الأحد، 27 أغسطس 2017

مجتمع الفضيلة

 
سلمان عبد الله الحبيب
بعد سلسلة من التطور الفكري والثقافي للإنسان، جاءت الأديان لتنظيم حياة البشر، وحفظ الحقوق؛ فأصبحت العقيدة مرتبطة بقوة غيبية ،وبثواب وعقاب من إله مطّلع على كل أمور البشر، مما يجعلهم يكبحون جماح غرائزهم، ويقفون عند كل تصرّف بالسؤال عن مدى كونه مقبولاً أم لا .
 وقبل أن تأتي الشرائع الإبراهيمية (اليهودية والمسيحية والإسلام ) لتكون القوانين التي تحكم الناس وتنظّم حقوقهم باسم الله وإرادته ،كانت هنالك كثير من الشرائع تأخذ روحاً دينية؛ ففي مصر القديمة كان الفراعنة يديرون المعابد ويحكمون باسم الإله ويرون أنفسهم ممثلين لإرادته بل إن بعضهم قام ببناء المعابد مثل رمسيس الثاني. وإذا انتقلنا إلى العراق القديمة فإنّنا نجد شريعة حمورابي البابلية وقد وصف نفسه بأنه خليل الله مما جعل بعض الباحثين يعتقدون بأنه متأثر بصحف النبي إبراهيم الذي كان يسمّى خليل الله كما هو معروف في التاريخ ، وقد سبقت شريعة حمورابي – في العراق القديم - مجموعة من الشرائع منها شريعة الملك ( أور نامو ) مؤسس سلالة أور، والذي بنى معابد الآلهة في المدن السومرية ، وكذلك شريعة الملك ( لبث عشتار ) الذي بدأ مقدمة شريعته بالتفويض الإلهي واختيار الآلهة له ؛ليكون ملكاً يملأ الأرض قسطاً وعدلاً لدى السومريّين.
هكذا جاء الدين ليكون القانون الذي يحتكم إليه الناس. إنه القانون الذي يملك سلطة على الفرد أينما كان ، ومهما فعل ولو كان متخفياً عن الناس . إنّه القانون باسم الدين الذي فيه يرى ( الله أو الرب ) خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وبالتالي تكون سلطة الدين هي السلطة الأقوى في حكم الناس .
ولكن يبقى السؤال الأهم : لماذا نرى المتدينين والمجتمعات الدينية أسوأ من غيرها أخلاقياً ؟
إنّنا قد نجد غير المتديّنين في كثير من الأحيان أكثر أخلاقاً من أولئك الذين يتشدّقون باسم الدين، ويحفظون تعاليمه عن ظهر قلب، وهنا تظهر لدينا معضلة أفلاطون الأخلاقية في حواره السقراطي الشهير الذي سأل فيه سقراط تلميذه : ( أيختار الإله الفعل الصالح لأنه صالح أم أن الفعل صالح لأن الإله اختاره ؟ وحينما أجاب التلميذ بقوله : الفعل صالح لأنّ الله اختاره ، رد عليه سقراط بالقول : إذاً التفريق بين الصالح والطالح لا معنى له ؛إذ قد يصبح ما هو غير أخلاقي - كالسرقة مثلاً - أخلاقياً لو أراده الإله ، وحينما ردّ التلميذ مستدركاً قوله الأول، بأنّ الله يختار الفعل الصالح لأنه صالح ،أجابه سقراط : إذاً الصلاح مستقل عن الإله؛ وبهذا لا نحتاج إلى الإله لنصل إلى الصلاح ) ومضمون هذا الحوار يؤكّد على أنّ العقل هو المصدر الحقيقي لمعرفة الخير والشر كما أشار لذلك ( كانط ) في منهجه العقلي .   
ولكن لا زال التساؤل قائماً: لماذا يصبح المتدينون أكثر شراً رغم معرفتهم بالصواب والخطأ في شريعتهم الإلهية ؟!
وقبل الإجابة عن هذا السؤال الحسّاس يجب أن ألمح إلى أنّني لا أقصد من سؤالي المساس بأيّ دين أو عقيدة ولكنّني أريد تسليط الضوء على سلوك المتديّن ليس إلا .
إنّ ما يجعل المتدينين يمارسون الشر هو أنّهم يبرّرون كل ممارساتهم الخاطئة  بغطاء شرعي؛ ليسكتوا ضمائرهم، فتكون بذلك منتهية الصلاحية ،ومن هنا تتغلّب غرائز الشر على سلطة ( الأنا الأعلى) أو الضمير الذي يعد عند (بتلر) الملكة العقلية الفطريّة التي تميز بين الخير والشر وتدعو الإنسان لعمل الصواب وتجنّب الخطأ .
وممّا أدّى – كذلك -  إلى أن يصبح  بعض المتدينين أشراراً، هو اعتقاد كل صاحب دين، أو مذهب،  أنه يمتلك الحق المطلق، ولا يقبل النقاش في دينه أو مذهبه، ولا في ما يذهب إليه من معتقدات ضد الإنسانية، وضد الطبيعة البشرية. وهذا الغرور يؤدّي بالمتديّن إلى ممارسة الروح العدائية والتصرّف بعنصرية والتمادي في الأخطاء باعتبار أنّ الإله قد اختار أفراد دين ما ؛ لأنهم شعبه الذي اصطفاه وفضّله على سائر الخلق .
وممّا يؤدّي إلى تلك الروح الشريرة عند المتديّنين أيضاً، ذلك الإيمان المبنيّ على التصديق الأعمى، الذي يجعل الفرد متعصباً لرأي ما، ولا يقبل النقاش فيه، ولا البحث عن الدليل؛ مما يجعله يلتهم كل ما في كتبه القديمة، دون أن يسمح لعقله بالتساؤل البريء؛ وبهذا أصبح المتديّن مبرمجاً على كل ما جاء في تراثه، وإن كان منافياً للعقل والفطرة السليمة ، وفوق كل ذلك فإنه يضيق ذرعاً بأي سؤال خوفاً على نفسه من أن يفقد دينه إن سمح لنفسه بالتفكير وقد يفقد معه كل أمل ينتظره من ربه ، ويفقد كل قوة كان يرى أن الله يسانده فيها، من هنا يقول العالم والطبيب المسلم أبو بكر الرازي : (  إذا سئل أتباع الدين أن يقدموا برهانا على صدق دينهم، فإنهم يغضبون، ويسفكون دم كل من يواجههم بهذا السؤال). وهكذا يكون بعض المتديّنين أعمى أو أضلَّ سبيلا ، وهذا العمى يختاره المتديّن بإرادته؛ ممّا يجعله رهيناً لكل ما يقرأ من كتبه أو يسمع عبر الخطب الدينيّة التي تؤجّج أفكاراً قد تكون ضالة منحرفة بعيدة كل البعد عن الإنسانيّة وعن الخير الذي تدعو إليه الفطرة السليمة .
وقد يأنس بعض المتديّنين بهذا العمى؛ ليستريح من هموم البحث، والشك، والخوف من فقدان الدين، الذي هو مصدر الأمان لديه؛ ولكنّ استراحته تلك قد تكون مدمّرة للحياة ولكل ما هو جميل ، وصدق الشاعر إيليّا أبو ماضي حين قال :
