![]() |
| سلمان عبد الله الحبيب |
طبيعة
الحياة السويّة أن يتعايش فيها أفراد المجتمع مع بعضهم تعايشاً سلمياً تكاملياً ،
وأن يستفيدوا من خبرات المجتمعات الأخرى وأن يطلعوا على ثقافاتهم ؛ إلا أن هنالك
فئةً من الناس تفضّل الانغلاق على ذاتها وتحاول أن تكون كالقنفذ الذي يحمي جسدَه
بالأشواك .
تلك الفئة من الناس
تعيش حالة من الدوغمائية والتشدّد في الحكم على الثقافات الأخرى وترفض الحوار أو
الاطلاع على الثقافة المغايرة ولا تقبل بما قاله الإمام الشافعي : (رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ
يحتمل الصواب ) فهي التي تحتكر الحقيقة
المطلقة ، وتخاف من أي تغيير بل تشعر بأنّ كل تغيير ليس سوى تهديد لثقافتهم التي
اطمأنوا إليها بما ورثوه من آبائهم ،وبذلك فهم يعيشون خارج الزمن وتنقطع صلتهم
بالمتغيرات الزمنية والتطوّرات المتلاحقة .
هذا الانكماش أو هذا الاتجاه
العاطفي لمعتقد معيّن ،أو لموضوع ما بشكل قاطع لايقبل الشك ،هو التعصّب الذي يجعل
عقل صاحبه – كما قال أوليفر هولمز – مثل بؤبؤ العين كلّما ازداد الضوء المسلّط
عليه ازداد انكماشه .
والذي يدفع هؤلاء إلى
هذا الانكماش عدة أسباب تتمثل في عدة أمور وهي :عدم ثقة أولئك المنغلقين بأفكارهم
،والتنشئة الاجتماعية التي تقوم على الأحادية والإقصاء ، والتعرّض لصدمة ثقافيّة
أو تهميش كما يحدث للمهاجرين إلى بلدان أخرى أو ما يحدث للأقليّات .ومما يؤدّي إلى
ذلك الانكماش أيضاً الخوف من الآخر باعتباره خطراً يهدّد ثقافة المجتمع كخوف العرب
والمسلمين من الثقافة الغربية وما فيها من فرض السيادة كما هو الحال في العولمة ،
والاعتقاد بنظرية المؤامرة باعتبار الآخر عدواً يخطّط للهدم والتدمير مما يجعل ذلك
الفرد الذي لديه الاستعداد للتعصّب لأنْ يكونَ في موضع المدافع الشرس الذي يسعى
لنصرة ثقافته المهدورة .
ويؤدّي لهذا الانكماش كذلك قلة الاطلاع وعدم
التوسّع المعرفيّ ،وفي مثل ذلك يقول أرسطو : ( العقل الضيق يقود دائماً إلى
التعصّب ) ويمكن أن يؤدي إلى التعصّب تلك العاطفة الدينية العمياء التي لا تبصر
سوى حقيقة واحدة تجعل أصحابها ينسفون أي حقيقة أخرى ، ولا يمكن أن نغفل عن سبب آخر
يتعلق بالذات والتي عبّر عنها توماس بين بقوله: ( اعتيادك على عدم التفكير في
أخطائك يعطيك إحساساً بالصواب ويجعل التعصّب أول طرق الدفاع عن نفسك ) .
ومن زاوية التحليل
النفسي فإن ما يدفع للتعصّب والانكماش ، هو الرغبة الكامنة في الانتقام والشعور
باليأس والإحباط وكذلك الكبت الذي أشار إليه فرويد في العديد من كتبه مثل : (مستقبل
وهم )، و(قلق في الحضارة )، و(لماذا الحرب ؟ )، و(تأملات في الحضارة والحياة
الاجتماعية ) ؛ حيث يؤدّي هذا الكبت إلى إلغاء الغرائز من أجل إحلال العدالة التي
تقوم على المساواة القانونية لجميع أفراد المجتمع ولكنّها تظلم الإنسان الفرد ؛ لذلك
يرى (فرويد) أن الثقافة المتحضّرة هي منشأ الشر والتعصّب .
وينشأ التعصّب عند
عالم النفس (ميلتون) من خلال ثنائية الجيد والرديء؛ إذ يرى الفرد أنّ فكره جيد
لأنه يمثل الحق مما سيجعله يحكم على فكر الآخر بالرداءة .
ويتصف التعصّب عند (
فرويد ) بثلاثة أمور وهي : النرجسية والقدرة الكلية لدى الفرد ثم تأتي الصفة
الثالثة وهي إسقاط ( النرجسية والقدرة الكلية ) على موضوع مقدّس في العالم الآخر .
ويتمسّك المتعصّب –
حسب ما تراه مدرسة التحليل النفسي – بأوهاوم طوباوية تعيد له شيئاً من توازنه
النفسي .وهكذا يعيش المنكمش على ثقافته منعزلاً سلبياً ثم يتحوّل إلى ثائر على كل
ما يخالف معتقداته خوفاً على هويته ووصولاً إلى أهدافه الطوباوية التي ربطها
بالعالم الآخر أو ربطها بقائد يمثله كتعويض للفقد الأبويّ في مرحلة الطفولة وبذلك
تكون العزلة خطراً يبدأ بالانغلاق الفكريّ وحراسة الأفكار ثم تتحوّل إلى ثورة تنسف
كل حقيقة مغايرة .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق