![]() |
| سلمان عبد الله الحبيب |
قد يكون السؤال عن الحرية الفردية أمراً مطروقاً وقد تكون الأسئلة
المتعلقة بهذا الجانب ممّا تمّ الحديث عنه وكل من تناول ذلك رأى من زاويته الخاصة شيئاً
وغابت عنه أشياء أخرى ،ولكن يبقى لنا أن نتساءل: من الذي يملك الحق في أن يتحكم في
قراراتنا ؟ وهل هنالك قدرة على أن يفعل الفرد ما يريده دون أذى أو إملاء من أحد؟
وما الطريق الذي يجب أن نسلكه بإرادتنا المحضة إن كنا نمتلك الإرادة الحرة حقاً؟.
قد يتولى الحاكم السيطرة على شعبه ويملك حتى أرواحهم. ويمكن لبعض الحكام
أن يكونوا تابعين لإيديولوجية دينيّة معينة، يدّعي فيها كل واحد منهم أنه يمثل إرادة الرب، ومنهم من يمثّل إيديولوجية حزبية ، فينسف كل رأي يخالفه أو فعل يخالف حكمه، ويقول – لسان حاله
- ما قاله الفرعون : ( ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد).
والحرية المطلقة التي يدعو لها سارتر هي ضرب من الخيال، والديمقراطية التي
تدعو لها الشعوب المتحضّرة والتي تمثّل حكم الأكثرية ليست سوى رأي السواد الأعظم
ممّن لا يمتلك بصيرة النخبة، وهذا ما دعا ماركس للقول بأنّ الديمقراطية هي مجرّد
تضليل برجوازي، ويقول (هتلر) أيضاً : الأكثرية الجاهلة هي التي تتحكم في البلاد
بفضل الاقتراع العام. وهنالك آخرون أيضاً من المفكرين والسياسيين رأوا في
الديمقراطية شراً لا صلاحاً فأفلاطون رأى أن الديمقراطية تقوم على تحقيق المصالح
الشخصية وإشباع الغرائز الذاتية دون النظر للمصلحة العامة، أما (نيتشه) فهو يرى في
الديمقراطية امتداداً للمسيحية وتحقيقاً للرغبات التافهة، وقد عارض عالم السياسة
روبرت ميشال الديمقراطية داعياً إلى حكم الأقلية، وممن عارض الديمقراطية أيضاً
الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، وقد عارض الحاخام الإسرائيلي (إليعازر مناحم) الديمقراطية
بقوله: هي آلة الأكاذيب والأفكار المغلوطة والسعي وراء المصالح المحدودة والخداع.
وإذا ابتعدنا قليلاً عن هذا الجو المشحون بالسخط والازدراء للنظام
الديمقراطي فإنّنا قد نجد من يدعو للديمقراطية بلسانه بينما كل أفعاله تنمّ عن عدم
اقتناع بهذا النظام فمثلاً يمكننا أن نتساءل عن السياسي الذي تكون الديمقراطية ضد
مصالحه أو تقتضي إبعاده عن الحكم فكيف سيكون رده إن كان يؤمن حقاً برأي الأكثرية
؟! وفي مجال التربية لنا أن نسأل :ماذا عن الأب المتدين، كيف يربي أبناءه، وفي
المقابل كيف يربّي الأب الملحد أبناءه ؟ وهل سيسمح كل أب لأبنائه بفعل ما يريدون
ويقرّرون حتى لو آمن في داخله بخطأ الأبناء؟ وبالنسبة أيضاً للتعليم علينا أن نتساءل
:كيف يجب أن يكون المعلّم ؟ هل يكون خاضعاً للطلاب ويلبّي رغباتهم حتى لو كانت ضد
أن يتعلموا ؟!
إن حكم الأكثرية غالباً ما يكون مجلبة للفوضى وبعيداً عن المصلحة العامة
وكثيراً ما يلبي الرغبات الزائفة وربما يكون رأي الفيلسوف المؤيد للديمقراطية
(برتراند راسل) في كتابه السلطة والفرد مصيباً؛ حينما رأى بأنّ حال الفرد يبقى
سيئاً، على الرغم من منحه الديمقراطية؛ لأن السياسي هو الذي يملك القرار في
النهاية، وبيده الحرب والسلم. ويرى(راسل) أيضاً أن سيطرة الدولة، يجب أن تصب في
إحلال الطمأنينة، وتحقيق العدالة، والمحافظة على مصادر الثروة العامة، كما يرى أن
الحضارات انتهت حينما اعتمدت على الثبات والجمود وقتل الروح الفردية، ولكنّه في
دعوته إلى الحرية، فإنّه يطالب بتنظيمها كيلا تؤدّي إلى الفوضى.
وربّما كان (إبراهام لنكولن) دقيقاً في وصفه للديمقراطية حينما اختصرها
بقوله : "بما أنني لا أودّ أن أكون عبداً فإنني لا أريد أن أكون سيداً وهذه
فكرة الديمقراطية ".
وحينما نرى أنّ حكم الأكثرية في الأسرة أو في المدرسة أو في الدولة لا
يكون غالباً في الاتجاه الصحيح فنحن هنا لا نروّج للديكتاتوريّة التي نمقتها أشد
المقت فهي تقوم على قهر أكبر من خلال القمع وجعل المجتمع ضمن قالب محدّد وضمن
أفكار لا تتعارض مع الحاكم الذي لا يقبل النقاش وربّما يستغل السلطة الدينية في
تثبيت حكمه وفرض آرائه.
ولكن الديمقراطية بوضعها الحالي برّرتْ لكثير من الأمور التي تبعث على
الاشمئزاز منها ما برّرته للمثليين فسمحت لهم بأن يتزوجوا وأن ينالوا حقوق المثلية
الجنسية واعتبرتْ من يعارض ذلك خارجاً عن الأهلية وبعيداً عن روح الثقافة الحديثة
مما جعل رؤساء الدول والكنائس تبارك هذا الزواج وتعده قانونياً لا إشكال فيه وهكذا
تستمر الأكثرية الشاذة في مطالبها بينما الأقلية التي تمثّل النخبة يتراجع صوتها
ومع ذلك يجب أن تكون الأقلية مذعنة للرأي الغالب. هكذا تذوب الفردية مقابل إرادة
الجماعة وأصبحت الذاتية التي تنادي بها الحداثة، والحرية الشخصية التي تدعو لها
أغلب القوانين محلّ نظر.
نحن نؤمن بأنّ الفرد هو الأصل للجماعة ولكنّ الفرد ينصاع لرأي الأكثرية
فيضيع مفهوم الذاتية.
وهكذا يكون الفرد مقهوراً في مسيرة حياته فهو قد جاء إلى الحياة دون إذنه
ويذهب دون رغبته ويمرض ويصاب بالفقر ويهرم ويأتي من أبوين لم يخترهما بل هو فوق
ذلك يحمل جيناتهما وحتى حينما تم إقرار النظام الديمقراطي فهو ليس إلا إذعان الفرد
للأكثرية التي قد تكون تائهة في قراراتها وهذا ما دفع "جورج برنارد شو"
لقوله : ( من عيوب الديمقراطية أنها تجبرك على الاستماع لرأي الحمقى) وستمثل
الديمقراطية الفقراء لأنهم الغالبية كما يقول أرسطو، وقد قال أحدهم: ( انتصرت
الرأسمالية في أمريكا على الديمقراطية كما انتصرتْ من قبل على الشيوعية).
وأنا هنا لا أنتصر للديكتاتورية البشعة فأسوأ ديمقراطية هي أفضل من أعدل
الديكتاتوريات كما يقول الماغوط، وليس هنالك - كما يقول الكواكبي – أشد من مستبدّ
يؤمن بحكم الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية.
فالديمقراطية على ما فيها من منافع إلا أنها تصادر رأي الفرد لحكم
الأكثرية التي قد تضل الطريق أما الديكتاتورية فإنها تصادر كل الحريات؛ فليست
هنالك أكثرية، وليست هنالك فردية، فالجميع سواء وعليهم أن يقبلوا ما يملي عليهم
الحاكم الأعرف بأمور البلد والذي لا يقبل النقاش، ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون،
وهو المهيمن العزيز الجبّار المتكبّر، الذي بيده كل شيء وليس على الرعية إلا
الإذعان والعبودية.
نحن ـ بالفعل ـ مقهورون بين ولادة وموت كالمصابيح التي كلما تعطّل مصباح
جيء بآخر ليبقى النور، وكأنّنا – كذلك - في طابور كبير يتقدّم كل فرد فيه نحو حفرة
صغيرة حيث يتحلّل فيها ثم يأتي آخر ليأخذ دوره في الطابور .
العمر قصير جداً، فما الذي ننجزه ؟ وما الذي نختاره ؟ وما الذي نندم عليه
حينما نصل إلى نهاية الطابور حيث الهاوية؟
وما اليقين الذي يجب أن نحارب لأجله ؟ ونحن نعلم أنّ المعتقدات كما يقول (غوستاف
لوبون) تنشأ من دوافع لا شعورية ويغلب عليها المنطق العاطفي وتختلف عن المعرفة
القائمة على التأمّل والمنطق العقلي؛ وهذا ما يجعل أصحاب الأديان والمعتقدات
الأخرى كالاشتراكية والشيوعية يدافعون ببسالة عما يعتقدون وكل حزب بما لديهم فرحون،
وكل يرى نفسه يمثل الصواب، وهذا ما يدفع البعض لتفجير نفسه فيخسر حياته؛ لأنه
يمتلك يقيناً كاملاً بالعاقبة الحسنة التي سينالها.
من كل ما تقدّم سيدرك القارئ أنّنا نمتلك مساحة من القرار الحر؛ ولكنّنا
مكبّلون بقوانين وراثية جبرية، وبتنشئة اجتماعية وأسرية، وبمنطق عاطفيّ ودينيّ، ومحكومون
كذلك بقانون سياسي، وقد نكون تحت استبداد النظام الديكتاتوريّ، أو تحت حكم
الأكثرية في النظام الديمقراطي، وللتوضيح أكثر – وإنْ كان قاسياً – فإنّنا أشبه
بالفأر الذي يوضع في مجموعة من الدهاليز ليصل في نهاية المطاف إلى غذائه، فهو
يمتلك الحرية في الذهاب هنا وهناك وينتقل من ممر إلى آخر ولكنه يتحرّك ضمن نطاق
محدّد لا يمكنه الخروج منه، وغايته من هذا التحرّك، هو الوصول إلى غايته الغذائية،
ولو تأمّلنا في حال الإنسان، فإننا سنراه في مجموعة من الدهاليز التي يمتلك الحرية
التامة في التحرك من خلالها إلا أنه في النهاية مؤطّر ومحدود الحركة وليس كل مصيره
بيده وليس من الضرورة أن يصل إلى غايته كما وصل فأر التجارب إلى غذائه.
·
سلمان عبد الله
الحبيب

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق