الجمعة، 24 يناير 2020

مأزق الحرية والأخلاق


اعتدنا  في حياتنا بشكل عام أن نحكم على الناس وأن نصنفهم بقوانين أخلاقية صارمة فنقبل فلاناً ونقصي الآخر، أو نلاحق فلاناً بأنه متزمّت في الدين، وذلك منفتح الذهن، أونطلق على أحدهم بأنه مثليّ وذلك مستقيم الهويّة أونصف فلاناً بأنّه مريض نفسي ونصف الآخر بأنّه يعيش حالة من الصحة النفسية، ونبني على هذه الأحكام تعاملاً أخلاقياً وهنا تكمن الأزمة الحقيقيّة.
إنّنا نحاول تصنيف الآخرين والبحث عن الاختلاف؛ لأننا لا نكتشف ذاتنا ووجودنا إلا من الآخر المختلف، وهذه هي الطبيعة الإنسانية التي لا يمكن لنا أن نتجاوزها، ولكن يمكننا أن نفهم – إلى جانب ذلك - أنّ الناس تحكمهم جينات واستعدادات وقدرات لا يستطيعون أن يخرجوا من حدودها؛ فالإنسان – مثلاً -لا يمكن له أن يتعدّى قدراته العقلية فمن يعاني تخلفاً عقلياً لا يمكنه – مهما بذل من جهد - أن يتصرف بمستوى متوسط الذكاء أو المتفوق عقلياً؛ وهذا ما يدعو المعلمين لمراعاة الفروق الفردية في التعليم، وفي المقابل لا يمكن لمن لديه الاستعداد الجيني لمرض نفسيّ أن يتعدّى ذلك، ولا يمكن لمن لديه الاستعداد لهوية جنسية معينة أن يتعدّى ذلك أيضاً وكل ما يمكن فرضه من الناحية الأخلاقية هو مجرد إجبار شكليّ لإرضاء المجتمع فقط؛ فيعيش الفرد حياةً نفاق وتصنّع لإرضاء المجتمع والأخلاق المتحضّرة التي وجدها ( فرويد) بأنها وسيلة كبت للفرد الذي يظهر ( الأنا) الاجتماعية لإرضاء الآخرين بينما يخفي في أعماقه حياةً أخرى لا يمكن للمجتمع تقبّلها رغم أنّها ليست باختيار الفرد نفسه. 
وأنا هنا لا أنتصر لجبرية (هيوم) الصارمة التي تتوافق مع الحتميّة الطبيعيّة، ولا أنتصر لحرية الوجوديين التي تجعل (الأنا) أساس كل شيء فتعطي الحريّة المطلقة التي لا حدود لها للفرد باعتباره مشروعاً يحقّق وجوده دون اعتبار للماهيّات المسبقة التي تمّ إسباغها عليه. إنني هنا أقف – بكل موضوعيّة - في المنتصف فأرى أنّ الإنسان لديه قدرات ومهارات واستعدادات مسبقة تمثّل الجبر الذي لا يملك فيه الخيار، وفي المقابل لديه الحرية  التي لا تتجاوز تلك الحدود الجبريّة المسبقة التي لديه.
وهنا يمكن أن أشير لما يمكن أن نقع فيه من لعبة (المجاز) في حياتنا الواقعية كأن نقول للآخر: كن قويا أو كن صبوراً أو كن حليماً أو كن حكيماً أو كن ذكياً، أو نقول له :امتلك القدرة أو امتلك الفهم أو امتلك الحافظة القويّة، أو نقول له : لا تتبع أهواءك أو لا تستمع لوساوس نفسك؛ فكل هذه التعبيرات تتحدّث بشكل مجازيّ لا واقعيّ؛ إذ تصوّر لنا حريّة الاختيار التامّة للفرد، وكأنّ محدود الذكاء – مثلاً- يمكن له أن يكون فائق الذكاء إن أراد ذلك أو قرّر بنفسه. وهذه التعبيرات المجازيّة  تصوّر لنا القدرات والإمكانات بأنّها أشياء محسوسة يمكن امتلاكها والتصرّف فيها ، إن ذلك ليس سوى (معضلة المجاز) الذي يوهمنا بامتلاك التصرّف في الأشياء، ولكنّ حياتنا الواقعيّة ليست مجرّد قوالب مجازية لغويّة، إنها حقائق واقعيّة يجب التعايش معها بموضوعيّة وبأسلوب علميّ متحضّر، مع أنّني أدرك – تمامًا – أنّ خطابي هذا لن يتم قبوله من أصحاب الفكر التقليديّ المتزمّت وأنا أعذرهم في ذلك بالفعل، لأنهم مهيّؤون لذلك الفكر الذي لا يمكن مقاومته برأي أو قول منّي أو من غيري. ولو أتينا بأبحاث علميّة ودراسات جادّة تثبت ما نقول؛ فسيجدون آلاف الأدلة والمبرّرات لنبذها ومعارضتها واتهامها بالنقص أو التآمر أو نحو ذلك. ومن سبغيّر رأيه منهم فهو قام بذلك لأنّ لديه استعداداً لتقبّل الأفكار المغايرة البعيدة عن القوالب التقليدية الجاهزة؛ إذ إنّ كلّ إنسان حرّ ضمن حدوده الجبريّة التي تتمثّل في الاستعدادات والقدرات، وبذلك نحن لم نقنع ولم نغيّر من ليس لديه الاستعداد والقدرة للتغيير، وهذا يدفعنا للتواضع كما يدفعنا لتقبّل الآخرين بعيداً عن التصنيف والإقصاء؛ لأنّ الاختلاف حتميّ كحتميّة الطبيعة يُعيدنا من جديد لمأزق الحرية والأخلاق.


       سلمان عبد الله الحبيب 
Salem281@hotmail.com

الثلاثاء، 14 يناير 2020

انتقائية المتعصبين

 رغم اتساع الرقعة الثقافية، وهذا الانفجار المعرفي الهائل في شتى مجالات الحياة، ورغم سهولة البحث والاطلاع مع وجود تقنيات التواصل الاجتماعي الحديثة؛ إلا أننا نجد ضيق الأفق عند بعض المتعصبين من خلال انتقائية المعلومات؛ حيث يبحث هؤلاء المتعصبون عن الأخبار والموضوعات التي تسير ضمن توجههم، وضمن ما يرغبون في سماعه سواءً كان تعصبهم دينياً أو سياسياً أو عرقياً أو فكرياً أو غير ذلك من أشكال التعصّب.
إنّ هذه الانتقائية في المعلومات والأخبار تحدث بشكل لاشعوريّ، وهي تمثّل اضطراباً في طريقة التفكير حسب نظرية (بيك) المعرفية؛ إذ يرى أنّ التصفية العقلية ( الانتقائية الفكرية) من الاضطرابات المعرفية  إلى جانب اضطرابات التفكير الأخرى التي تتمثل في التعميم الزائد، والاستنتاج العشوائي، وعبارات الوجوب، والكل أو لاشيء، وغيرها من اضطرابات معرفية تعدّ خللاً في طريقة التفكير والتي تمثّل اضطراباً نفسياً، أو مقدمة لاضطراب نفسيّ.
إنّ هذا التعصّب يعدّ تصلباً فكرياً لا يقبل الاختلاف، وهو نتاج التفكير الانتقائي المحدود، وكما قال أرسطو: ( العقل الضيّق يقود دائماً إلى التعصّب). 
إنّ هذه التصفية العقلية أو الانتقائيّة الفكريّة تجعل الشخص يرشّح الأفكار التي يريدها ويقصي ما لا يريد بشكل عاطفيّ دون أدنى نقد أو تحليل؛ فالمتعصّب الذي يقوم بهذه الانتقائيّة لا يتعمّق في التفكير، ولا ينظر بشموليّة للفكرة أو الحدث أو الموضوع، وبالتالي يصعب عليه أن يستوعب الآخر المختلف، ويصعب الحوار معه؛ لغياب المرونة الفكرية التي تجعله ينظر من زاوية أخرى. 
إنّ هذا المتعصّب الانتقائي يمكن أن يكون مطّلعاً بما فيه الكفاية، ولكنّ اطلاعه مجرّد تراكم معرفيّ انتقائيّ ضمن موضوع محدّد يمثّل له اليقين المطلق الذي لا يقبل الشك ولو بنسبة ضئيلة مما تجعله متطرّفاً في اتجاهه أو موضوعه. 
إن العلم والنظر العقليّ لا يمكن أن يؤسسا على أفكار يقينيّة مسبقة وإلا كانا فكراً دوغمائياً متطرّفاً؛ إذ لابدّ أن يبدأ الإنسان بالشك المنهجيّ الديكارتيّ ليصل إلى حقيقة عقليّة أو علميّة بناءً على البرهان الحسّي أو العقليّ المجرّد، وهذا ما يؤدّي إلى التطّوّر المعرفيّ والرقيّ الفكريّ؛ حيث نبدأ بالمساءلة وتعليق الأحكام حتى نصل بالبرهان إلى الحقيقة التي بدورها تكون – أيضاً- قابلةً للنقض والتفنيد بناءً على دليل أو برهان. 
لم ترقَ العلوم والمعارف إلا بالشك المنهجيّ والقابليّة للتفنيد، ولو جعلناها مجرّد مسلّمات ويقينيات لا يمكن مناقشتها؛ فإننا بهذا نجعل منها فكراً اعتقادياً أعمى لا يمكن أن ينمو أو يتطوّر بل لا يمكن الثقة به لعدم خضوعه لمساءلة عقلية. 
إن الفكر العلميّ يتطوّر لأنّه يقبل النقد والمراجعة فما كان بالأمس ليس هو اليوم، وما كان اليوم ليس هو في الغد، فهو فكر منفتح قابل للزيادة والتعديل، وهو ما يجب أن يتقنه المتعصّبون في تناولهم للموضوعات المتعدّدة؛ ليكونوا أكثر وعياً ونضجاً ومرونة، وأقدر على نقد الموضوعات وتحليلها، بالإضافة إلى ما يمكن أن يؤدّيه هذا النوع من التفكير من تعايش وثراء معرفيّ وتبادل ثقافيّ. 

      سلمان عبد الله الحبيب 
Salem281@hotmail.com