الجمعة، 5 فبراير 2016

وحدة الثقافة وتعدّد المثقف

سلمان عبد الله الحبيب 
الثقافة –مهما تعدّدتْ مفاهيمها-  إلا أنها تتفق في حقيقة واحدة وهي الاتساع المعرفي فلا يمكن أن يطلق لقب المثقف إلا على فرد يمتلك حصيلة معرفية واسعة يساهم من خلالها في تسليط الضوء على حقائق قد لا يكون العامي ّ ملتفتاً إليها .
ومع تأطيرنا لمفهوم الثقافة بشكل لا لبس فيه فإنّنا لا يمكن أن نؤطر المثقفين الذين يتباينون في معارفهم وصفاتهم فليس المثقف مجرد فرد يمتلك فائضاً معرفياً بل تجده يتبنى موقفاً يختلف فيه عن مثقف آخر لذلك فإن المثقفين متعدّدون رغم وحدة الثقافة  التي تجمعهم.
وقد يقع البعض في مغالطة كبرى حين يقول بأن الثقافة ليست مفهوماً واضحاً محتجاً في ذلك بنسبية الثقافة ويمكننا الرد عليه بأن النسبية التي يتشدّق بها تتمثل في مستوى المعرفة ونوعها وفي طبيعة المثقف وما يتبنّاه من آراء ويبقى مفهوم الثقافة كما هو في حقيقته الجوهرية .
ويمكننا أن نحصر هذا التعدّد الذي يمثّل المثقفين بالنظر إلى عدة زوايا ، فهنالك المثقف العضوي الذي يكون صوتاً لآلام مجتمعه وآماله وهنالك المثقف غير العضوي ، ومن زاوية أخرى هنالك المثقف التحليلي الذي يقابله المثقف الناقل ،وكذلك المثقف المحافظ الذي يقابله المثقف المتمرّد وهنالك المثقّف المحايد الموضوعي والمثقف الانطباعي الذاتي وهنالك المثقف المادي والمثقف غير المادي ونرى أيضاً من زوايا مختلفة المثقف المتعالي والمثقف الشعبي بالإضافة إلى المثقف الإقصائي والمثقف الدعويّ والمثقّف المخاتل أو المداهن ، والمثقف الانتقائي ( المؤطر) الذي يهتم بانتقاء معارف من نوع معين قد تخص فئة محدّدة  أو علماً معيناً أو مجالاً ما ، وكذلك المثقف المرتبط بحدود ثقافة مجتمعه ويقابله المثقف المتجاوز لتلك الحدود .
هؤلاء هم المثقفون على تباينهم واختلاف وجهاتهم إلا أنهم يمتلكون حصيلة معرفية كبيرة ولكنّ السؤال الذي يطرح نفسه ماذا بعد هذا التوسّع ؟ وإلى أي مدى يخدم هذا التعدد الثقافة ؟
وللإجابة عن ذلك أقول : المعرفة الفائضة هي نقل للمعارف نتيجة الاطلاع والبحث حيث يأتي بعدها الاستنتاج والتحليل ثم الوصول إلى معارف جديدة ثم بعد ذلك يأتي دور الهدم والبناء .والفرد الذي يقف عند مرحلة ما دون أن يتطوّر فإنّ ذلك يعد نقصاً فيه ومع هذا فإن هذه المراحل تأتي بشكل حتمي في المجتمع باعتبارها حركة تاريخية إن لم يدركها مثقف بعينه أدركها ثلة من المثقفين أما بالنسبة للتعدد الخاص بالمثقفين فهو أمر يخدم الثقافة إذ لا يمكن لحركة أن تتقدّم إلا بالاختلاف الذي يؤدّي إلى التكامل والنظر للأمور من زوايا مختلفة وهذا الاختلاف – شئنا أم أبينا – قوة دافعة توصل المجتمعات لحالة من الصراع الخلاّق الذي ينتج ويؤدي إلى التقدّم والازدهار وهذا بدوره يحتاج إلى جو من الحرية والديموقراطيّة التي تحتاج بدورها إلى قرار حاسم كما قال فيها فيكتور هوغو : ( حرروا الحرية والحرية تقوم بالباقي )  .
وبكوننا نرى أن تعدّدية المثقف أمر حتمي في المجتمعات فهذا يعني أنّه على السلطة الدينية أو السلطة السياسية الاستجابة لهذا التعدّد فإذا تعرّض المثقفون للقمع السياسي أو الديني فسيكون المسار الأحادي المفروض وهماً ونفاقاً ، وستنشأ ثقافة التعصّب والإقصاء وسيدبّ الخوف وربّما يحدث الاستجداء والتماهي مع السلطويّ باعتبار ذلك حيلة دفاعية لا شعوريّة تساهم في حل الصراع الداخلي لدى المثقف الذي يصبح ضحية يحترم الجلاد ككثير من الضحايا الذين يكرههم سارتر في هذا التماهي المقيت . وبهذا القمع - أيضاً -تضعف ثقافة الإبداع وسيكون المثقّف الحقيقي غريباً في مجتمعه أو منتمياً إلى أرض أخرى تحتضنه وترحّب بأفكاره؛ لذلك كما يقول جون ستيوارت ميل : إن الخطر الرئيسي في العصر الحالي هو قلة من يجرؤون على أن يكونوا مختلفين ، وسيكون المثقف – في ظل الاستبداد - شاهد زور في زمنه كما يقول نصر حامد أبو زيد .

إن الاستبداد يحمل في داخله عوامل تدميره كما هو حال النظام الرأسمالي عند الماركسيين فهو يتعامل مع الكلمات باعتبارها مسدسات محشوّة كما يقول سارتر كما أنّه يحاول بناء جيل من المنافقين الذين يخشونه ويتماهون معه إلا أنهم في داخلهم يكرهونه ويرفضون سطوته وجبروته لذا أقول : إن الأحادية التي أؤمن بها هي أحادية المفهوم للثقافة أما المثقفون فهم متعدّدون. وثقافة التعدّد هي الشيء الأبرز الذي يهب المجتمع الحياة والاستمرار والنمو نمواً طبيعياً ولا يكون ذلك إلا بالحرية والديمقراطية والتقبّل وهذا يحتاج إلى جرأة في اتخاذ قرار يحمل سلاح الكلمة الصادقة ( فكونوا أحراراً في دنياكم ) .  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق