الخميس، 10 ديسمبر 2015

الحقيقة بين الوعي الفردي والامتثال الاجتماعي


سلمان عبد الله الحبيب
كلنا نمتلك المعلومات والمعارف المتراكمة التي تزداد يوماً بعد يوم ،ولكن كيف اكتسبنا كل تلك الأفكار ؟!هل سعينا بالبحث والتأمل والتدقيق للوصول إليها أم توارثناها جيلاً بعد جيل من البيئة التي ننتمي إليها أو أخذناها من خلال جماعتنا المرجعية التي تؤثر في قراراتنا ومحتوى أفكارنا؟!

وهل الحقائق التي اكتسبناها أنا أو أنت كانت عبارة عن استنتاجات شخصية بحتة أو عن تجربة ذاتية أو هل هي بمعنى آخر نابعة من الذات كما يرى ذلك الوجوديون ؟ أم كانت مسلّمات فكرية تأتي من الخارج لنذعنَ لها دون أدنى تفكير فيها ؟!

كل تلك التساؤلات قد تورطنا في طبيعة الحياة الإنسانية التي ينزّهها الإنسان وينظر لها نظرة إكبار ويراها أعظم من الحياة الحيوانية نظراً لما أوتي الإنسان من عقل وإرادة حرة ،إلا أنّنا قد نخيب آمال الكثير من الناس حينما يجدون أنّ العقل الجمعي يقوم بتسيير الفرد بشكل يصعب مقاومته في كثير من الأحيان وقد أجريت عدة تجارب في هذا المجال تبيّن مدى تأثير المجموعة في أفكار الفرد وسلوكه ومن أشهرها دراسات آش (Asch  ) .

إنّ الفرد قد يصل إلى حقيقة ما قد لا تتفق مع ما يؤمن به المجتمع فإما أن يسير مع فكرته مؤكداً هويته الشخصية فيكون بذلك شاذاً منبوذاً وإما أن يساير مجتمعه ؛ليكون بذلك تابعاً مؤمناً إيمانا أعمى بما يؤمن به مجتمعه أو الجماعة المرجعية التي ينتمي إليها ؛وليحافظَ على استقراره النفسي وشعوره بالانتماء والقبول الاجتماعي ،وقد يكون هذا الإيمان نفاقاً اجتماعياً حيث يؤمن الفرد بشيء لا يستطيع البوح به لمجتمعه أو الجماعة التي ينتمي إليها .وليس هذا فحسب بل إنّ هذا الإيمان قد يكون بسبب البساطة الفكرية وعدم امتلاك المعرفة الكافية أو عدم القدرة على النقد والتحليل أو بسبب الشعور بالدونية والنقص أمام الجماعة .

وقد يدعو لهذه التبعية أيضاً – كما تشير الدراسات النفسية – خوف الفرد من التصريح بآرائه الخاصة أو الشك في معرفته وقدراته أو بسبب تعلّقه الكبير بالجماعة التي ينتمي إليها .

هذا الفكر الذي يأخذه الفرد دون تدقيق أو تمحيص وتلك السلوكيات التي يسلكها الفرد دون أدنى تدبّر في مدى صحتها أو جدواها وكل ذلك الذي اكتسبه دون فهم للمغزى منه ليس سوى ما يعرف في علم النفس الاجتماعي  بمصطلح الامتثال الاجتماعي ( Conformity ) أو ما يعبّر عنه بسلوك القطيع (Herd behavior) .

ويمكننا أن نعبّر عن هذه التبعية الاجتماعية بأنها استعارة الفرد لعقل الآخرين بسبب ضعف فيه أو خوف منه أو رغبة منه في العيش بسلام ،وقد نرى هذا الامتثال في مظاهر متعدّدة في حياتنا من العادات والتقاليد والمعتقدات وكل الإيديولوجيات ،ويمكننا أن نراه في العنصرية والطائفية والتكفير والإرهاب أو في المظاهرات أو ما يحدث في الأندية الرياضية من تشجيع أو ما يحدث في سوق البورصة من مسايرة عمياء .

وقد نرى ذلك في الأديان وما يتم تلقينه للفرد الذي يكتسب دين مجتمعه ويورثه لأبنائه جيلاً بعد جيل أو نراه في الأحزاب السياسية أو الاتجاهات الفكرية المتطرّفة التي تتبع عقل الجماعة .

والانشقاق عن الجماعة وعدم الامتثال الاجتماعي لها (Anticonformity) يحتاج لجرأة كبيرة وتضحية وقدرة على المواجهة وتوكيد للذات كما يتطلّب قدرة كافية على النقد والتحليل والشعور بالاستقلالية والقدرة على تحمّل نتائج هذا الانشقاق من مقاطعة وتشويه صورة ذلك الفرد المنشقّ واتهامه بأبشع التهم وأسوأ الصفات ورميه بالهرطقة أو التمرّد أو الغباء أو الكفر أو التكبّر مما يجعله تحت ضغط اجتماعي يجبره على الاستسلام كيلا يعيش غريباً في مجتمعه .

ذلك الانشقاق يعني  حاجة الإنسان إلى أن يمارس وعيه الفردي كيلا يكون مستلباً في مجتمعه وهذا يتطلّب منه الاستقلالية والحفاظ على الهوية الشخصية والإرادة الحرة والشجاعة لإيصال الصوت وتغيير الواقع بكل جرأة وتحدٍّ وإصرار ؛لأنّ الحقيقة التي تبدأ من وعينا الفردي وعن دراية تامة منّا وعن دراسة واقتناع شخصي هي بداية الانطلاق للمعرفة الأصيلة وهي للأسف الشديد مسيرة النخبة المثقفة التي لا تعرف الإذعان والتي تمثّل القلة، أما بقية أفراد المجتمع فهم يسيرون سير القطيع هادئين مطمئنين لا يريدون تعكير صفو حياتهم بأي شيء يمكن أن يزلزل معتقداتهم أو ينتهك سلوكياتهم ويقتحم مشاعرهم ليكونوا كالبهائم أو أضل سبيلا بينما يكون الخارج عن هذا القطيع متمرداً شاذاً يجب مقاطعته ومحاربته وتصفيته فهل يا ترى أنا وأنت ننطلق من وعينا الفردي أم من خلال ما يتلوه علينا آباؤنا من أساطير الأولين ؟!

* سلمان عبد الله الحبيب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق