رغم اتساع الرقعة الثقافية، وهذا الانفجار المعرفي الهائل في شتى مجالات الحياة، ورغم سهولة البحث والاطلاع مع وجود تقنيات التواصل الاجتماعي الحديثة؛ إلا أننا نجد ضيق الأفق عند بعض المتعصبين من خلال انتقائية المعلومات؛ حيث يبحث هؤلاء المتعصبون عن الأخبار والموضوعات التي تسير ضمن توجههم، وضمن ما يرغبون في سماعه سواءً كان تعصبهم دينياً أو سياسياً أو عرقياً أو فكرياً أو غير ذلك من أشكال التعصّب.
إنّ هذه الانتقائية في المعلومات والأخبار تحدث بشكل لاشعوريّ، وهي تمثّل اضطراباً في طريقة التفكير حسب نظرية (بيك) المعرفية؛ إذ يرى أنّ التصفية العقلية ( الانتقائية الفكرية) من الاضطرابات المعرفية إلى جانب اضطرابات التفكير الأخرى التي تتمثل في التعميم الزائد، والاستنتاج العشوائي، وعبارات الوجوب، والكل أو لاشيء، وغيرها من اضطرابات معرفية تعدّ خللاً في طريقة التفكير والتي تمثّل اضطراباً نفسياً، أو مقدمة لاضطراب نفسيّ.
إنّ هذا التعصّب يعدّ تصلباً فكرياً لا يقبل الاختلاف، وهو نتاج التفكير الانتقائي المحدود، وكما قال أرسطو: ( العقل الضيّق يقود دائماً إلى التعصّب).
إنّ هذه التصفية العقلية أو الانتقائيّة الفكريّة تجعل الشخص يرشّح الأفكار التي يريدها ويقصي ما لا يريد بشكل عاطفيّ دون أدنى نقد أو تحليل؛ فالمتعصّب الذي يقوم بهذه الانتقائيّة لا يتعمّق في التفكير، ولا ينظر بشموليّة للفكرة أو الحدث أو الموضوع، وبالتالي يصعب عليه أن يستوعب الآخر المختلف، ويصعب الحوار معه؛ لغياب المرونة الفكرية التي تجعله ينظر من زاوية أخرى.
إنّ هذا المتعصّب الانتقائي يمكن أن يكون مطّلعاً بما فيه الكفاية، ولكنّ اطلاعه مجرّد تراكم معرفيّ انتقائيّ ضمن موضوع محدّد يمثّل له اليقين المطلق الذي لا يقبل الشك ولو بنسبة ضئيلة مما تجعله متطرّفاً في اتجاهه أو موضوعه.
إن العلم والنظر العقليّ لا يمكن أن يؤسسا على أفكار يقينيّة مسبقة وإلا كانا فكراً دوغمائياً متطرّفاً؛ إذ لابدّ أن يبدأ الإنسان بالشك المنهجيّ الديكارتيّ ليصل إلى حقيقة عقليّة أو علميّة بناءً على البرهان الحسّي أو العقليّ المجرّد، وهذا ما يؤدّي إلى التطّوّر المعرفيّ والرقيّ الفكريّ؛ حيث نبدأ بالمساءلة وتعليق الأحكام حتى نصل بالبرهان إلى الحقيقة التي بدورها تكون – أيضاً- قابلةً للنقض والتفنيد بناءً على دليل أو برهان.
لم ترقَ العلوم والمعارف إلا بالشك المنهجيّ والقابليّة للتفنيد، ولو جعلناها مجرّد مسلّمات ويقينيات لا يمكن مناقشتها؛ فإننا بهذا نجعل منها فكراً اعتقادياً أعمى لا يمكن أن ينمو أو يتطوّر بل لا يمكن الثقة به لعدم خضوعه لمساءلة عقلية.
إن الفكر العلميّ يتطوّر لأنّه يقبل النقد والمراجعة فما كان بالأمس ليس هو اليوم، وما كان اليوم ليس هو في الغد، فهو فكر منفتح قابل للزيادة والتعديل، وهو ما يجب أن يتقنه المتعصّبون في تناولهم للموضوعات المتعدّدة؛ ليكونوا أكثر وعياً ونضجاً ومرونة، وأقدر على نقد الموضوعات وتحليلها، بالإضافة إلى ما يمكن أن يؤدّيه هذا النوع من التفكير من تعايش وثراء معرفيّ وتبادل ثقافيّ.
سلمان عبد الله الحبيب
Salem281@hotmail.com

مقال رائع جدا ما شاء الله ابو عبد الله
ردحذفشكراً لك عزيزي أبا كاظم
ردحذف