الأحد، 5 نوفمبر 2017

شفرة الطقوس

نحن نؤمن بأنّ كل شيء في هذه الحياة محكوم بقانون التطوّر والارتقاء الذي هو منطق الحياة وناموس البشر. ولن تخرج الطقوس عن هذا القانون فهي لم تأتِ من فراغ بل كانت لها جذور في الماضي وتطوّرت شيئاً فشيئاً عبر الزمن.
وحديثي هنا لا ينتقص الأديان ولا ينال من أية ممارسة دينية بل أنا هنا أحاول كشف النقاب عن الأصول وما حدث لها من تطوّر عبر منهج دياليكتيكي حتميّ.
وسأبدأ موضوعي بهذه العناصر التالية وهي: الشمس والماء والتراب والنار والهواء.
لقد عبد الناس الشمس منذ أقدم الأزمنة؛ لأنها مصدر النور، ومصدر الحياة .ورأوا أنها مع الكواكب تؤثر في البشر؛ فأصبحت الشمس إلهاً يعبد، وأصبحت الكواكب بمثابة الأعوان لذلك الإله، وهذا يفسّر تعلّق ذلك البدائي بالشمس، ويراها النور، والأمل، والحياة، وخصوصاً أنّه كان يعمل في الزراعة، لتأمين حياته، وبقائه على هذه الأرض.
كما تعلّق الفرد منذ أقدم الأزمنة، بالعناصر الأربعة المرتبطة بالأبراج، وهي: الماء والتراب والنار والهواء، فكانت هنالك أبراج ترابية، وأبراج مائية، وأبراج ناريّة، وأخرى هوائية.
والماء هو مصدر الحياة بالنسبة للنبات. والتراب هو المكان الذي تنمو فيه تلك النباتات، بل كل الكائنات الحية، وبالنسبة للنار فهي الوسيلة التي يستخدمها الإنسان منذ غابر الزمان في الشواء، وتأمين الغذاء، بالإضافة إلى ما تمنحه من نور عندما يحل الظلام.
من هنا أصبحت القداسة للشمس، وللعناصر الأربعة، وللكواكب أيضاً، وهذا سيفسّر لاحقاً كيف تطوّرت هذه الأمور في الأديان.
وبما أنّ الشمس كانت في لحظة ما بمنزلة (الإله) فقد أصبح الله في كل الأديان اللاحقة عالياً بل أصبح التوجه إلى الله حين مناجاته بالنظر إلى الأعلى ورفع الأكف – كذلك- إلى السماء، مع أنّ هنالك ديانات منها الإسلام تؤمن بأن الإله لا يحده حدود، ولا يرتبط بمكان أو زمان، ومع ذلك نراه في السماء بل نعبر عنه بالسماء أيضاً ونقول: إرادة السماء كتعبير عن إرادة الله.
ونضيف إلى ذلك بما يتعلّق بالشمس هو أن السومريين في نصوصهم القديمة كانوا يؤمنون بالكواكب السبعة السيّارة وهي : (الشمس والقمر والمشتري والزهرة وزحل وعطارد والمريخ)، ولكل كوكب سماء، وفي كل سماء إله، ومن خلال ذلك جاءت فكرة السماوات السبع التي تمثل العوالم العلوية وتمثّل – كذلك - الثواب، ويقابل ذلك عندهم العوالم السفلية التي تمثل العقاب وبهذا جاءت فكرة الأرضين السبع؛ لذلك لا نستغرب حينما يصبح الرقم (7) مقدّساً في كثير من الأديان بل أصبحت أيام الأسبوع سبعة ويمكن لنا أن نلحظ كلمة(sun) في يوم الأحد ( sunday ) ونلحظ كلمة (moon) في يوم الاثنين ( monday)،وهذا دليل واضح على ما للكواكب من تأثير في حياة البشر الفكرية. وبما أن المسيحيين تعلّقوا بالشمس كثيراً كان ميلاد المسيح هو يوم ميلاد الشمس وأصبح هو ابن الله (sun) وأصبح يوم الأحد لديهم مقدّساً، بينما أصبح السبت يوماً مقدساً لليهود لأنه اليوم الذي استراح فيه الله من الخلق، وبالنسبة للجمعة فهو يوم المسلمين والذي كان يوماً مقدّساً عند العرب حتى قبل إسلامهم.
وفي التلمود البابلي هنالك سبع سماوات – أيضاً - وهي : ( فيلون – راخيا – شهاكيم – صبول – ماعون – ماكون – عرابوات)، وفي الإسلام كذلك سبع سماوات كانت معروفة عند العرب قبل إسلامهم وهي : ( الرقيع – أرقلون – قيدوم – ماعون – ريع أو ريق – دقناء – عربيا).
وقد اعتبر اليونان أن الأبراج السبعة آلهة وكان المشتري لديهم أباً للآلهة. وكانت الكواكب السبعة معروفة كذلك عند الفرس والفراعنة والكلدانيين والآشوريين.
وفي الهندوسية التي هي أقدم الديانات، هنالك سبع سماوات تسمّى الجنّات ( فيارتيس) وسبع أرضين تسمى ( ناراكا) أو ( بتالاس)، وهذه السماوات والأرضين عند الهندوس تقابل العالم العلوي والعالم السفلي عند السومريين.
وفي القرآن جاء ذكر الرقم سبعة بقوله : ( فسوّاهنّ سبع سماوات) ، (لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم) ، (وبنينا فوقكم سبعاً شدادا).   
وبما أنّنا مع الرقم سبعة فإن لدى الهندوسية سبع ولادات للفرد عبر التناسخ وبعدها يتجه نحو العالم العلوي أو نحو العالم السفلي.
ويمكن أن نرى قداسة هذا الرقم سبعة في الألواح السبعة وقصة الخلق وقصة النيام السبعة الذين هم أهل الكهف حسب الرواية السريانية، وكذلك التراتيل السبعة عند الصابئة حينما يقومون بنصب الراية التي تشبه الصليب (درافشا) بالإضافة إلى القراءات السبعة والأحرف السبعة في القرآن والطواف سبع مرات حول الكعبة كما نجد عند الجاهليين قبل إسلامهم المعلقات السبع التي زيدتْ بعد ذلك فأصبحتْ عشراً.
وسنعود من جديد للشمس التي هي النور والحياة والأمل لكل من يعمل في الزراعة حتى أصبحت الشمس نور لله.
من هنا جاءت الشمس في القرآن التي تمثّل النور لمسايرة هذه الثقافة السائدة حيث جاء في قوله : ( الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح) وأصبحت الصلوات مرتبطة بظهور الشمس وغروبها فعند المسلمين صلاة الفجر قبل طلوع الشمس وصلاة الظهر عند زوال الشمس وصلاة العصر قبل الغروب وصلاة المغرب عند غروب الشمس وصلاة العشاء بعد الغروب وقد تمّ جمع الظهرين والعشاءين عند الشيعة ليكون المجموع بذلك ثلاث صلوات.
وهنالك أيضا الصلوات الخمس عند الزرادشتيين التي يسبقها الوضوء كما يفعل المسلمون والصلاة الأولى تكون عند شروق الشمس إلى منتصف النهار، والثانية عند منتصف النهار والثالثة بعد الظهر إلى الغروب والرابعة من الغروب إلى منتصف الليل والخامسة من منتصف الليل إلى الفجر.
وعند اليهود بعد وضوئهم ثلاث صلوات وهي : صلاة الصبح ، وصلاة العصر وصلاة المساء.
ومن هذا المنطلق نشأت صلاة كسوف الشمس التي تقابل صلاة الخسوف في القمر، وقد نلمح شيئاً من هذا القبيل في عيد الفصح المرتبط بالشمس عند المسيحيين وبالقمر عند اليهود.
وللشمس حضور في الإسلام حتى سميت سورة بسورة الشمس وجاء في القرآن :         ( والشمس وضحاها) ، وجاء أيضاً :( إنّي رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين)، وهنالك آية أفول الشمس التي تبيّن مدى تغلغل عبادتها منذ القدم حيث جاء في قصة إبراهيم في القرآن بقوله: ( فلمّا أفلتْ قال إني لا أحب الآفلين) وهنالك حديث نبوي حول سجود الشمس، وليس ذلك فحسب فسائر العبادات الإسلامية مرتبطة بالشمس ففي رمضان يصوم المسلم في فترة النهار ويفطر عند غياب الشمس، وهذا الشهر الذي هو شهر ترويض الروح تشتدّ فيه حرارة الشمس حتى اشتقّ بذلك اسمه من ( الرمَض). وبالنسبة لعيد الفطر فيكون في الصباح الباكر وزكاة الفطر قبل طلوع الشمس وقبل صلاة العيد.
ويمكننا أن نرى شيئاً من ذلك في الحج ففي يوم عرفة يخرج الحاجّ من منى إلى عرفة مع شروق شمس اليوم التاسع من ذي الحجة، ووقت الوقوف من زوال الشمس في يوم عرفة إلى طلوع فجر اليوم التالي وهو أول أيام عيد الأضحى.
ويبدأ يوم عرفة في الحج من فجر اليوم التاسع من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم النحر مع دخول وقت صلاة الفجر.
وعيد الأضحى يبدأ من العاشر إلى الثالث عشر من ذي الحجة بعد الانتهاء من وقفة عرفة حيث يبدأ بصلاة العيد فجر اليوم الأول.
وبما أن الشمس مرتبطة بالزراعة فقد صنع المزارعون صليباً هو أشبه بالفزاعة كيلا يفسد الطيور أو بعض الدواب ذلك الزرع ، وهذا هو شعار الصابئة المندائيين. ويسمّى صليبهم (درافشا) وهو راية يوحنّا المعمدان ورمز لعالم النور وشجرة الحياة، ويسمى براية النور أو العلم المضيء.
 و(الدرافشا) عبارة عن غصنين متقاطعين يربطان بحبل أبيض ويوضع عليهما رداء أبيض من حرير منسوج باليد وتوضع في أعلى ( الدرافشا) في منطقة التقاطع سبعة أغصان من نبات الآس المبارك لدى الصابئة. ورداء الحرير الأبيض لابدّ أن تكون فيه فتحات لينفذ منها ضوء الشمس الذي يأتي من عالم النور (آلما دنهورا) وهنا يمكن أن نلمح أن (الدرافشا) ليس سوى شيء مرتبط بالزراعة بل ويوضع فيه نبات الآس كما نلاحظ الرقم سبعة في أغصان هذا النبات المقدّس ويمكننا أن ندرك مدى تقديس نور الشمس بعمل الفتحات التي ينفذ منها في رداء الحرير. ولو تأملنا ملياً هذا الصليب سنراه أشبه بإنسان مقدّس يلبس ثوباً من حرير ويحافظ على الرزق الذي هو النبات هنا لدى المزارعين.
ولدى الصابئة أيضاً ما يُعرف بالتعميد الذي هو رمز للطهارة ورمز للولادة والحياة وهنا تبرز أهمية الماء مما جعل الصابئة يختارون أماكن عبادتهم بجوار المياه الجارية.
وقد احتلّ الماء عندهم هذه الأهمية لأنه يمثل عند أهل الزراعة حياة النبات وبالتالي حياة البشر الذين يعتمدون على ما تنبت الأرض من طعام فكما يستقبل النبات الشمس بنورها ويصب الماء عليه ليحيا فعلى الإنسان أن يستقبل هذا النور بعد تعميده بالماء لذلك ينصب الدرافشا في طقس (التعميد) الذي يطلق عليه الصابئة (الصباغة) من أجل اتحاد النور بالطهارة في المياه الجارية (اليردنا). وهنالك آية من القرآن تربط بين حياة الإنسان والنبات حيث تقول :( والله أنبتكم من الأرض نباتاً).
وشبيه بتلك الطقوس التي عند الصابئة ما يمكن أن نشهده عند المسيحيين، فالدرافشا والصباغة تقابل الصليب والتعميد. وهنا يجب أن أشير إلى أنّ ظهور الصليب والتعميد جعل المسيحيين يؤلفون قصة تحمل طابع القداسة حيث قالوا فيها بأنّ المسيح قد صلب ثم ارتفع إلى الله بينما الصليب المقدّس لا يرتبط بالموت بل على العكس من ذلك فهو مرتبط تمام الارتباط بالحياة كما ألمحنا لذلك فيما سبق.
والذي دعا المسيحيين إلى اختلاق قصة صلب المسيح هو وجود الصلب والحرق بالنار على الصليب في تلك الفترة التي عاش فيها المسيح بشكل شائع، بالإضافة إلى رغبة جامحة في زيادة التقديس لشخص المسيح حيث تمّ إحراقه – فيما يدّعون - ونجا من الحرق، وهذه تذكّرنا إلى حد ما بنجاة إبراهيم حينما تمّ إحراقه بالنار، وكأنّها استحضار لتلك الحقبة الزمنية ومحاولة إسقاط تلك القصة على واقع المسيح ، بالإضافة إلى ذلك فإنّ (الدرافشا) يمثل في شكله دور الرجل المصلوب الذي يرتدي قماشاً حريرياً مما جعل المسيحيين يستحسنون فكرة الصلب، ولكنّ القرآن يكذّب قصة صلب المسيح بقوله: ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّه لهم) .
ويمكننا هنا أن نلمح إلى أمر مهم وهو ما تستدعيه رمزية الله في السماء التي تمثّل ألوهية الشمس إذ جعلتْ الجبل مكاناً يلجأ إليه الأنبياء للاتصال بالرب العالي وهذه هي رمزية الاتصال بالسماء فموسى ذهب إلى جبل سيناء وتلقّى الوصايا العشر كما تذكر التوراة بل جاء في القرآن عن النبي موسى حينما أراد رؤية ربه قوله: (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (الأعراف 143 ) ، وقد كان النبي محمد يلجأ إلى الجبل في غار حراء ومنه تلقّى الوحي . ولدى السريانيين في سوريا جبل التين وهو قريب من جبل الزيتون في القدس عند قبّة الصخرة ولعلّ هذا ما يفسر الآية التي تقول :  ( والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين) فهي تتحدّث عن جبل التين وجبل الزيتون وجبل سيناء وجبل مكة الذي هو جبل النور والذي حرّف لاحقاً – حسبما أظن – إلى جبل الثور وسأتطرق لاحقاً إلى سبب هذا التحريف.
وبما أنّ ألوهية الشمس حاضرة فقد استدعى ذلك أن يكون لها أتباع تؤثّر في حياة البشر ، من هنا جاء الاهتمام بالكواكب الشمسية الاثني عشر، وأصبح التقويم الهجري الشمسي مكوناً من اثني عشر شهراً حسب الأبراج وهذه الأشهر أو الأبراج هي : الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة أو العذراء، والميزان، والعقرب، والقوس والجدي، والدلو، والحوت.
هذه الأبراج جعلت للرقم (12) قدسية رمزية فكل الشهور هي اثنا عشر شهراً وأتباع موسى اثنا عشر فرداً، وحواريو عيسى اثنا عشر حوارياً، بل أصبح الأئمة لدي الشيعة الإماميّة اثنا عشر إماماً.
وجاء في القرآن : ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله) كما جاء هذا العدد في قصة موسى في القرآن بقوله: ( وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، قد علم كلّ أناس مشربهم ...) وجاء في القرآن بشأن بني إسرائيل قوله: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ۖ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) وقوله :( وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا...).
وقد جاء في الأحاديث النبوية بما يستند إليه الشيعة الاثنا عشرية إلى مجموعة من الأحاديث تنص على أنّ هذا الدين لا يكون إلا باثني عشر أميراً كلهم من قريش وهنالك حديث ينسب إلى النبي محمد بقوله: ( أنا سيد النبيين وعلي سيد الوصيين وإنّ أوصيائي بعدي اثنا عشر أولهم علي وآخرهم القائم المهدي).
وبالعودة إلى الأبراج فإنّنا نرى عيسى عند المسيحيين يمثّل الإله أو يمثّل الشمس والعذراء أمه نسبة إلى برج العذراء، والتطهير بالماء ينسب إلى برج الدلو، أمّا الميزان فهو يرمز إلى العدالة التي يدعو إليها المسيح ويدعو لها الإسلام كذلك حتى جاء في القرآن :( والسماء رفعها ووضع الميزان) والآية التي تقول: ( ألا تطغوا في الميزان) وقوله: ( وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) وقوله كذلك: ( وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط). وجبل النور هو جبل الشمس التي هي مصدر ذلك النور وقد سمّى – كما أرى – بجبل الثور نسبة إلى برج الثور.
وبما أننا استغرقنا في الحديث عن الشمس وكواكبها فمن الواجب أن نقف على العناصر الأربعة مرة أخرى ليتضح المعنى ويكون الإدراك شمولياً غير منتقص.
فالماء هو رمز للطهارة ومنه سنّ الوضوء في الإسلام وكذلك الاغتسال بالإضافة إلى غسل الميت، كما سنّ التعميد في المسيحية والصباغة في المندائية والاغتسال في النهر عند الهندوس.
وبالنسبة للنار فقد أصبحت لها قدسية عند الزرداشتيّين لما تمثله من النور الإلهي، كما يمكن أن نلحظ شيئاً من هذا في قصة موسى حينما صعد إلى الجبل فأراد أن يأخذ قبساً من النار التي هي رمز للهداية والصلاح والنور إذ جاء في القرآن بشأن النبي موسى:
(إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) وجاء أيضاً في القرآن قوله:(فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ* فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).
ولدى المسيحيين الأرثوذكس نار مقدّسة في كنيسة القيامة بالقدس في يوم السبت المقدّس أو ما يُعرف بسبت النور الذي يسبق عيد الفصح وتلك النار عندهم نار مقدّسة يصلّون في المكان الذي ظهرت فيه؛ لأنّها – حسب اعتقادهم – معجزة حدثت في قبر المسيح إذ ظهرت فيه دون أن تحرق من يقترب منها، وهذه المعجزة التي تمثّل الإضاءة توحي بنور المسيح الذي يمثّل نور الله.
وبالنسبة للتراب الذي هو عنصر مهم جاءت أهميته من حياة الزرع بل رأى المؤمنون أنهم جاؤوا كالنبات من هذه الأرض وقد جاء في القرآن ما يشير إلى ذلك بقوله: ( والله أنبتكم من الأرض نباتا).
وفي الإنجيل خلق الله الأرض وجعل فيها الأعشاب والماء والفضاء والنور ثم خلق الإنسان من التراب الذي نفخ فيه الله من روحه فجاء آدم وبعده كانت حواء من أحد أضلاعه.
وفي التوراة لا يختلف الأمر كثيراً إذ خلق الله الإنسان من تراب مخلوط بالماء كان شبيهاً بالآلهة.
والقرآن يقرّ بذلك حيث يرى أن الإنسان مخلوق من التراب أو الطين وأنّ الله نفخ فيه من روحه.
وفي الأساطير البابلية التي سبقتْ الأديان الإبراهيميّة ترى أنّ الإنسان مخلوق من التراب وهنالك ثقافات قديمة كذلك ترى أن بداية خلق الإنسان كانت من التراب.
وفيما يتعلّق بالهواء فهو يمثّل نفخ الله في الطين ليكون بعد ذلك الطين بشراً سوياً. وهنالك آيات تذكر أهمية الريح في حياة (الزرع) في عدة مواضع منها :
(وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ ...) ، (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها..)، (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ).
ورمزية الريح جاءتْ عما تفعله من الإتيان بالسحاب لتمطر الأرض وتنبت النبات وتكون بذلك حياة الإنسان. وبما أن الإنسان هو نبات الأرض فقد تكون الريح صلاحاً وإحياءً له وقد تكون دماراً له كما هي دمار للزرع في بعض الأحيان؛ حتى جاء في القرآن نصر الريح للإنسان: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) ويروى عن النبي قوله: ( لقد نُصرتُ بالصَّبا وأهلكتْ عاد بالدبور) والصَّبا هي الرياح التي تهب من الشرق أما الدبور فهي الرياح التي تهب من الغرب.
ولو تأمّل القارئ الحاذق فيما سبق سيرى أنّ الطقوس جاءتْ من أحوال الزراعة فأصبحت للشمس والكواكب بالإضافة إلى العناصر الأربعة قيمة تحوّلت إلى الطقوس التي يمارسها المتديّنون من هنا لا نستغرب من ظهور صلاة الاستسقاء مثلاً عند المسلمين، كما لا نستغرب من ذكر التين والزيتون والعنب والرمان وما وعد به الله المتقين يوم القيامة بقوله: (وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ) وقوله : (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) ) وقوله أيضاً : (فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69))
وقد جاء ذكر الماء والنبات في القرآن في موضع آخر بقوله:
(فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ).
وهذا الأمر من ذكر الزروع جعل بعض الباحثين يخطئون في الاستنتاج فقالوا : إن مصدر القرآن هو بلاد الشام لأن الجزيرة العربية قاحلة وهذا وهم كبير فرمزية الزرع بقيتْ في كل الكتب المقدّسة إذ بدأتْ الأديان مرتبطة بالبيئة الزراعية.
وسنخرج قليلاً لكشف النقاب عن جانب آخر في الطقوس الدينية لتتبّع ما مرّتْ به من تطوّر، فالصلاة مثلاً في الإسلام لم تأتِ إلا بعد فترة ليست بالقليلة وقد كانت ركعتين ثم زادت بعد ذلك؛ لهذا عندما يقصر المسلم عند السفر فإنّه يعود إلى أصل الصلوات قبل الزيادة. وبالنسبة للركوع والسجود فقد كان العرب قبل إسلامهم ينثنون أمام أوثانهم وأصنامهم ثم يخرّون لهم سجّداً ليحقّقوا لهم أمانيهم وتطلّعاتهم فجاء الإسلام ليجعل من هذا الطقس عبادة تجاه إله واحد لا شريك له عبر الركوع والسجود.
وفيما يتعلّق بالنداء المتعلّق بالعبادات والذي يهدف إلى تبليغ أصحاب الدين بأداء فريضة متعارف عليها لديهم فإنّنا نجد أنّ أغلب الأديان تقوم بأداء صوتي ما، ففي اليهودية يستخدم البوق وفي المسيحية يقرع الجرس أو الناقوس وفي البوذية والهندوسية يقرع الجرس أيضاً أما في الإسلام فكان النداء صوتياً كلامياً تمّ الإضافة والحذف عليه فيما بعد في المذاهب الإسلامية المختلفة.
وقد علمنا أن الصلاة كانت مرتبطة بمواقيت الشمس، وعلمنا أنَّ سائر العبادات كانت مرتبطة بالشمس التي كانت هي فاتحة الأديان، من هنا جاءت تغطية الرأس للرجل والمرأة وعدّته شيئاً مقدّساً وهو في أصله جاء من التوجّه العباديّ نحو الشمس إذ إنّ تغطية الرأس كان اتقاءً لحرّها ورجاء لفضلها أما حلق الشعر عند البوذيين فكان استقبالاً لحرارة الشمس بغرض الترويض ومجاهدة النفس وهذا ما يحدث من حلق للشعر في أداء فريضة الحج.
وحينما نتأمّل فريضة الحج فإننا ندرك أنها كانت ممارسة معروفة عند الجاهليين قبل إسلامهم وكان الطواف حول الكعبة سبع مرات كدوران الكواكب السبعة بعكس عقارب الساعة تمجيداً للآلهة الموجودة مع كل كوكب في السماوات السبع، وقد كان الجاهليون يسعون بين الصفا والمروة ويقدّمون الأضاحي للآلهة فلما جاء الإسلام أقرّ الطقس مع التغيير الذي يتناسب مع الشريعة الإسلامية، وحينما نتأمل أكثر فإننا ندرك أنّ القبلة لم تكن في البداية نحو الكعبة، بل كانت عند المسجد الأقصى في القدس، ثم تحوّلتْ لاحقاً نحو البيت الحرام في الكعبة.
وبالنسبة للملابس التي تمثّل جزءً من الطقوس الدينية فإنّنا نرى اللباس الأبيض غير المخيط لدى الزرادشتيّين فندركُ أنّهم ارتبطوا بالزراعة وأرادوا اتقاء حر الشمس وامتصاص العرق عبر هذا الملبس القطني. ولدى المسلمين ما يشبه هذا الأمر فالملبس الأبيض نجده عند الولادة وعند الموت وعند أداء فريضة الحج؛ لذلك أصبح اللون الأبيض في اللباس يحتلّ قدسية ويعبّر عن النقاء وما تغسيل الميت إلا لتطهيره والحفاظ على نقائه عند لقاء ربه كما يفعل الزرادشتيون في طقس الصباغة أو المسيحيون في طقس التعميد أو الهندوس عند الاغتسال في النهر. وقد يتساءل البعض إذا كان الوضوء من أجل الطهارة فلماذا جاء التيمّم الذي نص عليه القرآن بقوله : ( فإنْ لم تجدوا ماءً فتيمّموا) ومن تابع الموضوع بشكل متأنٍّ سيدرك أن الماء والتراب ضمن العناصر الأربعة المقدّسة بل أصل الإنسان في اليهودية الذي هو عبارة ( تراب مخلوط بالماء) وعند المسلمين عبارة عن طين أي ( تراب مخلوط بالماء) أيضاً، فحينما يستخدم الفرد الماء فهو يتطهّر به لقداسته لا لينظّف به جسده، وحينما يتيمّم بالتراب فهو كذلك يتطهّر لقداسة هذا التراب لا لينظّف جسده أيضاً لذلك يقول النبي محمد : (وَجُعِلَتْ لي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا) .
ونعود من جديد لطقوس اللباس فنرى اللباس السائد عند الرهبان البوذيين هو لون الزعفران وهذا يؤكد مدى ارتباط الأديان بالزراعة حيث اشتهرت الهند وبلاد فارس بالزعفران الذي كان يزرع بكثرة مما جعله يحتلّ القدسية والوقار حينما دخل في حيّز الممارسة الدينية، وحينما نتجه نحو المسيحيين فإنّنا نرى اللون الأسود هو الغالب على رهبانهم وهذا الأمر مرتبط – في رأيي – بالحداد على صلب المسيح فأصبح بذلك اللون قدسياً ودليل الوقار عندهم.
من كل ما تقدّم يظهر لنا جلياً كيف بدأت الطقوس التي أقرّتها الديانات مع تغيير موضوعها وهذا ليس تقليلاً من شأن الدين بل هو دليل على أنّ كل ممارسة دينية جاءتْ من أصل ثم قامتْ بالتغيير في ذلك الأصل وجعلته في صالح الدين وتطوّر الأمر بعد ذلك واستمرّ التطوّر عبر السنين، ولا زالت الأديان في تطوّر مستمر - إلى يومنا هذا-  شئنا أم أبينا، فهذه سنة الحياة، فيبقى الدين ثابتاً في أمور محدّدة، مع خضوعه للمتغيرات التي يفرضها الزمن، وبذلك تنتفي فكرة (الصلاحية التامة لكل زمان ومكان) بالمعنى التقليدي الأعمى الذي يعيد الناس إلى أفكار مضى عليها مئات أو آلاف السنين دون اعتبار لعامل الزمن وما يقتضيه من تغيير؛ لذلك فشل الرجعيّون الذين يريدون من المتديّنين العودة إلى الأصل تماماً فتعيش أصوليتهم في صراع واغتراب قد يؤدّي بهم  فيما بعد إلى الإرهاب.
وأنا في حديثي هذا لم أهدف إلى الحكم على دين ما بالصحة أو الخطأ أو الانتصار لدين ضد دين آخر بل أردت إيضاح مسألة في غاية الأهمية تتعلّق بالطقوس الدينية لعلّي أكون بذلك قد ساهمت في إشعال شمعة في الطريق.


* سلمان عبد الله الحبيب 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق