اعتدنا في حياتنا بشكل عام أن نحكم على الناس وأن نصنفهم بقوانين أخلاقية صارمة فنقبل فلاناً ونقصي الآخر، أو نلاحق فلاناً بأنه متزمّت في الدين، وذلك منفتح الذهن، أونطلق على أحدهم بأنه مثليّ وذلك مستقيم الهويّة أونصف فلاناً بأنّه مريض نفسي ونصف الآخر بأنّه يعيش حالة من الصحة النفسية، ونبني على هذه الأحكام تعاملاً أخلاقياً وهنا تكمن الأزمة الحقيقيّة.
إنّنا نحاول تصنيف الآخرين والبحث عن الاختلاف؛ لأننا لا نكتشف ذاتنا ووجودنا إلا من الآخر المختلف، وهذه هي الطبيعة الإنسانية التي لا يمكن لنا أن نتجاوزها، ولكن يمكننا أن نفهم – إلى جانب ذلك - أنّ الناس تحكمهم جينات واستعدادات وقدرات لا يستطيعون أن يخرجوا من حدودها؛ فالإنسان – مثلاً -لا يمكن له أن يتعدّى قدراته العقلية فمن يعاني تخلفاً عقلياً لا يمكنه – مهما بذل من جهد - أن يتصرف بمستوى متوسط الذكاء أو المتفوق عقلياً؛ وهذا ما يدعو المعلمين لمراعاة الفروق الفردية في التعليم، وفي المقابل لا يمكن لمن لديه الاستعداد الجيني لمرض نفسيّ أن يتعدّى ذلك، ولا يمكن لمن لديه الاستعداد لهوية جنسية معينة أن يتعدّى ذلك أيضاً وكل ما يمكن فرضه من الناحية الأخلاقية هو مجرد إجبار شكليّ لإرضاء المجتمع فقط؛ فيعيش الفرد حياةً نفاق وتصنّع لإرضاء المجتمع والأخلاق المتحضّرة التي وجدها ( فرويد) بأنها وسيلة كبت للفرد الذي يظهر ( الأنا) الاجتماعية لإرضاء الآخرين بينما يخفي في أعماقه حياةً أخرى لا يمكن للمجتمع تقبّلها رغم أنّها ليست باختيار الفرد نفسه.
وأنا هنا لا أنتصر لجبرية (هيوم) الصارمة التي تتوافق مع الحتميّة الطبيعيّة، ولا أنتصر لحرية الوجوديين التي تجعل (الأنا) أساس كل شيء فتعطي الحريّة المطلقة التي لا حدود لها للفرد باعتباره مشروعاً يحقّق وجوده دون اعتبار للماهيّات المسبقة التي تمّ إسباغها عليه. إنني هنا أقف – بكل موضوعيّة - في المنتصف فأرى أنّ الإنسان لديه قدرات ومهارات واستعدادات مسبقة تمثّل الجبر الذي لا يملك فيه الخيار، وفي المقابل لديه الحرية التي لا تتجاوز تلك الحدود الجبريّة المسبقة التي لديه.
وهنا يمكن أن أشير لما يمكن أن نقع فيه من لعبة (المجاز) في حياتنا الواقعية كأن نقول للآخر: كن قويا أو كن صبوراً أو كن حليماً أو كن حكيماً أو كن ذكياً، أو نقول له :امتلك القدرة أو امتلك الفهم أو امتلك الحافظة القويّة، أو نقول له : لا تتبع أهواءك أو لا تستمع لوساوس نفسك؛ فكل هذه التعبيرات تتحدّث بشكل مجازيّ لا واقعيّ؛ إذ تصوّر لنا حريّة الاختيار التامّة للفرد، وكأنّ محدود الذكاء – مثلاً- يمكن له أن يكون فائق الذكاء إن أراد ذلك أو قرّر بنفسه. وهذه التعبيرات المجازيّة تصوّر لنا القدرات والإمكانات بأنّها أشياء محسوسة يمكن امتلاكها والتصرّف فيها ، إن ذلك ليس سوى (معضلة المجاز) الذي يوهمنا بامتلاك التصرّف في الأشياء، ولكنّ حياتنا الواقعيّة ليست مجرّد قوالب مجازية لغويّة، إنها حقائق واقعيّة يجب التعايش معها بموضوعيّة وبأسلوب علميّ متحضّر، مع أنّني أدرك – تمامًا – أنّ خطابي هذا لن يتم قبوله من أصحاب الفكر التقليديّ المتزمّت وأنا أعذرهم في ذلك بالفعل، لأنهم مهيّؤون لذلك الفكر الذي لا يمكن مقاومته برأي أو قول منّي أو من غيري. ولو أتينا بأبحاث علميّة ودراسات جادّة تثبت ما نقول؛ فسيجدون آلاف الأدلة والمبرّرات لنبذها ومعارضتها واتهامها بالنقص أو التآمر أو نحو ذلك. ومن سبغيّر رأيه منهم فهو قام بذلك لأنّ لديه استعداداً لتقبّل الأفكار المغايرة البعيدة عن القوالب التقليدية الجاهزة؛ إذ إنّ كلّ إنسان حرّ ضمن حدوده الجبريّة التي تتمثّل في الاستعدادات والقدرات، وبذلك نحن لم نقنع ولم نغيّر من ليس لديه الاستعداد والقدرة للتغيير، وهذا يدفعنا للتواضع كما يدفعنا لتقبّل الآخرين بعيداً عن التصنيف والإقصاء؛ لأنّ الاختلاف حتميّ كحتميّة الطبيعة يُعيدنا من جديد لمأزق الحرية والأخلاق.
سلمان عبد الله الحبيب
Salem281@hotmail.com
اعتقد ان المقال أعلى من شان الحتمية في حين أن الإنسان لديه مساحة كبيرة للتغير والاختيار وهذا ما يحفز نحو العلاج النفسي وتغير السلوك
ردحذفشكري لمرورك أخي الحبيب فيصل وشكراً لردك الجميل
ردحذفمقال جميل ورائع كروعة صاحبه. ولكنك عزيزي غفلت بأن الذكاء ممكن تنميته من خلال أنشطة متعددة تعتمد على نوع الذكاء الإنساني المستهدف. راجع كتاب تنمية الذكاء عند الأطفال للكاتبة نيفين عبدالله فصل تنمية الذكاءات المختلفة بداية من صفحة 77 وتقبل ملاحظتي البسيطة.
ردحذفأخوك سيدحسين العوامي.