ليس الكفيف الذي أمسى بلا بصرٍ
إنّي أرى من ذوي الأبصار عميانا
ومن الأمور التي تدعو إلى الشر في نفوس بعض المتديّنين ذلك الجمود الذي لا يقبل فيه أولئك المتديّنون بالتجديد ويسعون لمحاربة كل دعوة مستحدثة؛ لأنهم يؤمنون بثبات نصّهم الدينيّ، وبضرورة أن تكون كل دعوة منبثقة منه، وإلا تم إسقاطها، وهذا يعني تنامي الروح العدوانية، تجاه كل جديد، وكل ما هو مختلف عن النصّ الدينيّ .   
وقد يدفع المتديّن إلى الشر قدرته على التوبة المؤجّلة ، التي يلجأ إليها كحيلة قويّة لممارسة المزيد من الأخطاء، وليس باعتبارها ندماً على ما فات؛ وبهذا يلجأ المسلم أو اليهودي إلى الاستغفار والصلوات ويتجه المسيحيّ إلى الاعتراف عند الكاهن في الكنيسة  ليمحو كل أخطائه؛ ولكنّ كل فرد منهم يعود لممارسة الشر، حيث وجد حيلة يلجأ إليها بعد ممارسة جرائمه وأخطائه في كل مرة .
إنّ التوبة لدى بعض المتديّنين ليست سوى وقود لممارسة الشر، بدلاً من أن تكونَ بداية صفحة جديدة لعمل الخير. وهي – بذلك - لا تختلف كثيراً عن الحيل الشرعية التي يخالف فيها المتديّنون دينهم ولكن من خلال النص الدينيّ بحيث يشعرون أنهم لم يرتكبوا خطأً ما.  
 وممّا يشوه إنسانية المتديّن ويدعوه للشر أيضاً، اتباعه لبعض رجال الدين، ممّن يسعون لكسب النفوذ، وجني الأموال، ومداعبة المشاعر، وخلق العداوات، أو من خلال اتباعهم لوعّاظ السلاطين، الذين يزيّنون الباطل، ويشوهون الحق، ويدافعون عمّا يفعله الحاكم الذي - كما يقول ميكافيللي- يتمسّك بالدين، لا من أجل الفضيلة، بل من أجل السيطرة على الناس.
بمثل هذه الممارسات، أصبح الدين أداة مقدّسة لفعل الشر عند بعض الناس، الذين يتغنّون بالفضيلة، وهي منهم براء .
 وما أكثر المجتمعات الدينية التي تمارس الرذيلة، وترتكب الجرائم، وتقوم بأقبح الأفعال، بينما تجد المجتمعات غير الدينية في مقابل ذلك أكثر تحضراً وأكثر رقياً في السلوك، والتعامل الأخلاقي، واحترام القانون. وأنا هنا لا أريد ازدراء الأديان بل أريد وصف الواقع الذي يعيشه المتديّنون الذين جمّدوا عقولهم، دون مساءلة أو نقد يهزّ أفكارهم التي تدمّر البشرية، وتجعل من دينهم أفيوناً لهم، ولمن يأخذ منهم .
وفي النهاية يمكنني أن أقول بأنّ الفضيلة تكمن في عقولنا ، وفي فطرتنا الإنسانية ، وقد يتم تشويه تلك الفضيلة بسلطة الدين، لذلك يجب أن يكون الإنسان واعياً، مستنهضاً عقله؛ ليكون في الطريق الصحيح، وألا يتغنّى بأنّه في مجتمع الفضيلة لمجرّد أنه يعيش في مجتمع يلبس ثوب الدين.


* سلمان عبد الله الحبيب   

الأربعاء، 23 أغسطس 2017

عقلنة غير المعقول

سلمان عبد الله الحبيب 


الخرافات هي اعتقادات خاطئة غير مبنية على حجج عقلية منطقية ،ومع ذلك يؤمن بها أصحابها إيماناً أعمى .
وقد نشأت تلك الخرافات منذ القدم، إلا أنها لا تزال في وقتنا الحاضر تسجّل حضوراً ليس بالقليل، رغم ما وصلنا إليه من علم، ومعرفة، وسعة اطلاع، في شتى المجالات .
والأسباب التي أدّت إلى نشوء الخرافات عبر الأجيال ،عدة أمور منها :المخاوف التي تعتري الإنسان في فترات حياته، حيث أدّت تلك المخاوف إلى ظهور قصص الجن والعفاريت ونحو ذلك. ومن الأسباب – أيضاً - محاولات التفسير التي تفتقد المعارف العلمية بما فيها من قوانين، كالتي كان يفسر بها الأقدمون ما يحدث من برق ورعد ومطر وليل ونهار ورياح ونحو ذلك ،فيأتون بأسباب أسطورية وميتافيزيقية، لا تمّت للعلم بصلة إلا أنها أسباب وجيهة بالنسبة لهم؛ إذ ينسبون كل ما يحدث إلى آلهة أو أرواح أو جن أو نحو ذلك من الأسباب القريبة إلى مستوى عقولهم. ومن أسباب نشوء الخرافات أيضاً ما يحدث من سوء ربط بين أمرٍ ما وحدث معيّن، وهو اقترانٌ كشفتْ عنه المدرسة السلوكية في تجارب العالم (سكينر)، فمثلاً لو حكّ رجل ما باطن يده اليمنى فأتاه رزق، فقد ينسب ذلك الرزق إلى حكّ يده، ويقوم بتعميم ذلك الأمر فيذيع لمن حوله بأنّ حك اليد اليمنى يأتي بالرزق وهذا أمرٌ مجرّب وبالدليل القطعيّ، وبهذا تنتشر الخرافة في أوساط الناس ممّن ألفوا التصديق بدوغمائية لا تقبل الشك ،ولا المناقشة. ومن أمثلة سوء الربط - أيضاً - ما يحدث في المجتمع الغربي من التشاؤم من الرقم (13) والذي تعود أصل حكايته لما حدث لليسوع في العشاء الأخير، وقد كان هو الثالث عشر بين حواريّيه. ومن ذلك – أيضاً-  ما هو شائع عند العرب قديماً من التطيّر والتشاؤم، والأمثلة على ذلك كثيرة يصعب حصرها.
وهكذا تتعدّد أسباب الخرافات التي تتخذ أشكالاً مختلفة وتمتدّ في كل الشعوب والثقافات مما يجعلها قوية راسخة تنتقل عبر الأجيال . وإنك لو بذلتَ كل وقتك من أجل تفنيد مثل هذه الخرافات ، فستجد نفسك تغرّد خارج السرب، وستكون مهزوماً لا محالة، فكما قال سيروس : ( دائماً ما يضيع الحق في المناقشات) وبالتأكيد فإنّ كلّ حججك العقلية لا تلقى أذناً صاغية، ولا عقلاً يعي ، فهي حجج - في نظر المؤمنين بالخرافات- من شخص متفلسف متغطرس يريد تسفيه أحلامهم .
وقد اجتاحت الخرافات العلوم ومن ذلك ما ينتشر في كثير من الأوساط العلمية بأننا نستخدم من عقولنا مجرد 10% بينما ذلك في الواقع ليس سوى مجرّد خرافة؛ فنحن نستخدم - وبقدرٍ كافٍ - كلّ أجزاء الدماغ . ومن الأخطاء العلمية أيضاً والتي لا زالت محطّ جدل في الأوساط العلمية ما يتمّ تفسيره بخصوص الأمراض النفسية حيث قيل بأنّ السبب لتلك الأمراض، هو خلل كيميائي في الدماغ؛ وهذا ما يجعل الدواء – حسب ظنّ القائلين- يقوم بالتغيير الكيميائي في الدماغ ليتمّ من خلاله العلاج، مع أن ما يحدثه ذلك الدواء من تغييرات كيميائية لا يمكن أن يكون دليلاً على أنّ ذلك هو السبب ويبقى المرض والدواء محل دراسة وتفسير.
وهنالك الكثير من الخرافات التي لبست ثوب العلم وأصبح الناس يحتجّون بها في كل محفل ويدّعون فيها مدى ما يملكون من حقائق لدعمها وإثباتها.
وهنالك خرافات – كذلك - تسلّلت للدين الذي هو في حقيقته ارتباط بين العبد وربّه ، فيدّعى فرد ما – مثلاً - بالكرامات التي تجري على يده من شفاء المرضى وإحياء الموتى ومساعدة المنكوبين ونحو ذلك من خرافات يتم التدليس بها على الحمقى والمغفّلين، بالإضافة إلى ذلك ما تمّ استحداثه من طقوس غير عقلانية جاءت باعتبارها تطوراً طبيعياً لظروف وممارسات سابقة ، فجاء من يدافع عن تلك الطقوس والأفكار بكل بسالة؛ ليحظى بلقب الحارس الأمين على دينه . وممّا يؤسف له أنّك تجد أناساً متعلّمين - من أطباء ومعلمين ومهندسين وغيرهم – يحاولون وضع التبريرات والتفسيرات المنطقية لتلك الخرافات والخزعبلات التي لا تمتّ للعقل بصلة .
تلك المحاولات التي تبرّر وتفسّر من أجل عقلنة غير العقلي هي محاولات بائسة والأدهى من ذلك هو وقوع أولئك الطبقة المتعلّمة في فخ الجهل من خلال محاولاتهم المستميتة في التفسير والتحليل؛ إذ كان من المتوقّع منهم تنوير المجتمع ومحاربة الخرافات وتوعية بسطاء العقول الذين ينعقون مع كل ناعق، ويميلون مع كل ريح .
الجهد الذي يمكن أن تبذله في إثبات أن الماعز يبيض، وأن العصفور يلد، هو إهدار للوقت، وتغييب للعقل، وتخدير للشعوب .
وقد يلجأ البعض لتبرير الخرافات، التي لبست ثوب الدين؛ لأنه يريد الدفاع عن هويته؛ ظنّاً منه أنّ الهجوم على تلك الأوهام - التي أصبحت كالأوثان – يمكن أن تهدّ عرش الدين، وتزعزع الثقة عنده، أو عند الناس ، وهو يرى في نظره أنّ الإيمان بتلك الخرافة عند عامة الناس، خير من تكذيبها، أو التخلّي عنها؛ لأنها تربطهم بالدين أكثر، وتعمّق انتماءهم إليه، ولذلك من الصعب أن يخاطر بهدم الخرافة، التي بهدمها – في نظره – سيتم هدم كل أركان الدين.
وهنالك بعض المنتفعين – للأسف الشديد – من رجال الدين ممّن يرغب في بقاء تلك الخرافات التي تغيّب العقول من أجل السيطرة على أولئك البسطاء، وبذلك يحظى بالسلطة والمال، والسمعة، كما يحظى بدوام بقائه ، ومن هنا يمتطي المنبر، كما يمتطي الفارس جواده، ويأتي بالنصوص المقدّسة، والأدلة العقلية، التي تؤيّد (غير المعقول) فتجعله (معقولاً)، ولكن كيف لنا أن نرضى بمن يبرهن بأمور عقلية على ما هو غير عقلي ؟! وهل لنا أن نطلب الدليل على ما هو غير خاضع للعقل والمنطق ؟!
إنه لمن السخف حقاً أن نبحث عن أدلة لما يخالف العقل من قريب أو بعيد ، ومن السخف أيضاً أن نجعل من الخرافة قضية للنقاش والبحث ، بدلاً من استثمار عقولنا في البحث عما ينفعنا ويثرينا.
وفي النهاية أقول لا يمكن لنا أن نرقى إلا بالنقد والتحليل وإلغاء التعصّب للوصول إلى الحقيقة التي هي بنت البحث كما يقال ، وأنا على ثقة تامّة بأن الحقيقة باقية فهي - كما يقول إيريك فروم – كالزيت تطفو دائماً ،ومع ذلك سيكون هنالك عدد من الذين يعيشون على أوهام الخرافات التي يتداوون بها من صعوبات الحياة كيلا يفيقوا على واقع مرير، وسيكون هنالك أيضاً من يروّج للخرافات ليحظى من خلالها على سلطة يستعبد بها أولئك البسطاء .

* سلمان عبد الله الحبيب  

الجمعة، 18 أغسطس 2017

النص الديني بين الثبات والتحوّل

سلمان عبد الله الحبيب 
تتعدّد الأديان في هذا العالم بعدد ما في  الرأس من شعر. وكلّ صاحب دين يدّعي أنّ دينه صالح لكل زمان ومكان ، فدينه - في نظره - أفضل الأديان ؛ إذ يعبر جميع الأزمنة دون قيود كآلة الزمن التي صوّرتها لنا الأفلام السينمائية.
إن هوس المتديّنين بإثبات أنّ نصوصهم الدينيّة صالحة لكل زمان ومكان يدعو للشفقة حقاً ، فالنص الدينيّ مؤطّر بثقافة وزمان ومكان وظروف خاصّة، فلا يمكن أن نتصوّر جاهلياً يتحدّث – مثلاً - في الذرة أو في الحروب النووية ؛ لأنه بكل بساطة لا يمكن أن يتجاوز زمنه وحدود ثقافته.
لقد جعل ذلك الاعتقاد كل أولئك المتدينين المهووسين في حالة سباق لإثبات أنّ دينهم هو الأفضل فيسعى الفرد منهم لاتهام دين الآخر بالتحريف؛ ليثبت أنّ دينه الأصلح والأجدر بالاتباع، كما يسعى بعضهم - حينما يرى اكتشافاً علمياً - للبحث في نصوصه الدينيّة التي تثبت ذلك الاكتشاف العظيم في كتابه المقدّس حسب تأويله وادعائه ،بالإضافة إلى تأويل النصوص التي تتعارض مع العلم لكي يزيل اللبس بدلاً من الاعتراف بخطأ النص وهذا يتضح - على سبيل المثال - في عمر الأرض حسبما نصّت عليه التوراة والإنجيل إذ قدّرت العمر بحوالي (6000) سنة حيث بدأ الله بخلق السماوات والأرض ثم خلق آدم في اليوم السادس وبحسب ما جاء في الكتاب المقدّس فإن الفترة الزمنية من آدم إلى نوح تصل إلى (4000) سنة وهذا القول يتعارض مع العلم الحديث الذي يقدّر عمر الأرض بأكثر من أربعة بلايين سنة ؛ممّا دعا ذلك الأمر باليهود والمسيحيّين لوضع تأويلات من أجل الخروج من ذلك المأزق، فمن تأويلاتهم أنّ العمر الطويل لآدم كان في الجنة وليس على الأرض، أو أنّ ذلك العمر الطويل كان قبل خلق آدم ،ومنها أنّ الأيام الستة تعني الحقب الزمنية وبالتالي فحساب اليوم ليس مجرّد أربع وعشرين ساعة بل هو حقبة زمنية طويلة ، وهكذا تتَعدّد التأويلات التي يقوم فيها المؤمن بالدفاع المستميت عن عقيدته مهما كلّفه الأمر وكأنّه ذلك الجاهليّ الذي يقول : (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) ؛لأنه يخاف من الحقيقة التي تقشع كل أوهامه التي يؤمن بها إذ لا يرضى أن يعيش في حالة من التيه والضياع من خلال المجازفة بمواجهة تلك الأوهام التي عاشتْ معه زمناً طويلاً وآمن بها دون مساءلة أو شك.
وليس هذا فحسب ما يفعله المتديّنون لإثبات صلاحية دينهم لكل الأزمنة؛ فهنالك من يحاول أن يعيدنا إلى الوراء حيث يفكّر من خلال النص القديم ويفسّر الأشياء بناء عليه ويطبّق كلّ ما فيه دون حساب للمتغيّرات التي يفرضها عصره؛ ممّا يجعله جامداً على نصوصه الدينيّة التي لا تتغيّر حسب ظنّه .
إن تلك الاعتقادات الراسخة لابدّ أن تتحطّم بوعي وثقة وإرادة قويّة، فالاعتقادات الراسخة - كما يقول فريدريك نيتشه - أخطر على الحقيقة من الأكاذيب .
وعلى الفرد أن يدرك في قرارة نفسه أنّ سنة الحياة هي التطوّر والتغيير وعدم الثبات أو الجمود ، فلو تأمّلنا في أنفسنا لأدركنا أنّنا نتغيّر يوماً بعد يوم فأجسادنا اليوم ليست هي بالأمس فهنالك خلايا تظهر للحياة وخلايا أخرى تموت ، بالإضافة إلى أنّ أجسادنا تتغيّر مع مراحل العمر المختلفة ، وإذا انتقلنا إلى جانب آخر منّا فإننا يمكن أن نرى مدى التغيّر في سلوكنا وأفكارنا ومشاعرنا وفي تذوقنا للأشياء التي تحيط بنا من كلّ جانب . وبالنسبة للطبيعة التي حولنا فهي تتغيّر في سلم التطوّر والارتقاء وبهذا فإنّ كل هذا الوجود قائم على الحركة والصراع والنمو ،حتى ما نراه جماداً - كالصخور والجبال - فهو في حركة فيزيائية غير مرئية من خلال اهتزاز الذرات ودوران الإليكترونات حول النواة في كلّ ذرة .
والأديان – أيضاً – داخلة في مسيرة التطوّر منذ أول ديانة منظّمة وهي الهندوسية إلى أن وصلنا إلى الإسلام .وكلّ دين من تلك الأديان كذلك يتطوّر مستجيباً للمتغيرات المختلفة مما يجعل الدين موائماً للعصر الذي ينتمي إليه .  
 هكذا تسير الحياة في حركة دياليكتيكية قائمة على الصراع الذي يأتي بالجديد مما يجعل الأشياء في تطوّر دائم ، ولا يوجد لهذه القاعدة ما يمكن استثناؤه منها وعلى ذلك فإنّ النص الدينيّ متغيّر، وثباته يعني الجمود الذي يؤدّي إلى الزوال .


* سلمان  عبد الله الحبيب