![]() |
| سلمان عبد الله الحبيب |
الخرافات هي اعتقادات خاطئة غير مبنية على حجج عقلية منطقية ،ومع ذلك
يؤمن بها أصحابها إيماناً أعمى .
وقد نشأت تلك الخرافات منذ القدم، إلا أنها لا تزال في وقتنا الحاضر
تسجّل حضوراً ليس بالقليل، رغم ما وصلنا إليه من علم، ومعرفة، وسعة اطلاع، في شتى
المجالات .
والأسباب التي أدّت إلى نشوء الخرافات عبر الأجيال ،عدة أمور منها :المخاوف
التي تعتري الإنسان في فترات حياته، حيث أدّت تلك المخاوف إلى ظهور قصص الجن
والعفاريت ونحو ذلك. ومن الأسباب – أيضاً - محاولات التفسير التي تفتقد المعارف العلمية
بما فيها من قوانين، كالتي كان يفسر بها الأقدمون ما يحدث من برق ورعد ومطر وليل ونهار
ورياح ونحو ذلك ،فيأتون بأسباب أسطورية وميتافيزيقية، لا تمّت للعلم بصلة إلا أنها
أسباب وجيهة بالنسبة لهم؛ إذ ينسبون كل ما يحدث إلى آلهة أو أرواح أو جن أو نحو
ذلك من الأسباب القريبة إلى مستوى عقولهم. ومن أسباب نشوء الخرافات أيضاً ما يحدث
من سوء ربط بين أمرٍ ما وحدث معيّن، وهو اقترانٌ كشفتْ عنه المدرسة السلوكية في
تجارب العالم (سكينر)، فمثلاً لو حكّ رجل ما باطن يده اليمنى فأتاه رزق، فقد ينسب
ذلك الرزق إلى حكّ يده، ويقوم بتعميم ذلك الأمر فيذيع لمن حوله بأنّ حك اليد
اليمنى يأتي بالرزق وهذا أمرٌ مجرّب وبالدليل القطعيّ، وبهذا تنتشر الخرافة في
أوساط الناس ممّن ألفوا التصديق بدوغمائية لا تقبل الشك ،ولا المناقشة. ومن أمثلة
سوء الربط - أيضاً - ما يحدث في المجتمع الغربي من التشاؤم من الرقم (13) والذي
تعود أصل حكايته لما حدث لليسوع في العشاء الأخير، وقد كان هو الثالث عشر بين
حواريّيه. ومن ذلك – أيضاً- ما هو شائع عند
العرب قديماً من التطيّر والتشاؤم، والأمثلة على ذلك كثيرة يصعب حصرها.
وهكذا تتعدّد أسباب الخرافات التي تتخذ أشكالاً مختلفة وتمتدّ في كل
الشعوب والثقافات مما يجعلها قوية راسخة تنتقل عبر الأجيال . وإنك لو بذلتَ كل
وقتك من أجل تفنيد مثل هذه الخرافات ، فستجد نفسك تغرّد خارج السرب، وستكون
مهزوماً لا محالة، فكما قال سيروس : ( دائماً ما يضيع الحق في المناقشات)
وبالتأكيد فإنّ كلّ حججك العقلية لا تلقى أذناً صاغية، ولا عقلاً يعي ، فهي حجج - في
نظر المؤمنين بالخرافات- من شخص متفلسف متغطرس يريد تسفيه أحلامهم .
وقد اجتاحت الخرافات العلوم ومن ذلك ما ينتشر في كثير من الأوساط العلمية
بأننا نستخدم من عقولنا مجرد 10% بينما ذلك في الواقع ليس سوى مجرّد خرافة؛ فنحن
نستخدم - وبقدرٍ كافٍ - كلّ أجزاء الدماغ . ومن الأخطاء العلمية أيضاً والتي لا
زالت محطّ جدل في الأوساط العلمية ما يتمّ تفسيره بخصوص الأمراض النفسية حيث قيل
بأنّ السبب لتلك الأمراض، هو خلل كيميائي في الدماغ؛ وهذا ما يجعل الدواء – حسب ظنّ
القائلين- يقوم بالتغيير الكيميائي في الدماغ ليتمّ من خلاله العلاج، مع أن ما
يحدثه ذلك الدواء من تغييرات كيميائية لا يمكن أن يكون دليلاً على أنّ ذلك هو
السبب ويبقى المرض والدواء محل دراسة وتفسير.
وهنالك الكثير من الخرافات التي لبست ثوب العلم وأصبح الناس يحتجّون بها
في كل محفل ويدّعون فيها مدى ما يملكون من حقائق لدعمها وإثباتها.
وهنالك خرافات – كذلك - تسلّلت للدين الذي هو في حقيقته ارتباط بين العبد
وربّه ، فيدّعى فرد ما – مثلاً - بالكرامات التي تجري على يده من شفاء المرضى وإحياء
الموتى ومساعدة المنكوبين ونحو ذلك من خرافات يتم التدليس بها على الحمقى
والمغفّلين، بالإضافة إلى ذلك ما تمّ استحداثه من طقوس غير عقلانية جاءت باعتبارها
تطوراً طبيعياً لظروف وممارسات سابقة ، فجاء من يدافع عن تلك الطقوس والأفكار بكل
بسالة؛ ليحظى بلقب الحارس الأمين على دينه . وممّا يؤسف له أنّك تجد أناساً
متعلّمين - من أطباء ومعلمين ومهندسين وغيرهم – يحاولون وضع التبريرات والتفسيرات
المنطقية لتلك الخرافات والخزعبلات التي لا تمتّ للعقل بصلة .
تلك المحاولات التي تبرّر وتفسّر من أجل عقلنة غير العقلي هي محاولات
بائسة والأدهى من ذلك هو وقوع أولئك الطبقة المتعلّمة في فخ الجهل من خلال
محاولاتهم المستميتة في التفسير والتحليل؛ إذ كان من المتوقّع منهم تنوير المجتمع
ومحاربة الخرافات وتوعية بسطاء العقول الذين ينعقون مع كل ناعق، ويميلون مع كل ريح
.
الجهد الذي يمكن أن تبذله في إثبات أن الماعز يبيض، وأن العصفور يلد، هو
إهدار للوقت، وتغييب للعقل، وتخدير للشعوب .
وقد يلجأ البعض لتبرير الخرافات، التي لبست ثوب الدين؛ لأنه يريد الدفاع
عن هويته؛ ظنّاً منه أنّ الهجوم على تلك الأوهام - التي أصبحت كالأوثان – يمكن أن
تهدّ عرش الدين، وتزعزع الثقة عنده، أو عند الناس ، وهو يرى في نظره أنّ الإيمان
بتلك الخرافة عند عامة الناس، خير من تكذيبها، أو التخلّي عنها؛ لأنها تربطهم
بالدين أكثر، وتعمّق انتماءهم إليه، ولذلك من الصعب أن يخاطر بهدم الخرافة، التي بهدمها
– في نظره – سيتم هدم كل أركان الدين.
وهنالك بعض المنتفعين – للأسف الشديد – من رجال الدين ممّن يرغب في بقاء
تلك الخرافات التي تغيّب العقول من أجل السيطرة على أولئك البسطاء، وبذلك يحظى
بالسلطة والمال، والسمعة، كما يحظى بدوام بقائه ، ومن هنا يمتطي المنبر، كما يمتطي
الفارس جواده، ويأتي بالنصوص المقدّسة، والأدلة العقلية، التي تؤيّد (غير المعقول)
فتجعله (معقولاً)، ولكن كيف لنا أن نرضى بمن يبرهن بأمور عقلية على ما هو غير عقلي
؟! وهل لنا أن نطلب الدليل على ما هو غير خاضع للعقل والمنطق ؟!
إنه لمن السخف حقاً أن نبحث عن أدلة لما يخالف العقل من قريب أو بعيد ،
ومن السخف أيضاً أن نجعل من الخرافة قضية للنقاش والبحث ، بدلاً من استثمار عقولنا
في البحث عما ينفعنا ويثرينا.
وفي النهاية أقول لا يمكن لنا أن نرقى إلا بالنقد والتحليل وإلغاء
التعصّب للوصول إلى الحقيقة التي هي بنت البحث كما يقال ، وأنا على ثقة تامّة بأن
الحقيقة باقية فهي - كما يقول إيريك فروم – كالزيت تطفو دائماً ،ومع ذلك سيكون
هنالك عدد من الذين يعيشون على أوهام الخرافات التي يتداوون بها من صعوبات الحياة
كيلا يفيقوا على واقع مرير، وسيكون هنالك أيضاً من يروّج للخرافات ليحظى من خلالها
على سلطة يستعبد بها أولئك البسطاء .
* سلمان عبد الله الحبيب

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق