الأحد، 12 مارس 2017

الضمير ذلك الكائن الغريب

سلمان عبد الله الحبيب 

الضمير شيء يعيش داخلنا وقد يصعب علينا فهمه رغم أننا نتفوّه به دائماً في أحاديثنا . ويمكننا أن نعبر عنه بأنه القوة الداخلية التي تميز بين الخير والشر والتي هي عند (كانط) منبع الإيمان بالله ، وهي –أيضا- الأنا الأعلى عند (فرويد) والتي تقوم –عنده- بترويض الغرائز والشرور المتأصلة في الإنسان وتقوم – كذلك- بكبتها مع الدين والأخلاق الحضارية ؛مما يؤدّي ذلك - حسب رأي فرويد - إلى حالة من التسامي  أو الإصابة بالعصاب والاضطراب النفسي.

ويرى (بتلر) أن الضمير قوة يمتلكها جميع البشر وهو يقوم بوظيفتين أساسيتين : الأولى نظرية حيث يميز فيها الضمير بين الخير والشر ، والوظيفة الثانية عملية حيث يقوم فيها بالأمر بفعل الخير والنهي عن فعل الشر ، ويتفق د.علي الوردي مع ( بتلر) في أن الضمير قوة يمتلكها جميع البشر إلا أنّه يضيف إلى ذلك بأنّه متحيز للجماعة التي ينتمي إليها .  

ويرى سقراط أن الضمير النقي هو الدّين الفعليّ للإنسان وليست الطقوس والقرابين، ويعبّر (ميناندر) -في السياق نفسه- عن الضمير بأنه صوت الحق.

وقد يطالعنا العلم الحديث فلا يرى في الضمير سوى وظيفة من وظائف الدماغ الماديّة التي تزوّد الفرد بالمعلومات اللازمة لمعرفة الصواب والخطأ .

ومع كل تلك التعريفات - التي لم تمتلك سوى أن ترى في الضمير قوة مميزة لما هو صائب أو غير صائب – فإنّنا نشعر بأنّ الضمير كائن غريب عنّا رغم ملازمته لنا. ويمكننا أن نتساءل بما هو أبعد من المفهوم والماهيّة،فنسأل : ما مصدر تلك القوة الداخلية؟ أهي قوة فطرية نابعة من الداخل أم نتاج اكتساب من المجتمع والثقافة التي يعيش فيها الإنسان؟.

وقبل أن نجيب عن ذلك علينا أن نتتبّع مسيرة الإنسان. فهو حينما كان بدائياً لم يكن بالوعي الكافي ولم يكن بالثقافة التي ترقى بإنسانيته ،فكان أقرب إلى الطبيعة الحيوانية، ولكنّه من خلال التجارب المتتالية بدأ يكتسب بعض المفاهيم المتعلقة بالحقوق والواجبات إلا أنّها مفاهيم لا تمتلك الأمر والنهي والإلزام، فجاء الدين في مرحلة لاحقة ليكونّ مانعاً لذلك الإنسان عن ممارسة الأخطاء والشهوات الحيوانية ومع ذلك لم يمنع الدين الإنسان من ممارسة أخطائه وأفعاله الشريرة المتأصلة في ذاته بل زاد الأمر تعقيداً في أعماق الذات البشرية حيث أصبح الفرد يشعر بعد كل خطأ يرتكبه (بتأنيب الضمير) الذي هو أشبه بجلد قاس للذات ممّا مهّد ذلك لظهور حركة (عدم التديّن) ليتخلّص الفرد من ذلك الكائن الغريب في داخله والذي يقوم بجلده عندما يمارس أخطاءه البشرية ويقض مضجعه كلما خلد إلى النوم، لكنّه –رغم هذا- لم يستطع أن يتخلّص تماماً من وخزات الضمير. وقد ربط الناس الخير بالدين لأنّ الدين جاء بقوة تملك الأمر بفعل الخير، والنهي عن فعل الشر بإرادة إلهية ، فحينما يخطئ العبد يبدأ لديه تأنيب الضمير ويحاول التوبة، بينما غير المتديّن ليس لديه – كما يظهر عند الناس – تأنيب للضمير وليس عنده توبة أو استغفار ، مما جعل الناس يقفزون إلى نتيجة مفادها أن المتدين خيّر ،وغير المتدين كائن شرير. وفي ذلك تجنٍّ على الحقيقة ومجانبة للصواب .

وحينما نمعن النظر بدقة فإنه لا يمكننا أن نعتقد بأنّ الضمير قوة فطرية إطلاقاً ،بل هو ناتج عن عدة أمور ، الأمر الأول: التجارب فما وجد الإنسان من خلال تجربته أنّه مستحسن قام بفعله وما رأى أنه يُقابل بالرفض تركه ، والأمر الثاني : تقمّص الدور وهو شبيه بالتجربة حيث يضع الفرد نفسه مكان الآخرين فنراه يكره فعل الظلم حينما يضع نفسه مكان المظلوم وهكذا في بقية الأمور ، والأمر الثالث : ما يحدث للفرد من خلال الاكتساب من المجتمع أو الثقافة أو الدين .

وسألمح إلى أمر أشار إليه (كانط) في منهجه العقلي بأنّ الخير والشر يتم تمييزه بالعقل لا بسلطة خارجية ونحن هنا نؤمن بأنّ العقل يقوم بالتمييز فعلاً، ولكنّ ذلك يتم من خلال التجارب أو تقمّص الأدوار كما أشرت إلى هذا لتوّي ،أما إذا كان الأمر والنهي من سلطة خارجية يتحيّز إليها الفرد كالثقافة التي نشأ فيها والدين الذي تربّى عليه؛ فإنه لا يمكنه أن يميّز بين الخير والشر إلا نادراً جداً وهنا تكمن المشكلة فالعقل حين يتأمل التجارب وما شابهها يسهل عليه أن يميز بين الخير والشر فيكون عقله دليلاً له وداعماً لضميره الذي هو صوت الحق ،وفي هذا قد نجد غير المتديّن – ولست هنا بصدد الدفاع عنه - إنساناً خيّراً لأنه أعمل عقله ولم يتأثّر بسلطة خارجية قد تكون مشوّهة ؛ وفي مقابل ذلك يمكننا أن نجد الكثير من الجرائم باسم الدين استجابة لغريزة الشر الكامنة في داخل الفرد أو استجابة للمفاهيم الدينية المشوّهة مما يجعل ذلك المتديّن كائناً وحشياً دون أن يخفق قلبه أو يؤنبه ضميره .

ذلك الكائن الشرير، أخذ الأفكار المشوّهة التي قدّسها وأصبح عبداً لها وتقرّب بها إلى ربه فأصبح إنساناً ممسوخاً، وهذا هو الذي دفع الفيلسوف (نيتشه) إلى أن يرى في الدين عقيدة نفاق حيث يحاول الفرد – حسب رأيه – إخفاء رغباته وعجزه باسم الطهارة والعبودية ليكون إنساناً مشوّهاً يمتلك أخلاق العبيد؛ مما جعله يعلن موت الإله وموت الدين معه ولكنّه طالب بملء الفراغ الأخلاقي من خلال الثقافة والفن ؛ فهو بهذا هرب من الدين المسيحي -الذي رأى فيه خضوعاً وإنكاراً لمطالب ذاتية طبيعية- إلى الثقافة والفن والفلسفة؛ لتقوم بواجبها الأخلاقي وتوجيه الضمير الإنساني . إنّه مع رفضه للدين لم يرفض الأخلاق .والفارق بين الأخلاق الدينية والأخلاق غير الدينية هو أن الأولى هي أخلاق عبودية واستسلام مطلق بينما الأخلاق غير الدينية هي أخلاق تتسم بالتفكير الحر مما يجعل الإنسان أقدر على النقد والتحليل والقبول أو الرفض .

وبمعنى آخر يمكننا أن نجد في الأخلاق الدينية استسلاماً وإذعاناً وقبولاً من الفرد دون إعمال للعقل وهذا ما أدّى إلى كثير من الشرور في الفكر الديني المنحرف بينما نجد بعض من لا ينتسب لدين معين يخضع للعقل في أخلاقه فيحقق ما قاله (سقراط ) بأنّ الدين هو الضمير النقي وما قاله (ميناندر) بأنّ الضمير هو صوت الحق .

وأرجو ألا يفهم القارئ أنّي ضد دين معيّن أو مع فريق مخاصم للدين ولكنّي أحببتُ التنبيه على أمر في غاية الأهمية وهو أن الإنسان يجب أن يعمل عقله ليكون ضميره نقياً وألا يكون مستسلماً لسلطة خارجية استسلاماً مطلقاً دون إعمال للعقل مع أنّي لا أنفي وجود  التحيّز لإطار فكريّ معين سواءً كان دينياً أو غير ديني كما لا يمكنني أن أتغافل عن حقيقة أن الإنسان مهما حاول أن يكون مستقيماً في أخلاقه - بغضّ النظر عن انتمائه أو طريقة تفكيره- فإنه لن يستطيع الهروب من الأخطاء ولن يهرب من تأنيب الضمير، وقد فطن إلى ذلك (جون وليامز) حين قال : ( الضمير لا يمنع المرء من ارتكاب الخطأ، إنما يمنعه فقط من الاستمتاع به وهو يرتكبه) .

وأخيراً أقول : الضمير قوة مكتسبة من خلال التجارب وتقمّص الأدوار ويجب أن يبدأ ذلك الضمير بعقل حر؛ فإنْ لم يكن الإنسان مفكّراً ومتأملاً فيما يتلقّاه سنراه كائناً شريراً مع تدينه وهذا سر ما نشاهده من أشخاص كانوا محبين ودودين يحملون كل معاني الإنسانية والخير، ثم أصبحوا بعد تدينهم المشوّه شياطين قساة لا لشيء سوى أنهم سلموا عقولهم لسلطة دينية مشوّهة أفسدت إنسانيتهم .



* سلمان بن عبد الله الحبيب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق