السبت، 13 فبراير 2016

الانكماش الثقافي



سلمان عبد الله الحبيب
 طبيعة الحياة السويّة أن يتعايش فيها أفراد المجتمع مع بعضهم تعايشاً سلمياً تكاملياً ، وأن يستفيدوا من خبرات المجتمعات الأخرى وأن يطلعوا على ثقافاتهم ؛ إلا أن هنالك فئةً من الناس تفضّل الانغلاق على ذاتها وتحاول أن تكون كالقنفذ الذي يحمي جسدَه بالأشواك .

تلك الفئة من الناس تعيش حالة من الدوغمائية والتشدّد في الحكم على الثقافات الأخرى وترفض الحوار أو الاطلاع على الثقافة المغايرة ولا تقبل بما قاله الإمام الشافعي :       (رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب )  فهي التي تحتكر الحقيقة المطلقة ، وتخاف من أي تغيير بل تشعر بأنّ كل تغيير ليس سوى تهديد لثقافتهم التي اطمأنوا إليها بما ورثوه من آبائهم ،وبذلك فهم يعيشون خارج الزمن وتنقطع صلتهم بالمتغيرات الزمنية والتطوّرات المتلاحقة .

هذا الانكماش أو هذا الاتجاه العاطفي لمعتقد معيّن ،أو لموضوع ما بشكل قاطع لايقبل الشك ،هو التعصّب الذي يجعل عقل صاحبه – كما قال أوليفر هولمز – مثل بؤبؤ العين كلّما ازداد الضوء المسلّط عليه ازداد انكماشه .

والذي يدفع هؤلاء إلى هذا الانكماش عدة أسباب تتمثل في عدة أمور وهي :عدم ثقة أولئك المنغلقين بأفكارهم ،والتنشئة الاجتماعية التي تقوم على الأحادية والإقصاء ، والتعرّض لصدمة ثقافيّة أو تهميش كما يحدث للمهاجرين إلى بلدان أخرى أو ما يحدث للأقليّات .ومما يؤدّي إلى ذلك الانكماش أيضاً الخوف من الآخر باعتباره خطراً يهدّد ثقافة المجتمع كخوف العرب والمسلمين من الثقافة الغربية وما فيها من فرض السيادة كما هو الحال في العولمة ، والاعتقاد بنظرية المؤامرة باعتبار الآخر عدواً يخطّط للهدم والتدمير مما يجعل ذلك الفرد الذي لديه الاستعداد للتعصّب لأنْ يكونَ في موضع المدافع الشرس الذي يسعى لنصرة ثقافته المهدورة .

 ويؤدّي لهذا الانكماش كذلك قلة الاطلاع وعدم التوسّع المعرفيّ ،وفي مثل ذلك يقول أرسطو : ( العقل الضيق يقود دائماً إلى التعصّب ) ويمكن أن يؤدي إلى التعصّب تلك العاطفة الدينية العمياء التي لا تبصر سوى حقيقة واحدة تجعل أصحابها ينسفون أي حقيقة أخرى ، ولا يمكن أن نغفل عن سبب آخر يتعلق بالذات والتي عبّر عنها توماس بين بقوله: ( اعتيادك على عدم التفكير في أخطائك يعطيك إحساساً بالصواب ويجعل التعصّب أول طرق الدفاع عن نفسك ) .

ومن زاوية التحليل النفسي فإن ما يدفع للتعصّب والانكماش ، هو الرغبة الكامنة في الانتقام والشعور باليأس والإحباط وكذلك الكبت الذي أشار إليه فرويد في العديد من كتبه مثل : (مستقبل وهم )، و(قلق في الحضارة )، و(لماذا الحرب ؟ )، و(تأملات في الحضارة والحياة الاجتماعية ) ؛ حيث يؤدّي هذا الكبت إلى إلغاء الغرائز من أجل إحلال العدالة التي تقوم على المساواة القانونية لجميع أفراد المجتمع ولكنّها تظلم الإنسان الفرد ؛ لذلك يرى (فرويد) أن الثقافة المتحضّرة هي منشأ الشر والتعصّب .

