بعد سلسلة من التطور الفكري والثقافي للإنسان، جاءت الأديان لتنظيم حياة
البشر، وحفظ الحقوق؛ فأصبحت العقيدة مرتبطة بقوة غيبية ،وبثواب وعقاب من إله مطّلع
على كل أمور البشر، مما يجعلهم يكبحون جماح غرائزهم، ويقفون عند كل تصرّف بالسؤال
عن مدى كونه مقبولاً أم لا .
وقبل أن تأتي الشرائع
الإبراهيمية (اليهودية والمسيحية والإسلام ) لتكون القوانين التي تحكم الناس
وتنظّم حقوقهم باسم الله وإرادته ،كانت هنالك كثير من الشرائع تأخذ روحاً دينية؛
ففي مصر القديمة كان الفراعنة يديرون المعابد ويحكمون باسم الإله ويرون أنفسهم
ممثلين لإرادته بل إن بعضهم قام ببناء المعابد مثل رمسيس الثاني. وإذا انتقلنا إلى
العراق القديمة فإنّنا نجد شريعة حمورابي البابلية وقد وصف نفسه بأنه خليل الله مما
جعل بعض الباحثين يعتقدون بأنه متأثر بصحف النبي إبراهيم الذي كان يسمّى خليل الله
كما هو معروف في التاريخ ، وقد سبقت شريعة حمورابي – في العراق القديم - مجموعة من
الشرائع منها شريعة الملك ( أور نامو ) مؤسس سلالة أور، والذي بنى معابد الآلهة في
المدن السومرية ، وكذلك شريعة الملك ( لبث عشتار ) الذي بدأ مقدمة شريعته بالتفويض
الإلهي واختيار الآلهة له ؛ليكون ملكاً يملأ الأرض قسطاً وعدلاً لدى السومريّين.
هكذا جاء الدين ليكون القانون الذي يحتكم إليه الناس. إنه القانون الذي
يملك سلطة على الفرد أينما كان ، ومهما فعل ولو كان متخفياً عن الناس . إنّه
القانون باسم الدين الذي فيه يرى ( الله أو الرب ) خائنة الأعين وما تخفي الصدور ،
وبالتالي تكون سلطة الدين هي السلطة الأقوى في حكم الناس .
ولكن يبقى السؤال الأهم : لماذا نرى المتدينين والمجتمعات الدينية أسوأ
من غيرها أخلاقياً ؟
إنّنا قد نجد غير المتديّنين في كثير من الأحيان أكثر أخلاقاً من أولئك
الذين يتشدّقون باسم الدين، ويحفظون تعاليمه عن ظهر قلب، وهنا تظهر لدينا معضلة
أفلاطون الأخلاقية في حواره السقراطي الشهير الذي سأل فيه سقراط تلميذه : ( أيختار
الإله الفعل الصالح لأنه صالح أم أن الفعل صالح لأن الإله اختاره ؟ وحينما أجاب
التلميذ بقوله : الفعل صالح لأنّ الله اختاره ، رد عليه سقراط بالقول : إذاً
التفريق بين الصالح والطالح لا معنى له ؛إذ قد يصبح ما هو غير أخلاقي - كالسرقة
مثلاً - أخلاقياً لو أراده الإله ، وحينما ردّ التلميذ مستدركاً قوله الأول، بأنّ الله
يختار الفعل الصالح لأنه صالح ،أجابه سقراط : إذاً الصلاح مستقل عن الإله؛ وبهذا لا
نحتاج إلى الإله لنصل إلى الصلاح ) ومضمون هذا الحوار يؤكّد على أنّ العقل هو المصدر
الحقيقي لمعرفة الخير والشر كما أشار لذلك ( كانط ) في منهجه العقلي .
ولكن لا زال التساؤل قائماً: لماذا يصبح المتدينون أكثر شراً رغم معرفتهم
بالصواب والخطأ في شريعتهم الإلهية ؟!
وقبل الإجابة عن هذا السؤال الحسّاس يجب أن ألمح إلى أنّني لا أقصد من
سؤالي المساس بأيّ دين أو عقيدة ولكنّني أريد تسليط الضوء على سلوك المتديّن ليس
إلا .
إنّ ما يجعل المتدينين يمارسون الشر هو أنّهم يبرّرون كل ممارساتهم
الخاطئة بغطاء شرعي؛ ليسكتوا ضمائرهم، فتكون
بذلك منتهية الصلاحية ،ومن هنا تتغلّب غرائز الشر على سلطة ( الأنا الأعلى) أو
الضمير الذي يعد عند (بتلر) الملكة العقلية الفطريّة التي تميز بين الخير والشر
وتدعو الإنسان لعمل الصواب وتجنّب الخطأ .
وممّا أدّى – كذلك - إلى أن يصبح
بعض المتدينين أشراراً، هو اعتقاد كل صاحب
دين، أو مذهب، أنه يمتلك الحق المطلق، ولا
يقبل النقاش في دينه أو مذهبه، ولا في ما يذهب إليه من معتقدات ضد الإنسانية، وضد
الطبيعة البشرية. وهذا الغرور يؤدّي بالمتديّن إلى ممارسة الروح العدائية والتصرّف
بعنصرية والتمادي في الأخطاء باعتبار أنّ الإله قد اختار أفراد دين ما ؛ لأنهم
شعبه الذي اصطفاه وفضّله على سائر الخلق .
وممّا يؤدّي إلى تلك الروح الشريرة عند المتديّنين أيضاً، ذلك الإيمان
المبنيّ على التصديق الأعمى، الذي يجعل الفرد متعصباً لرأي ما، ولا يقبل النقاش
فيه، ولا البحث عن الدليل؛ مما يجعله يلتهم كل ما في كتبه القديمة، دون أن يسمح
لعقله بالتساؤل البريء؛ وبهذا أصبح المتديّن مبرمجاً على كل ما جاء في تراثه، وإن
كان منافياً للعقل والفطرة السليمة ، وفوق كل ذلك فإنه يضيق ذرعاً بأي سؤال خوفاً
على نفسه من أن يفقد دينه إن سمح لنفسه بالتفكير وقد يفقد معه كل أمل ينتظره من
ربه ، ويفقد كل قوة كان يرى أن الله يسانده فيها، من هنا يقول العالم والطبيب
المسلم أبو بكر الرازي : ( إذا سئل أتباع
الدين أن يقدموا برهانا على صدق دينهم، فإنهم يغضبون، ويسفكون دم كل من يواجههم
بهذا السؤال). وهكذا يكون بعض المتديّنين أعمى أو أضلَّ سبيلا ، وهذا العمى يختاره
المتديّن بإرادته؛ ممّا يجعله رهيناً لكل ما يقرأ من كتبه أو يسمع عبر الخطب
الدينيّة التي تؤجّج أفكاراً قد تكون ضالة منحرفة بعيدة كل البعد عن الإنسانيّة
وعن الخير الذي تدعو إليه الفطرة السليمة .
وقد يأنس بعض المتديّنين بهذا العمى؛ ليستريح من هموم البحث، والشك،
والخوف من فقدان الدين، الذي هو مصدر الأمان لديه؛ ولكنّ استراحته تلك قد تكون مدمّرة
للحياة ولكل ما هو جميل ، وصدق الشاعر إيليّا أبو ماضي حين قال :
ليس الكفيف الذي أمسى بلا بصرٍ
إنّي أرى من ذوي الأبصار عميانا
ومن الأمور التي تدعو إلى الشر في نفوس بعض المتديّنين ذلك الجمود الذي
لا يقبل فيه أولئك المتديّنون بالتجديد ويسعون لمحاربة كل دعوة مستحدثة؛ لأنهم
يؤمنون بثبات نصّهم الدينيّ، وبضرورة أن تكون كل دعوة منبثقة منه، وإلا تم
إسقاطها، وهذا يعني تنامي الروح العدوانية، تجاه كل جديد، وكل ما هو مختلف عن النصّ
الدينيّ .
وقد يدفع المتديّن إلى الشر قدرته على التوبة المؤجّلة ، التي يلجأ إليها
كحيلة قويّة لممارسة المزيد من الأخطاء، وليس باعتبارها ندماً على ما فات؛ وبهذا
يلجأ المسلم أو اليهودي إلى الاستغفار والصلوات ويتجه المسيحيّ إلى الاعتراف عند
الكاهن في الكنيسة ليمحو كل أخطائه؛ ولكنّ
كل فرد منهم يعود لممارسة الشر، حيث وجد حيلة يلجأ إليها بعد ممارسة جرائمه
وأخطائه في كل مرة .
إنّ التوبة لدى بعض المتديّنين ليست سوى وقود لممارسة الشر، بدلاً من أن
تكونَ بداية صفحة جديدة لعمل الخير. وهي – بذلك - لا تختلف كثيراً عن الحيل
الشرعية التي يخالف فيها المتديّنون دينهم ولكن من خلال النص الدينيّ بحيث يشعرون
أنهم لم يرتكبوا خطأً ما.
وممّا يشوه إنسانية المتديّن ويدعوه للشر أيضاً،
اتباعه لبعض رجال الدين، ممّن يسعون لكسب النفوذ، وجني الأموال، ومداعبة المشاعر،
وخلق العداوات، أو من خلال اتباعهم لوعّاظ السلاطين، الذين يزيّنون الباطل،
ويشوهون الحق، ويدافعون عمّا يفعله الحاكم الذي - كما يقول ميكافيللي- يتمسّك بالدين،
لا من أجل الفضيلة، بل من أجل السيطرة على الناس.
بمثل هذه الممارسات، أصبح الدين أداة مقدّسة لفعل الشر عند بعض الناس،
الذين يتغنّون بالفضيلة، وهي منهم براء .
وما أكثر المجتمعات الدينية التي
تمارس الرذيلة، وترتكب الجرائم، وتقوم بأقبح الأفعال، بينما تجد المجتمعات غير
الدينية في مقابل ذلك أكثر تحضراً وأكثر رقياً في السلوك، والتعامل الأخلاقي،
واحترام القانون. وأنا هنا لا أريد ازدراء الأديان بل أريد وصف الواقع الذي يعيشه
المتديّنون الذين جمّدوا عقولهم، دون مساءلة أو نقد يهزّ أفكارهم التي تدمّر
البشرية، وتجعل من دينهم أفيوناً لهم، ولمن يأخذ منهم .
وفي النهاية يمكنني أن أقول بأنّ الفضيلة تكمن في عقولنا ، وفي فطرتنا
الإنسانية ، وقد يتم تشويه تلك الفضيلة بسلطة الدين، لذلك يجب أن يكون الإنسان
واعياً، مستنهضاً عقله؛ ليكون في الطريق الصحيح، وألا يتغنّى بأنّه في مجتمع
الفضيلة لمجرّد أنه يعيش في مجتمع يلبس ثوب الدين.
* سلمان عبد الله الحبيب

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق