الجمعة، 18 أغسطس 2017

النص الديني بين الثبات والتحوّل

سلمان عبد الله الحبيب 
تتعدّد الأديان في هذا العالم بعدد ما في  الرأس من شعر. وكلّ صاحب دين يدّعي أنّ دينه صالح لكل زمان ومكان ، فدينه - في نظره - أفضل الأديان ؛ إذ يعبر جميع الأزمنة دون قيود كآلة الزمن التي صوّرتها لنا الأفلام السينمائية.
إن هوس المتديّنين بإثبات أنّ نصوصهم الدينيّة صالحة لكل زمان ومكان يدعو للشفقة حقاً ، فالنص الدينيّ مؤطّر بثقافة وزمان ومكان وظروف خاصّة، فلا يمكن أن نتصوّر جاهلياً يتحدّث – مثلاً - في الذرة أو في الحروب النووية ؛ لأنه بكل بساطة لا يمكن أن يتجاوز زمنه وحدود ثقافته.
لقد جعل ذلك الاعتقاد كل أولئك المتدينين المهووسين في حالة سباق لإثبات أنّ دينهم هو الأفضل فيسعى الفرد منهم لاتهام دين الآخر بالتحريف؛ ليثبت أنّ دينه الأصلح والأجدر بالاتباع، كما يسعى بعضهم - حينما يرى اكتشافاً علمياً - للبحث في نصوصه الدينيّة التي تثبت ذلك الاكتشاف العظيم في كتابه المقدّس حسب تأويله وادعائه ،بالإضافة إلى تأويل النصوص التي تتعارض مع العلم لكي يزيل اللبس بدلاً من الاعتراف بخطأ النص وهذا يتضح - على سبيل المثال - في عمر الأرض حسبما نصّت عليه التوراة والإنجيل إذ قدّرت العمر بحوالي (6000) سنة حيث بدأ الله بخلق السماوات والأرض ثم خلق آدم في اليوم السادس وبحسب ما جاء في الكتاب المقدّس فإن الفترة الزمنية من آدم إلى نوح تصل إلى (4000) سنة وهذا القول يتعارض مع العلم الحديث الذي يقدّر عمر الأرض بأكثر من أربعة بلايين سنة ؛ممّا دعا ذلك الأمر باليهود والمسيحيّين لوضع تأويلات من أجل الخروج من ذلك المأزق، فمن تأويلاتهم أنّ العمر الطويل لآدم كان في الجنة وليس على الأرض، أو أنّ ذلك العمر الطويل كان قبل خلق آدم ،ومنها أنّ الأيام الستة تعني الحقب الزمنية وبالتالي فحساب اليوم ليس مجرّد أربع وعشرين ساعة بل هو حقبة زمنية طويلة ، وهكذا تتَعدّد التأويلات التي يقوم فيها المؤمن بالدفاع المستميت عن عقيدته مهما كلّفه الأمر وكأنّه ذلك الجاهليّ الذي يقول : (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) ؛لأنه يخاف من الحقيقة التي تقشع كل أوهامه التي يؤمن بها إذ لا يرضى أن يعيش في حالة من التيه والضياع من خلال المجازفة بمواجهة تلك الأوهام التي عاشتْ معه زمناً طويلاً وآمن بها دون مساءلة أو شك.
وليس هذا فحسب ما يفعله المتديّنون لإثبات صلاحية دينهم لكل الأزمنة؛ فهنالك من يحاول أن يعيدنا إلى الوراء حيث يفكّر من خلال النص القديم ويفسّر الأشياء بناء عليه ويطبّق كلّ ما فيه دون حساب للمتغيّرات التي يفرضها عصره؛ ممّا يجعله جامداً على نصوصه الدينيّة التي لا تتغيّر حسب ظنّه .
إن تلك الاعتقادات الراسخة لابدّ أن تتحطّم بوعي وثقة وإرادة قويّة، فالاعتقادات الراسخة - كما يقول فريدريك نيتشه - أخطر على الحقيقة من الأكاذيب .
وعلى الفرد أن يدرك في قرارة نفسه أنّ سنة الحياة هي التطوّر والتغيير وعدم الثبات أو الجمود ، فلو تأمّلنا في أنفسنا لأدركنا أنّنا نتغيّر يوماً بعد يوم فأجسادنا اليوم ليست هي بالأمس فهنالك خلايا تظهر للحياة وخلايا أخرى تموت ، بالإضافة إلى أنّ أجسادنا تتغيّر مع مراحل العمر المختلفة ، وإذا انتقلنا إلى جانب آخر منّا فإننا يمكن أن نرى مدى التغيّر في سلوكنا وأفكارنا ومشاعرنا وفي تذوقنا للأشياء التي تحيط بنا من كلّ جانب . وبالنسبة للطبيعة التي حولنا فهي تتغيّر في سلم التطوّر والارتقاء وبهذا فإنّ كل هذا الوجود قائم على الحركة والصراع والنمو ،حتى ما نراه جماداً - كالصخور والجبال - فهو في حركة فيزيائية غير مرئية من خلال اهتزاز الذرات ودوران الإليكترونات حول النواة في كلّ ذرة .
والأديان – أيضاً – داخلة في مسيرة التطوّر منذ أول ديانة منظّمة وهي الهندوسية إلى أن وصلنا إلى الإسلام .وكلّ دين من تلك الأديان كذلك يتطوّر مستجيباً للمتغيرات المختلفة مما يجعل الدين موائماً للعصر الذي ينتمي إليه .  
 هكذا تسير الحياة في حركة دياليكتيكية قائمة على الصراع الذي يأتي بالجديد مما يجعل الأشياء في تطوّر دائم ، ولا يوجد لهذه القاعدة ما يمكن استثناؤه منها وعلى ذلك فإنّ النص الدينيّ متغيّر، وثباته يعني الجمود الذي يؤدّي إلى الزوال .


* سلمان  عبد الله الحبيب  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق