الأحد، 3 سبتمبر 2017

الخلاص في الفكر الديني والفلسفي

 
الفكر الديني والفلسفي
سلمان عبد الله الحبيب 
الحياة مليئة بالصراع والآلام، التي تتنامى يوماً بعد يوم، وهذا ما دعا الفيلسوف (نتيشه)، للمناداة بالرجل الخارق، المتفوق في جسده وعقله ونفسه، معتقداً بأنّ الحياة لا بقاء فيها للضعيف، بل للأقوى والأصلح؛ ولكنّ تلك القوة يواجه بها الفرد – عنده - العقبات دون إيمان بدينٍ ما، بل إنه فوق ذلك، يقتل الشعور بالأمل والتفاؤل، حينما يصف الحياة بالعدمية التي ينجح فيها القويّ، صاحب الإرادة الحرّة، المتجرّد من عواطفه، المبتعد عن الاتباع الأعمى الذي يسود ثقافة المجتمع الذي يعيش فيه ذلك الفرد.
ولست هنا بغرض تقويم ذلك المنهج، إلا أنّني يمكن أن أعلّق عليه، بأنّه يجعلنا نرى الحياة، بصورتها القاتمة، وهذا ما أدّى بالفعل للعنصرية التي تبنّاها هتلر وغيره ، وبالتالي فلا مستقبلَ ينتظرنا بل يجب أن نصنعه نحن بالقوّة؛ وذلك ما يجعل المستقبل، ملكاً لمن أطلق عليهم –نيتشه- بالأقوياء، الذين لا تأخذهم الرحمة بالضعيف، ولا ينساقون لأخلاق العبيد.
كان تبنّي مثل تلك الرؤية، مؤلماً جداً؛ لأنه يلغي شعوراً متوارثاً لدى الناس، وهو التفاؤل الذي تضيق الحياة بدونه ؛ ومن هنا قال أفلاطون : "الحياة أمل فمن فقد الأمل فقد الحياة" وهذا ما يتفق فيه مع قول مصطفى كامل : " لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس " وهو ما عبّر عنه الشاعر الطغرائي في (لاميته) الشهيرة التي يقول فيها :
أعلّل النفــــسَ بالآمــــــــالِ أرقبُها
ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأملِ
وحينما نرجع إلى الوراء في تاريخ الأديان؛ فإنّنا نرى في ( الهندوسية) مثلاً، ذلك التطلّع إلى المستقبل المشرق، من خلال ما يطلقون عليه (موكشا)، وهو الانعتاق من سلسلة التناسخ المعروفة بمسمى (سامسارا). ومن جانب آخر ففي البوذية – أيضاً - شيء من ذلك؛ إذ يأتي ذلك التطلّع من خلال الوصول إلى (النيرفانا)، التي تعدّ تخلّصاً من كل أعباء الحياة، وكأنّها انطفاء من الوجود الماديّ .
وحينما ننتقل إلى الديانة الزرادشتية في كتاب (الأفستا)، فإنّ الإله (أهورا مازدا) يعد أتباعه بمخلّص في آخر الزمان؛ حيث إنّ حياتهم مكونة من أربع دورات، وكل دورة تمثل (3000) آلاف سنة، ويظهر المخلّص الأول في الألف الأولى من الدورة الرابعة من نسل (زرادشت)، الذي تكون نطفته في إحدى البحيرات، وتأتي عذراء لتستحم فيها، ويتم تلقيحها؛ ليكونَ ذلك المخلّص الذي يملأ الأرض بالخيرات، ثم في الألف الثانية من الدورة الرابعة، يأتي مخلّص آخر من نسل (زرادشت) بالطريقة السابقة، ويقوم بدوره في ملء الأرض بالخير والصلاح، ثم ينتهي المطاف بالمخلّص الأخير، في الألف الثالثة من الدورة الرابعة في الحياة الزرادشتية؛ ليعمَّ الأرض بالخير وتنتهي معاناة البشر.  
وفي اليهودية ينتظر اليهود مخلّصهم وهو المسيح الذي يجمع بني إسرائيل من شتاتهم وتفرّقهم ويقوم ببناء الهيكل. وفي المسيحية شيء من هذا، حيث ينتظر المسيحيون ظهور المسيح يسوع؛ ليعمّ الخير في أرجاء الأرض. ولا يختلف المسلمون كثيراً عن تلك النظرة المستقبلية من خلال تطلعهم لظهور المهدي المنتظر في آخر الزمان الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً وينهي الظلم والفوضى.
وحينما نتجوّل في الفكر الفلسفي، فإنّنا نجد شيئاً من هذا وإن اختلفَت التفاصيل ، فهيجل مثلاً في منهجه الدياليكتيكي المثاليّ، يرى أن الكونَ يتطوّر من خلال الصراع ليصل في النهاية إلى الكمال؛ إيماناً منه بوحدة الوجود، وهو يعبّر عن حركة التاريخ وكل الموجودات بأنها تمثّل وجوداً إلهياً، وكأنّ الله يختبر وجوده حسبما يقول؛ لأنّ الأشياء التي هي عين ذات الروح الكلية تتكامل لتصل إلى تلك الروح التي جاءت منها ، وهو بهذه النظرة الفلسفيّة، يرى أنّ ما يحدث من كوارث وأزمات سيأتي بعدها ما ينقضها ثم يأتي نقض النقض وهكذا تستمر الحياة في صراعها نحو الكمال الذي هو الله .
وفي النظرة الماركسية الماديّة، فقد أضافت إلى ماديتها الدياليكتيكية، شيئاً آخر، أطلقت عليه الدياليكتيكية التاريخية التي تبشّر بمجتمع شيوعيّ في نهاية التاريخ يتم فيه إلغاء كل أشكال الملكيّة والتنافس بعد صراع طبقي طويل تنتصر فيه طبقة (البروليتاريا) .
ولن أسترسل كثيراً في عرض الاتجاهات الفكرية المختلفة ، ولكنّي يمكن أن أؤكّد على أمر في غاية الأهمية وهو أنَّ كثيراً من الأديان والفلسفات جاءت لتبشر بغد مشرق قد يطول إلا أنه يبقى أملاً، يمكن انتظاره والتفاؤل به، وهو قبل أن يكون في الأديان والفلسفات، فهو موجود في طبيعة البشر العاديّين، الذين يشاهدون النور وهو يأتي بعد الظلام مما يؤكّد في داخلهم بأن الخير سيأتي مهما طال انتظاره؛ وهذا في نظري ما جعل عبادة الشمس هي الأولى في التاريخ؛ لأنها ترتبط بالأمل الذي ينتظره الإنسان منذ أنْ وُجد على هذه الأرض، وهي النور الأول الذي أبصرته الإنسانية في تاريخها، فأصبح هذا النور يمثل الهداية، والأمل، والصواب والوضوح، والحق، والنصر على الظلم. وهكذا بدأت البشرية بأملٍ ولا زالت إلى يومنا هذا تتطلّع إلى أمل ما وإن اختلف ذلك الأمل إلا أنه يدفعهم لمواصلة الحياة، والمغامرة دون خوف أو كلل؛ لأنهم – بحكم طبيعتهم الفطريّة - يعيشون على أمل، يؤمنون به أشدَّ الإيمان، ويخافون فيه، من رجل - مثل ( نيتشه)- ينتزعه منهم .


·        سلمان عبد الله الحبيب        

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق