الأحد، 22 نوفمبر 2020

عالم مجازيّ


   ماذا لو كان لدينا جهاز لكشف ما بداخل الناس؟! ماذا لو كنّا نستطيع - فعلاً-كشف أفكارهم ومشاعرهم وما يضمرونه من رغبات؟! أعرف أنّني قد أبدو عابثاً، ولكنْ لا بأس، فلنتأملْ ذلك ولو من باب الخيال العلميّ! لو فعلنا ذلك لاكتشفنا أنّ كثيراً من الناس يختبئ وراء أقنعةٍ لا حصرَ لها، بحيث يظهرون السلوكيّات الاجتماعية المقبولة، ويخفون حقيقتهم إرضاءً للمجتمع، وقد ألمح لذلك "سيجموند فرويد" من خلال بيان أثر التحضّر وسلطة المجتمع في الأخلاق في كثير من كتبه. إنّ الكثير من الناس يتوارى خلف الكثير من الحُجُب فيعيش عالماً مجازياً لا يمتّ لحقيقته بصلة؛ فهو يساير ثقافة المجتمع وعاداته وتقاليده وأخلاقه دون أن يصطدم معه بإظهار ما يقتنع به تماماً أو إبراز ما لديه من أفكار ومشاعر وغرائز وسلوكيّات؛ وهو بذلك يعيش تقيّة ثقافيّة عبر ممارسة حيل دفاعيّة لاشعورية من الكبت، والكذب، والإنكار، والتماهي، والإسقاط، والتبرير، والتسامي، والتحويل، والتحريف، والتكوين العكسيّ، والانسحاب. من خلال ذلك فإنّنا لا نتعجّب حينما نرى شخصاً يظهر السمات الأخلاقيّة التي ترضي المجتمع مع إخفاء حقيقته لكيلا يشعر بالتأنيب أو الاغتراب أو الإقصاء من الثقافة الاجتماعيّة التي ينتمي إليها، وقد يكون في موقفه ذلك مقتنعاً فيكون في وفاق ومراجعة مستمرة، وقد يكون غير مقتنع فيعيش في حالة صراع دائمة وتقيّة ثقافيّة مراوغة وتمثيل دورٍ آخر لا يمتّ له بصلة وكأنّه ممثّل يؤدّي دوراً على خشبة المسرح. وهنالك في مقابل ذلك من يحاول إظهار حقيقته الداخليّة التي قد تكون مخالفةً لثقافة المجتمع؛ لكنّه سيدفع ثمناً باهظاً لتلك الحريّة التي قد تكلفه حياته. ويمكننا أن نميّز موقفين أساسيّين في التعامل مع ثقافة المجتمع وأخلاقيّاته وهما:
 أولاً- المواجهة والتمرّد، ويتصف ذلك الموقف بالحريّة الوجوديّة التي قد تكون عدمية أو عبثيّة، أو تكون حرية ملتزمة بالمعنى الذي يستلزم المسؤولية والإرادة الحرة المسؤولة عن تغيير الواقع دون استسلام لقيود المجتمع الحديديّة التي تفرض نفسها على حريّته وتحدّد له ماهيّته، وقد يدفع الإنسان الثمن الباهظ غالباً، ولا سيّما في المجتمعات المحافظة التي ترفض صدق ذلك الفرد مع ذاته في مقابل نبذ قيم المجتمع وثقافته.
 ثانياً- التصرّف وفق حيل دفاعيّة لاشعوريّة، وهذا الموقف يتخذ أربعة أشكال - من وجهة نظري -على الشكل التالي:
 ١- إعادة التسمية ويدخل ضمن ذلك الإنكار والتبرير والكذب والتحريف فنرى البعض يسمّي الجنس حباً، والخلاعةَ فناً، والابتذال حريةً، والوقاحة جرأة، والاستبداد والتسلط قيادة، والضعف تسامحاً، والعبودية تواضعاً، والعدوان والوحشية قوة، والعنصرية انتماء.
٢- التكوين العكسيّ وقد أشار إليه إلى جانب علماء التحليل النفسيّ عالم اللغة الألماني الفيلسوف "نيتشه" في كتابه (جينالوجيا الأخلاق) فيما أطلق عليه أخلاق العبيد عند أولئك الذين يزهدون نتيجة فقرهم، ويتسامحون نتيجة ضعفهم، أمّا عند علماء التحليل النفسيّ فإن ( التكوين العكسيّ) يعدّ حيلة دفاعية لاشعورية تتصف بقلب الرغبات المحرّمة أو غير المقبولة إلى النقيض، حيث يكون- مثلاً- ذلك الشخص المغرور مخفياً لعقدة النقص التي يشعر بها، أو يكون ذلك الشخص المبالغ في تديّنه -مثلاً- مخفياً لرغباته العدوانية أو الجنسية، وهكذا يتم إظهار الصفات المعاكسة.
٣-التساميّ ويتمّ في هذه الحيلة الدفاعية تحويل الطاقة الجنسية مثلاً إلى طموح دراسيّ أو إبداع فنيّ، أو تحويل النقص البدني إلى تميز ثقافي، أو تحويل حالة العدوان إلى تميز رياضيّ أو عمل مقبول كالملاكمة أو المصارعة أو فنون القتال وهكذا يحاول الفرد هنا جعل غرائزه البدائية أو نقائصه إلى قيم عليا أو إبداع أو طموح ليكون مقبولاً اجتماعياً بينما هو يحاول طمس ما في داخله.
 ٤- الانسحاب ويتم في هذه الحيلة الدفاعية البعد عن كل ما يدعو للألم بإخراج ذلك من الذهن بشكل لاشعوريّ ليأنسَ بما لديه دون أن يعكّر صفو حياته بأمور تدفعه للحزن والقلق ونحو ذلك.
هكذا يعيش الناس إما في حالة تمرّد على المجتمع لتحقيق بطولات فرديّة حرة أو يحاول أولئك الناس التعايش مع المجتمع بحيل دفاعية لاشعورية يتطلّب الكشف عنها شجاعة منقطعة النظير، ويحضرني في ذلك قصة أحد الحكماء مع ذلك الشخص الذي قال بأنه يحب السمك حيث ردّ عليه بقوله: لا تقل أحب السمك، بل قل أحب أكل السمك؛ فالذي يحب لا يقتل.

الأربعاء، 19 أغسطس 2020

أنا شاعر!


إنّني في هذه الصفحةِ شاعرْ 

وحياتي بدأتْ في كلّ نصٍّ 

وغدتْ تنهضُ من ماضٍ لحاضرْ 

فانبشوا كلَّ حروفي 

فهي وحيي 

وملاكُ الشعرِ حولي، 

مالئاً فيضَ المشاعر ْ

إنّني في هذه الصفحةِ شاعرْ 

وأنا أحيا كطيفٍ، 

عابرٍ في كلّ عقلٍ 

وبياني لم يزلْ في كلّ ثائر ْ

ويدي أحيتْ حروفاً، 

في لغاتِ الشعرِ حتى 

بُعثتْ من كلّ قبرٍ 

وبها كنتُ كساحرْ

إنّني في هذه الصفحةِ شاعرْ 

وأنا الكِلْمةُ والروحُ معاً 

وأنا الهديُ إلى تلكَ البصائرْ 

وحروفي الآنَ حبلى 

ولغاتُ الناسِ عاقرْ 

وكتابي سيرةٌ تنبضُ حباً 

فاسمعوا صوتَ المحابر 

وكلوا من خبز شِعري 

واشربوا الخمرةَ من كرْمِ القوافي 

فأنا تاريخُ عيسى 

وأنا الحبُّ الذي يُتلى على كلّ الضمائر 

واسألوا مريمَ عنّي 

واعقدوا تلكَ الظفائر 

إنّني في هذه الصفحةِ شاعرْ  

واحرثوا في كلّ حرفٍ؛ 

لتروا نبْتَ القوافي 

وتروا جنةَ شِعري 

آيةً تحلو لناظرْ 

وابحثوا عنّي مراراً واقصدوني 

واحملوا شوقَ المسافرْ 

وارسموا الوجدانَ روحاً 

بجناحينِ كطائرْ 

واذكروني،

قصةً أخرى لعابرْ 

وأنا أنبضُ بالحبّ وحسبي 

أنَّ شِعري لم يزلْ صوتَ المشاعرْ 

إنّني في هذه الصفحةِ شاعرْ  

إنّني في هذه الصفحةِ شاعرْ  


شعر/ سلمان عبد الله الحبيب 

السبت، 18 يوليو 2020

الهوية والانتماء

سلمان عبد الله الحبيب
 

هل تساءلت يوماً عن الشيء الذي يجعلك أنتَ هو أنتَ لا غيرك؟ أي ما الذي يجعلك تمثّل كياناً مستقلاً مختلفاً عن الآخر؟.

لقد ذهب "ديكارت" إلى أنّ الفكر هو الذي يحدّد الهويّة من منطلق فلسفته ( أنا أفكّر فأنا موجود)؛ فهو يرى أنّ (الأنا) لا يمكن أن توجد إلا مع التفكير، وبدون التفكير لا توجد (الأنا)، أمّا "جون لوك" فقد رأى أن الهويّة لا يمكن أن تتأسّس من العقل أو الفكر كما ذهب إلى ذلك "ديكارت"، بل تتكوّن الهويّة من خلال الوعي الحسيّ؛ إذ يحدث ذلك منذ طفولتنا؛ حيث كنّا – حسب رأيه – صفحة بيضاء لا نملك في تلك الطفولة غير الوعي الحسيّ الذي هيّأنا فيما بعد للتفكير، وبهذا فإنّ الأفكار تُستمدّ من التجربة الحسيّة؛ وهذا    يعني أنّها تأتي لاحقاً، ولا وجود للأفكار الفطريّة ولا لمبادئ المنطق عند الأطفال مثل مبدأ الهوية أو عدم التناقض.

وذهب "فرويد" إلى أنّ الصراع أساس هوية الشخص؛ إذ يرى أن الصراع اللاشعوريّ بين "الأنا" و"الأنا الأعلى" و"الهو" هو ما يحدّد هوية الشخص؛ حيث يمثّل الأنا الأعلى مجموع القيم والمبادئ أو يمثّل بمعنى آخر الضمير، أما الهو فيمثّل الغرائز والشهوات، والأنا هي الذات الإنسانيّة التي تحاول التوفيق بين الأنا الأعلى والهو، فهذه الذات، أو هذه الهويّة المتحصّلة في النهاية، هي نتيجة الصراع بين الأنا الأعلى و الهو، أو بمعنى آخر بين القيم والغرائز.

وأنا أتفق هنا مع "جون لوك" بأنّ الهويّة تتكوّن في البداية من خلال (الوعي الحسيّ) باعتبارنا لم نكن نمتلك منذ نشأتنا أدوات التفكير التي تحدّد هويتنا، ثم بعد مرحلة الطفولة يمكن الحديث عن الهويّة من خلال التفكير كما يرى "ديكارت"، ومن خلال الصراع كما يذهب إلى ذلك "فرويد"، إلا أنّني أضيف إلى ذلك أن الهويّة الإنسانيّة تتحدّد من خلال (الانتماء) لجماعة أو طائفة أو فكرة ما، فذلك يتحيّز لدين وذلك لجنس وذلك لفئة، وآخر يتحيّز لقوميّة ما أو وطن أو قبيلة.

إنّ ذلك التحيّز أو ذلك الانتماء هو ما يجعلنا نُعرف بهويّة ما، فيمكن أن نطلق على شخص ما بأنه دينيّ أو قوميّ أو وطنيّ أو عنصريّ أو رأسماليّ أو اشتراكيّ أو نحو ذلك، ولا يمكن لفرد أن يكون غير منتمٍ لفكرة أو مجموعة ما، حتى ذلك الذي يُطلق على نفسه بأنّه (غير منتمٍ)؛ فهو – شاء أم أبى – ينتمي لتلك الأفكار التي صنّفها بأنها لا تمثّل انتماءً لأفكار بعينها.

إنّ ذلك التحيّز أو ذلك الانتماء يشكّل الضمير الإنسانيّ، وهذا يدفعنا لإعادة النظر في رؤيتنا للضمير باعتباره يمثّل الحق المطلق دون تحيّز لفكر أو جماعة، وقد أشار د. الورديّ في كتابه ( مهزلة العقل البشريّ) إلى أنّ الضمير متحيّز للجماعة التي ينتمي إليها الفرد، وهو بهذا يؤكّد على عدم استقلالية الضمير الإنسانيّ، وبالتالي فإنّ الإنسان يمثّل بشكل أو بآخر الفكر أو الجماعة التي ينتمي إليها، ومن هنا نستطيع القول بأنّ هوية الإنسان تتشكّل من خلال ما ينتمي إليه.

وقد نلمح إلى أمر في غاية الأهميّة وهو أنّ الانتماء حاجة طبيعيّة للتماسك الذاتيّ ولتماسك المجموعة، وهنالك ميل طبيعيّ لتصنيف الآخرين إلى أصدقاء وأعداء كما أشار إلى ذلك "برتراند راسل" في كتابه ( السلطة والفرد) وهذا التصنيف في نظره هو ما يقوّي العلاقة بين الفرد والسلطة؛ حيث تؤكّد السلطة على الأفكار التي ينتمي إليها الشعب ثمّ يتم التحذير من العدو الخارجيّ الذي قد يكون حقيقيّاً أو مفتعلاً؛ ممّا يجعل الشعب يزداد في تماسكه وتشبثه بهويّته؛ و يؤكّد – راسل –على أنّ الخوف من الأعداء هو ما يؤدّي إلى تجمّع الأفراد وزيادة العلاقات الاجتماعيّة، وبالتالي يؤدّي إلى توحيد المجتمع حيث ينطوي على عقيدة أو قوميّة أو ولاء للدولة. وفي نظر – راسل- أنّ ما جعل البوذية والمسيحيّة تفشلان هو أنّهما قامتا بالدعوة للمحبّة والأخوّة لجميع الناس؛ لذا قامتا - فيما بعد- بخلق الآخر المختلف على أرض الواقع.

من هنا ندرك أن الانتماء حاجة ماسّة للتماسك الشعبيّ، وهذا ما يدفع بعض القادة الديكتاتوريّن لمخاطبة الشعب بالأفكار التي تدقّ على وتر الانتماء لفكرةٍ ما، لتوحيدهم ضد الآخر ممّا يجعل هذا القائد شعبوياً يحظى بالقبول والتأييد ويستميل عواطف الجمهور الذين تهزّهم مثل تلك الخطابات المشحونة بالعواطف الناريّة.

إنّ التحيّزات والانتماءات تجعل من القائد الديكتاتور شعبويّاً، وتجعل من أوامره نافذة لا تقبل الجدال ولا التباطؤ في تنفيذها، وبمعنى آخر فإنّ الانتماء يحقّق – بشكل سحريّ- التأييد والقبول للقائد دون حاجة لمارد يخرج من الفانوس لتحقيق ذلك؛ لهذا تزداد الحاجة إلى فكرة ( الانتماء) أثناء الحروب بدافعٍ وطنيّ أو قوميّ أو عقديّ أو نحو ذلك، من أجل التماسك وشحذ الهمم، وتظافر الجهود للنهوض بالدولة ودحر الأعداء الذين توجّه الدولة بأصابعها لمحاربتهم و التبرؤ منهم، وقد ألمح لشيء من ذلك ابن خلدون في مقدّمته إذ قال بأنّ ( الملك والدولة العامّة إنّما يحصلان بالقبيل والعصبيّة)، وهو يرى كذلك بأنّ ( الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قلّ أن تستحكم فيها دولة، والسبب في ذلك اختلاف الآراء والأهواء، وأنّ وراء كلّ رأي منها وهوى عصبيّةً تمانع دونها فيكثر الانتقاضُ على الدولة والخروج عليها في كلّ وقت).

إنّ كثرة التحيّزات والانتماءات في الدولة يؤدّي – كما يشير ابن خلدون – إلى تفتّت الدولة، وهذا يدفع القائد إلى توحيد الدولة نحو انتماء ما قد يكون دينياً أو قوميّاً أو وطنياً أو عرقيّاً أو نحو ذلك؛ ليجعل الشعب متماسكاً صلباً معتزاً بانتمائه ومقاوماً الآخر الذي يمثّل خطراً على هويته، ومحاولاً – ما وسعه – الحفاظ على تلك الهويّة.

وأرجو ألا يفهم القارئ من خلال ما سبق بأنّ التعدّد مفسدة للشعوب، بل على العكس من ذلك، ولكنّا هنا نؤكّد على أنّ تعدّد الانتماءات هو ما يؤدّي لتفتيت الدول لا تعدّد الآراء الذي يحيي الشعوب ويرقى بالدول ويتيح المجال للحريّات، والفرق بين الأمرين كبير جداً يفوق المسافة من الأرض إلى آخر كوكب في درب التبّانة.

وهنا يجب أن ننوّه – أيضاً – إلى أنّ تلك الانتماءات أو التحيّزات محدّدة معروفة بدقة كأن تنتمي الدولة لدين ما أو للولاء الوطنيّ مثلاً، وليست شيئاً عاماً فضفاضاً شمولياً مثل الأخوة والإنسانيّة إلى غير ذلك من شعارات برّاقة تسحر البعض لكنّها سرعان ما تتلاشى عند التطبيق؛ لأنّ الواقع الإنسانيّ يريد شيئاً ينتمي إليه ويمثل له الهويّة التي تجعله مختلفاً عن الآخر فهو حين ينتمي لعرق أو وطن سيكون مختلفاً عن غيره وهذا ما يجعله يدافع ببسالة عن تلك الهويّة، ولكنّه حينما يكون إنسانياً أخوياً فهو بذلك لن يكون بهويّة مختلفة عن الآخرين بل يجعله كبقيّة الناس، وهذا ما لا يفطنه البعض من دعاة الفكر العموميّ الذين يهملون الانتماء المميِّز للهويّة الذي يجعل الآخرين مختلفين عن غيرهم، وهذا – أيضاً- ما يجعل المشروعات ذات الانتماء العام تفشل ولا يُكتب لها البقاء؛ لأنها لم تنادِ (الأنا) الخاصّة التي تنافس الآخر المختلف.

إنّ هذا الاختلاف هو ما يجعل الأفراد يستميتون للدفاع عن هويّتهم، وهو ما يعني – ضمناً – التعصّب لمجموعة ما أو لفكرةٍ ما، وهو يعني – أيضاً – الموقف من الآخر المختلف، وإن شئت فهو العداء الصحيّ تجاه الآخر الذي لا ينتمي لمحيطنا، وهو نداء للأنا المتحيّزة، التي تحاول إثبات وجودها ضد الآخر المغاير، وبهذا فلا يمكن أن يمتلك الفرد تلك الشجاعة والقوة والدفاع وهو يتساوى مع الآخر؛ لأنه –باختصار- فقد الشعور بهويّة يمكن أن يصارع من أجلها.

وبما أنّنا أوضحنا أنّ الهويّة ضروريّة للأفراد وبأنها تقوم بشكل عفويّ بإقصاء الآخر المختلف، إلا أنّه ينبغي التنبيه إلى أنّ هذا الاختلاف يمثّل عداءً صحيّاً إن صحّ التعبير، فهو يقوم على إشباع الأنا التي ترغب في المغايرة والاختلاف، وهذا الإشباع صحيّ لأنه يقوم على تغذية (غريزة العدوان) لدى الأفراد بشكلٍ مهذّب كالذي يتدرّب على المصارعة الحرّة لتغذية هذه الغريزة دون أن يقوم بإيذاء الآخرين؛ فهو بذلك يعدّ تسامياً بهذه الغريزة الإنسانيّة؛ لذلك فنحن يجب ألا نجد هذا الاختلاف قد تحوّل إلى عداء بين أبيض وأسود أو بين فئة وأخرى أو بين طائفة وطائفة أو دين ودين، مع إيماننا بأنّ الانتماء لفكرةٍ أو لمجموعة يعني الاعتزاز بذلك الانتماء ويعني ضمناً التقليل من الفكر الآخر أو الجماعات الأخرى، ولكنّ ذلك التحيّز محمود حينما لا يكون عدوانيّاً بل يكون انتماءً طبيعياً يمثّل الهويّة التي يجب الحفاظ عليها، وقد يلجأ بعض القادة في الحروب إلى جعل ذلك الانتماء عدوانياً من أجل الحفاظ على وحدة الشعب وقوة البلاد، إلا أنه يجب أن يتمّ الحفاظ بشكل عام على تلك الهويّة للتماسك والبقاء لا من أجل استعداء الآخرين والنيل منهم.


* سلمان عبد الله الحبيب 
  كاتب وناشط اجتماعي 

الجمعة، 24 يناير 2020

مأزق الحرية والأخلاق


اعتدنا  في حياتنا بشكل عام أن نحكم على الناس وأن نصنفهم بقوانين أخلاقية صارمة فنقبل فلاناً ونقصي الآخر، أو نلاحق فلاناً بأنه متزمّت في الدين، وذلك منفتح الذهن، أونطلق على أحدهم بأنه مثليّ وذلك مستقيم الهويّة أونصف فلاناً بأنّه مريض نفسي ونصف الآخر بأنّه يعيش حالة من الصحة النفسية، ونبني على هذه الأحكام تعاملاً أخلاقياً وهنا تكمن الأزمة الحقيقيّة.
إنّنا نحاول تصنيف الآخرين والبحث عن الاختلاف؛ لأننا لا نكتشف ذاتنا ووجودنا إلا من الآخر المختلف، وهذه هي الطبيعة الإنسانية التي لا يمكن لنا أن نتجاوزها، ولكن يمكننا أن نفهم – إلى جانب ذلك - أنّ الناس تحكمهم جينات واستعدادات وقدرات لا يستطيعون أن يخرجوا من حدودها؛ فالإنسان – مثلاً -لا يمكن له أن يتعدّى قدراته العقلية فمن يعاني تخلفاً عقلياً لا يمكنه – مهما بذل من جهد - أن يتصرف بمستوى متوسط الذكاء أو المتفوق عقلياً؛ وهذا ما يدعو المعلمين لمراعاة الفروق الفردية في التعليم، وفي المقابل لا يمكن لمن لديه الاستعداد الجيني لمرض نفسيّ أن يتعدّى ذلك، ولا يمكن لمن لديه الاستعداد لهوية جنسية معينة أن يتعدّى ذلك أيضاً وكل ما يمكن فرضه من الناحية الأخلاقية هو مجرد إجبار شكليّ لإرضاء المجتمع فقط؛ فيعيش الفرد حياةً نفاق وتصنّع لإرضاء المجتمع والأخلاق المتحضّرة التي وجدها ( فرويد) بأنها وسيلة كبت للفرد الذي يظهر ( الأنا) الاجتماعية لإرضاء الآخرين بينما يخفي في أعماقه حياةً أخرى لا يمكن للمجتمع تقبّلها رغم أنّها ليست باختيار الفرد نفسه. 
وأنا هنا لا أنتصر لجبرية (هيوم) الصارمة التي تتوافق مع الحتميّة الطبيعيّة، ولا أنتصر لحرية الوجوديين التي تجعل (الأنا) أساس كل شيء فتعطي الحريّة المطلقة التي لا حدود لها للفرد باعتباره مشروعاً يحقّق وجوده دون اعتبار للماهيّات المسبقة التي تمّ إسباغها عليه. إنني هنا أقف – بكل موضوعيّة - في المنتصف فأرى أنّ الإنسان لديه قدرات ومهارات واستعدادات مسبقة تمثّل الجبر الذي لا يملك فيه الخيار، وفي المقابل لديه الحرية  التي لا تتجاوز تلك الحدود الجبريّة المسبقة التي لديه.
وهنا يمكن أن أشير لما يمكن أن نقع فيه من لعبة (المجاز) في حياتنا الواقعية كأن نقول للآخر: كن قويا أو كن صبوراً أو كن حليماً أو كن حكيماً أو كن ذكياً، أو نقول له :امتلك القدرة أو امتلك الفهم أو امتلك الحافظة القويّة، أو نقول له : لا تتبع أهواءك أو لا تستمع لوساوس نفسك؛ فكل هذه التعبيرات تتحدّث بشكل مجازيّ لا واقعيّ؛ إذ تصوّر لنا حريّة الاختيار التامّة للفرد، وكأنّ محدود الذكاء – مثلاً- يمكن له أن يكون فائق الذكاء إن أراد ذلك أو قرّر بنفسه. وهذه التعبيرات المجازيّة  تصوّر لنا القدرات والإمكانات بأنّها أشياء محسوسة يمكن امتلاكها والتصرّف فيها ، إن ذلك ليس سوى (معضلة المجاز) الذي يوهمنا بامتلاك التصرّف في الأشياء، ولكنّ حياتنا الواقعيّة ليست مجرّد قوالب مجازية لغويّة، إنها حقائق واقعيّة يجب التعايش معها بموضوعيّة وبأسلوب علميّ متحضّر، مع أنّني أدرك – تمامًا – أنّ خطابي هذا لن يتم قبوله من أصحاب الفكر التقليديّ المتزمّت وأنا أعذرهم في ذلك بالفعل، لأنهم مهيّؤون لذلك الفكر الذي لا يمكن مقاومته برأي أو قول منّي أو من غيري. ولو أتينا بأبحاث علميّة ودراسات جادّة تثبت ما نقول؛ فسيجدون آلاف الأدلة والمبرّرات لنبذها ومعارضتها واتهامها بالنقص أو التآمر أو نحو ذلك. ومن سبغيّر رأيه منهم فهو قام بذلك لأنّ لديه استعداداً لتقبّل الأفكار المغايرة البعيدة عن القوالب التقليدية الجاهزة؛ إذ إنّ كلّ إنسان حرّ ضمن حدوده الجبريّة التي تتمثّل في الاستعدادات والقدرات، وبذلك نحن لم نقنع ولم نغيّر من ليس لديه الاستعداد والقدرة للتغيير، وهذا يدفعنا للتواضع كما يدفعنا لتقبّل الآخرين بعيداً عن التصنيف والإقصاء؛ لأنّ الاختلاف حتميّ كحتميّة الطبيعة يُعيدنا من جديد لمأزق الحرية والأخلاق.


       سلمان عبد الله الحبيب 
Salem281@hotmail.com

الثلاثاء، 14 يناير 2020

انتقائية المتعصبين

 رغم اتساع الرقعة الثقافية، وهذا الانفجار المعرفي الهائل في شتى مجالات الحياة، ورغم سهولة البحث والاطلاع مع وجود تقنيات التواصل الاجتماعي الحديثة؛ إلا أننا نجد ضيق الأفق عند بعض المتعصبين من خلال انتقائية المعلومات؛ حيث يبحث هؤلاء المتعصبون عن الأخبار والموضوعات التي تسير ضمن توجههم، وضمن ما يرغبون في سماعه سواءً كان تعصبهم دينياً أو سياسياً أو عرقياً أو فكرياً أو غير ذلك من أشكال التعصّب.
إنّ هذه الانتقائية في المعلومات والأخبار تحدث بشكل لاشعوريّ، وهي تمثّل اضطراباً في طريقة التفكير حسب نظرية (بيك) المعرفية؛ إذ يرى أنّ التصفية العقلية ( الانتقائية الفكرية) من الاضطرابات المعرفية  إلى جانب اضطرابات التفكير الأخرى التي تتمثل في التعميم الزائد، والاستنتاج العشوائي، وعبارات الوجوب، والكل أو لاشيء، وغيرها من اضطرابات معرفية تعدّ خللاً في طريقة التفكير والتي تمثّل اضطراباً نفسياً، أو مقدمة لاضطراب نفسيّ.
إنّ هذا التعصّب يعدّ تصلباً فكرياً لا يقبل الاختلاف، وهو نتاج التفكير الانتقائي المحدود، وكما قال أرسطو: ( العقل الضيّق يقود دائماً إلى التعصّب). 
إنّ هذه التصفية العقلية أو الانتقائيّة الفكريّة تجعل الشخص يرشّح الأفكار التي يريدها ويقصي ما لا يريد بشكل عاطفيّ دون أدنى نقد أو تحليل؛ فالمتعصّب الذي يقوم بهذه الانتقائيّة لا يتعمّق في التفكير، ولا ينظر بشموليّة للفكرة أو الحدث أو الموضوع، وبالتالي يصعب عليه أن يستوعب الآخر المختلف، ويصعب الحوار معه؛ لغياب المرونة الفكرية التي تجعله ينظر من زاوية أخرى. 
إنّ هذا المتعصّب الانتقائي يمكن أن يكون مطّلعاً بما فيه الكفاية، ولكنّ اطلاعه مجرّد تراكم معرفيّ انتقائيّ ضمن موضوع محدّد يمثّل له اليقين المطلق الذي لا يقبل الشك ولو بنسبة ضئيلة مما تجعله متطرّفاً في اتجاهه أو موضوعه. 
إن العلم والنظر العقليّ لا يمكن أن يؤسسا على أفكار يقينيّة مسبقة وإلا كانا فكراً دوغمائياً متطرّفاً؛ إذ لابدّ أن يبدأ الإنسان بالشك المنهجيّ الديكارتيّ ليصل إلى حقيقة عقليّة أو علميّة بناءً على البرهان الحسّي أو العقليّ المجرّد، وهذا ما يؤدّي إلى التطّوّر المعرفيّ والرقيّ الفكريّ؛ حيث نبدأ بالمساءلة وتعليق الأحكام حتى نصل بالبرهان إلى الحقيقة التي بدورها تكون – أيضاً- قابلةً للنقض والتفنيد بناءً على دليل أو برهان. 
لم ترقَ العلوم والمعارف إلا بالشك المنهجيّ والقابليّة للتفنيد، ولو جعلناها مجرّد مسلّمات ويقينيات لا يمكن مناقشتها؛ فإننا بهذا نجعل منها فكراً اعتقادياً أعمى لا يمكن أن ينمو أو يتطوّر بل لا يمكن الثقة به لعدم خضوعه لمساءلة عقلية. 
إن الفكر العلميّ يتطوّر لأنّه يقبل النقد والمراجعة فما كان بالأمس ليس هو اليوم، وما كان اليوم ليس هو في الغد، فهو فكر منفتح قابل للزيادة والتعديل، وهو ما يجب أن يتقنه المتعصّبون في تناولهم للموضوعات المتعدّدة؛ ليكونوا أكثر وعياً ونضجاً ومرونة، وأقدر على نقد الموضوعات وتحليلها، بالإضافة إلى ما يمكن أن يؤدّيه هذا النوع من التفكير من تعايش وثراء معرفيّ وتبادل ثقافيّ. 

      سلمان عبد الله الحبيب 
Salem281@hotmail.com