![]() |
| للحقيقة وجه آخر -سلمان الحبيب |
هنالك من يحتكر الحقيقة لا لشيء سوى أنه ورثها ممن سبقه أو أنها تمثل
فئته أو اتجاهه أو مذهبه أو دينه أو نحو ذلك ،وهذا ما هو سائد عند عامة الناس ؛لذلك
يجد كلٌّ منّا أنّ من الصعب تغيير ما يقتنع به مجموعة من الناس ،وأحياناً ندرك أنّ
من الصعب الحوار معهم لأن دوغمائيتهم تتغلّب عليهم فلا يسمعون إلا ما يعتقدون به ولا
يبصرون إلا ما يتمنون رؤيته.
هذا ما جعل الحداثة تبدّل جلدها لأنّ الثوابت لا يمكن الاتفاق عليها وما
تراه ثابتاً يراه غيرك متحولاً ،وهذا ما جعل التيارات اليسارية المتشدّدة -أيضاً -
تسير وفق الاتجاه الليبرالي الذي يؤمن بالتعدّدية التي هي واقع مفروض علينا جميعاً
.
واحتكار الحقيقة لا يختص بفئة معينة بل يشمل كافة الفئات والأطياف وقد
تلمحه أثناء حوارك مع أحدهم من خلال الحصر بين أمرين كمقولة بوش الابن ( إما معنا
أو ضدنا ) في حملته العسكرية على الإرهاب ، فهو وضعنا بين خيارين لا ثالث لهما ؛إذ
يمكننا ألا نكون معه ولا ضده ولكنه جعل هذا الخيار مستبعداً في حديثه .وهذا ما
يحدث في الجدالات الدينية والتاريخية حيث يقول لك أحد الأشخاص مثلاً : ( أنت مع
هذا أو ذاك ) وقد أكون معهما في أشياء وضدهما في أشياء وقد أكون ضدهما مطلقاً أو
معهما مطلقاً ولكن من يجادلني حصرني بين أمرين لا ثالث لهما فإن حاولت إن أوضح له
الأمر قال بلهجة حادة متهكمة : أنت تتهرّب
من الإجابة وتمارس لوناً من ألوان الخداع والتضليل .
هذا الاحتكار للحقيقة لا يدخل فقط ضمن أسلوب الحصر بل يحدث – أحياناً - من
خلال اختلاف الموضوع مما يبعثر الفهم للواقع كأن يقول أحدهم : أنا ضد هذا النظام
ويقول له الآخر : أنا ضد الحرب عليه من الخارج . فالموضوعان مختلفان ويمكنني أن
أجيب بإجابة تكاملية من خلال دمج الموضوعين بأن أقول : أنا ضد هذا النظام وضد
التدخل من الخارج للحرب عليه ولكنّ المتحاورين تصادما في موضوعين ينظر كل منهما
لجزء من الحقيقة .
وهناك احتكار آخر للحقيقة يحدث من خلال الإتيان بموضوع دون دليل أو بدليل
يحتاج للنقاش فلا يكون الاختلاف – عندئذٍ - في الموضوع بل في الدليل عليه كأن يقول
أحدهما : هذا ظالم وينفي الآخر عنه الظلم فيكون النقاش هنا في الدليل وعلى الطرفين
الإذعان لصحة الدليل لا الإيمان بالموضوع الذي يريد أحد الطرفين أن ينتصر به على
خصمه ليسجل هدفاً في المرمى كلاعب كرة القدم .
وهنالك أسلوب آخر يلجأ له البعض في الحوار لاحتكار حقيقة زائفة حيث
يتحدثان حول اختلاف في الموضوع مع الأخذ به مطلقاً كأن يقول لك أحدهما : ذلك الرجل
ظالم فيرد عليه الآخر بقوله : هذا رجل قاتل بغير حق . فالموضوعان مختلفان وهما
مطلقان ويمكن لي بالدليل نفي القتل عنه أو يمكنني نفي الظلم عنه ونفي أحدهما لا يلغي
الآخر فكون الرجل ظالماً ليس بالضرورة أن يكون قاتلاً وكونه قاتلاً ليس بالضرورة
أن يكون ظالماً ، ومثال آخر لذلك كأن يقول أحد الأفراد : هذا رجل ظالم ويرد الآخر
بقوله : هو رجل له أفعال حميدة وكونه ظالماً لا ينفي أن تكون له أفعال حميدة وكونه
يفعل الخير لا ينفي كونه ظالماً لذلك نفي أحد الموضوعين لا ينفي الآخر وإثبات أحد
الموضوعين أيضاً لا يثبت الآخر وهذا ما يقع فيه كثير من العامة حيث إنهم يكرهون
شخصية تاريخية لعمل معين فيلصقون بها كل الأفعال القبيحة أو على العكس من ذلك حين
يحبون شخصية معينة فينسجون لها من قصص الخيال ما يفوق أحلام العاشقين وخيال
الشعراء .
ومن احتكار الحقيقة - أيضاً - التصديق
بلا دليل أو الإيمان بحقيقة ما باعتبارها من المسلمات والثوابت لذلك ينفي الفرد أو
يثبت أمراً ما بناء على الحكم المسبق فمثلاً أقول له : هذا الرجل ارتكب خطأ ما فيقول
لي غير صحيح ، وحين أسأله : لماذا ؟! فإنه يجيب مثلاً بأنه معصوم عن الخطأ ، ولو
سألته عن الدليل على عصمته فلن يستطيع إلا التبرير والمراوغة؛ لأن حكمه سبق
التفكير في المعطيات ، ومن هنا فكل ما سيقال إليه - إن خالف حكمه- غير مقبول ولا
يصح إطلاقاً ،أما إن اتفق مع حكمه فهو صحيح قطعاً وبلا أدنى تردّد، وهذا النوع من التفكير يعد تفكيراً دوغمائياً ناشئاً عن
التعصّب الأعمى الذي لا يرى أي دليل ولا
يبصر أية حقيقة تختلف عنه ولو كانت صائبة .
لذلك علينا أن نتذكر أن للحقيقة وجه آخر فما كان يعتقده الناس خرافة
بالأمس كصعود القمر والطيران وكروية الأرض أصبح اليوم من المسلمات وما كان من
المسلمات بالأمس كثبات الزمن عند نيوتن أصبح مختلفاً عبر نسبية آينشتاين وهذا ما
يدفعنا للبحث عن الحقيقة دون احتكارها باعتبارنا حراساً لأفكارنا مع تقبّل
الاختلاف لتغيّر الأدلة والفهم والنظر لكثير من الحقائق باعتبارها مرحلة ثقافية
تتطوّر تطوراً حتمياً مع حركة التاريخ عبر جدلية( هيجل) التي أعطت لكل شيء حركة
تنمو وتتطوّر كما يتطوّر كل شيء من حولنا ،وهذا ما يتماشى مع واقعنا الذي يجب أن
نتقبله في سنة التغيير وعدم الثبات والجمود .
· سلمان عبد الله الحبيب




