافظين الذين يريدون إبقاء كل قديم على قدمه وهم يؤمنون أن ليس في الامكان أبدع ممّا كان. ونجد إزاء هذه الجماعة جماعة أخرى معاكسة لها هي تلك التي تدعو إلى التغيير والتجديد وتؤمن أنها تستطيع أن تأتي بما لم يأت به الأوائل.
    من الضروري وجود هاتين الجماعتين في كل مجتمع، فالمجددون يسبقون الزمن ويهيئون المجتمع له. وخلوّ المجتمع منهم قد يؤدي إلى انهياره تحن وطأة الظروف المستجدة. أما المحافظون فدأبهم تجميد المجتمع، وهم بذلك يؤدّون للمجتمع خدمة كبرى من حيث لا يشعرون، إنّهم حماة الأمن والنظام العام، ولولاهم لانهار المجتمع تحت وطأة الضربات التي يكيلها له المجددون الثائرون.
    قدم تثبت المجتمع وأخرى تدفعه، والسير لا يتم إلاّ إذا تفاعلت فيه قوى السكون والحركة معاً.
    والمجتمع الذي تسوده قوى المحافظين يتعفن كالماء الراكد. أما المجتمع الذي تسوده قوى المجددين فيتمرّد كالطوفان حيث يجتاز الحدود والسدود ويهلك الحرث والنسل.
    والمجتمع الصالح ذلك الذي يتحرك بهدوء فلا يتعفن ولا يطغى، إذ تتوازن فيه قوى المحافظة والتجديد فلا تطغى إحداهما على الأخرى."
    — الكاتب والمفكر العراقي علي الوردي (مهزلة العقل البشري)

    ردحذف