وينشأ التعصّب عند عالم النفس (ميلتون) من خلال ثنائية الجيد والرديء؛ إذ يرى الفرد أنّ فكره جيد لأنه يمثل الحق مما سيجعله يحكم على فكر الآخر بالرداءة .

ويتصف التعصّب عند ( فرويد ) بثلاثة أمور وهي : النرجسية والقدرة الكلية لدى الفرد ثم تأتي الصفة الثالثة وهي إسقاط ( النرجسية والقدرة الكلية ) على موضوع مقدّس في العالم الآخر .

ويتمسّك المتعصّب – حسب ما تراه مدرسة التحليل النفسي – بأوهاوم طوباوية تعيد له شيئاً من توازنه النفسي .وهكذا يعيش المنكمش على ثقافته منعزلاً سلبياً ثم يتحوّل إلى ثائر على كل ما يخالف معتقداته خوفاً على هويته ووصولاً إلى أهدافه الطوباوية التي ربطها بالعالم الآخر أو ربطها بقائد يمثله كتعويض للفقد الأبويّ في مرحلة الطفولة وبذلك تكون العزلة خطراً يبدأ بالانغلاق الفكريّ وحراسة الأفكار ثم تتحوّل إلى ثورة تنسف كل حقيقة مغايرة .

الجمعة، 5 فبراير 2016

وحدة الثقافة وتعدّد المثقف

سلمان عبد الله الحبيب 
الثقافة –مهما تعدّدتْ مفاهيمها-  إلا أنها تتفق في حقيقة واحدة وهي الاتساع المعرفي فلا يمكن أن يطلق لقب المثقف إلا على فرد يمتلك حصيلة معرفية واسعة يساهم من خلالها في تسليط الضوء على حقائق قد لا يكون العامي ّ ملتفتاً إليها .
ومع تأطيرنا لمفهوم الثقافة بشكل لا لبس فيه فإنّنا لا يمكن أن نؤطر المثقفين الذين يتباينون في معارفهم وصفاتهم فليس المثقف مجرد فرد يمتلك فائضاً معرفياً بل تجده يتبنى موقفاً يختلف فيه عن مثقف آخر لذلك فإن المثقفين متعدّدون رغم وحدة الثقافة  التي تجمعهم.
وقد يقع البعض في مغالطة كبرى حين يقول بأن الثقافة ليست مفهوماً واضحاً محتجاً في ذلك بنسبية الثقافة ويمكننا الرد عليه بأن النسبية التي يتشدّق بها تتمثل في مستوى المعرفة ونوعها وفي طبيعة المثقف وما يتبنّاه من آراء ويبقى مفهوم الثقافة كما هو في حقيقته الجوهرية .
ويمكننا أن نحصر هذا التعدّد الذي يمثّل المثقفين بالنظر إلى عدة زوايا ، فهنالك المثقف العضوي الذي يكون صوتاً لآلام مجتمعه وآماله وهنالك المثقف غير العضوي ، ومن زاوية أخرى هنالك المثقف التحليلي الذي يقابله المثقف الناقل ،وكذلك المثقف المحافظ الذي يقابله المثقف المتمرّد وهنالك المثقّف المحايد الموضوعي والمثقف الانطباعي الذاتي وهنالك المثقف المادي والمثقف غير المادي ونرى أيضاً من زوايا مختلفة المثقف المتعالي والمثقف الشعبي بالإضافة إلى المثقف الإقصائي والمثقف الدعويّ والمثقّف المخاتل أو المداهن ، والمثقف الانتقائي ( المؤطر) الذي يهتم بانتقاء معارف من نوع معين قد تخص فئة محدّدة  أو علماً معيناً أو مجالاً ما ، وكذلك المثقف المرتبط بحدود ثقافة مجتمعه ويقابله المثقف المتجاوز لتلك الحدود .
هؤلاء هم المثقفون على تباينهم واختلاف وجهاتهم إلا أنهم يمتلكون حصيلة معرفية كبيرة ولكنّ السؤال الذي يطرح نفسه ماذا بعد هذا التوسّع ؟ وإلى أي مدى يخدم هذا التعدد الثقافة ؟
وللإجابة عن ذلك أقول : المعرفة الفائضة هي نقل للمعارف نتيجة الاطلاع والبحث حيث يأتي بعدها الاستنتاج والتحليل ثم الوصول إلى معارف جديدة ثم بعد ذلك يأتي دور الهدم والبناء .والفرد الذي يقف عند مرحلة ما دون أن يتطوّر فإنّ ذلك يعد نقصاً فيه ومع هذا فإن هذه المراحل تأتي بشكل حتمي في المجتمع باعتبارها حركة تاريخية إن لم يدركها مثقف بعينه أدركها ثلة من المثقفين أما بالنسبة للتعدد الخاص بالمثقفين فهو أمر يخدم الثقافة إذ لا يمكن لحركة أن تتقدّم إلا بالاختلاف الذي يؤدّي إلى التكامل والنظر للأمور من زوايا مختلفة وهذا الاختلاف – شئنا أم أبينا – قوة دافعة توصل المجتمعات لحالة من الصراع الخلاّق الذي ينتج ويؤدي إلى التقدّم والازدهار وهذا بدوره يحتاج إلى جو من الحرية والديموقراطيّة التي تحتاج بدورها إلى قرار حاسم كما قال فيها فيكتور هوغو : ( حرروا الحرية والحرية تقوم بالباقي )  .
وبكوننا نرى أن تعدّدية المثقف أمر حتمي في المجتمعات فهذا يعني أنّه على السلطة الدينية أو السلطة السياسية الاستجابة لهذا التعدّد فإذا تعرّض المثقفون للقمع السياسي أو الديني فسيكون المسار الأحادي المفروض وهماً ونفاقاً ، وستنشأ ثقافة التعصّب والإقصاء وسيدبّ الخوف وربّما يحدث الاستجداء والتماهي مع السلطويّ باعتبار ذلك حيلة دفاعية لا شعوريّة تساهم في حل الصراع الداخلي لدى المثقف الذي يصبح ضحية يحترم الجلاد ككثير من الضحايا الذين يكرههم سارتر في هذا التماهي المقيت . وبهذا القمع - أيضاً -تضعف ثقافة الإبداع وسيكون المثقّف الحقيقي غريباً في مجتمعه أو منتمياً إلى أرض أخرى تحتضنه وترحّب بأفكاره؛ لذلك كما يقول جون ستيوارت ميل : إن الخطر الرئيسي في العصر الحالي هو قلة من يجرؤون على أن يكونوا مختلفين ، وسيكون المثقف – في ظل الاستبداد - شاهد زور في زمنه كما يقول نصر حامد أبو زيد .

إن الاستبداد يحمل في داخله عوامل تدميره كما هو حال النظام الرأسمالي عند الماركسيين فهو يتعامل مع الكلمات باعتبارها مسدسات محشوّة كما يقول سارتر كما أنّه يحاول بناء جيل من المنافقين الذين يخشونه ويتماهون معه إلا أنهم في داخلهم يكرهونه ويرفضون سطوته وجبروته لذا أقول : إن الأحادية التي أؤمن بها هي أحادية المفهوم للثقافة أما المثقفون فهم متعدّدون. وثقافة التعدّد هي الشيء الأبرز الذي يهب المجتمع الحياة والاستمرار والنمو نمواً طبيعياً ولا يكون ذلك إلا بالحرية والديمقراطية والتقبّل وهذا يحتاج إلى جرأة في اتخاذ قرار يحمل سلاح الكلمة الصادقة ( فكونوا أحراراً في دنياكم ) .