السبت، 10 أكتوبر 2015

التقدّم نحو الهاوية - سلمان عبد الله الحبيب



استطاع الإنسان بعقله أن يطوّع الطبيعة في صالحه وأن يبدع ويطور ويؤسس للديمقراطية وحقوق الإنسان ،وفي الوقت ذاته استطاع بعقله أن يهدم كل ذلك .

الإنسان بعقله يعرف الخير والشر ويستطيع بناء الأحكام المعرفية بشكل صحيح من خلال اتساق المعرفة وعدم تناقضها كما يشير إلى ذلك الفلاسفة العقليون ولكنّ الطبيعة الإنسانية تميل إلى الشر باعتبارها غريزة فطرية لدى الإنسان كما أشار إلى ذلك فرويد في كتابه ( الحب والحرب والحضارة والموت) معتبراً أن العدوان غريزة عند كل إنسان وتظهر جلية في الحروب .

ولقد جعلتْ تلك الغريزة من العقل أداة تدمير وهذا ما جعل المفكّرين ينتقدون مشروع الحداثة والتنوير باعتبار أن العقل وحده يمكن أن يخرّب ويفسد أكثر ممّا يبني ويعمّر .

ويمكنني القول بأنّ العقل حينما يقترن بالقوة والسلطة يؤدّي ذلك غالباً إلى التدمير والهدم ،وهنا يكون الاختبار الحقيقي للإنسانية إذ إنّنا كثيراً ما نجد أن البقاء للأقوى كما تقول الداروينية وليس البقاء للأصلح كما يقول سبنسر.

إنّ القوة هي التي تفرض نفسها وهذا ما نشاهده في عالم السياسة التي سخّرت كل شيء وفق مصالحها كما قال ميكافيللي : ( الغاية تبرّر الوسيلة )،وهي بذلك لا تختلف عن منهج (نيتشة) الذي يدعو في فلسفته للإنسان المتفوّق صاحب الإرادة الحرة والمتجرّد كذلك من العواطف الدينية التي أنتجتْ –في نظره -أخلاق العبيد ، مع دعوته للعنصرية واعتقاده بنسبية الأخلاق .

إن السياسة لا تؤمن بغير المصالح حيث لا صديق دائم ولا عدو دائم ،وهي لا تؤمن إلا بالقوة والهيمنة لتحقيق تلك المصالح؛ لذلك يقول ميكافيللي : ( من الأفضل أن يخشاك الناس على أن يحبوك).

إنها لغة المصلحة فحسب ولغة الهيمنة والرغبة في تحقيق الأهداف بأي ثمن ، وها هي البوصلة تصوّب نحو هذا الاتجاه ويستمر الطغيان السياسي والاستبداد بأبشع صوره ويظهر الفقر والبطالة والتهجير وقتل الأطفال وسبي النساء ،وأصبح العالم يسبح في بحر الدماء وسادت لغة الطائفية والخطابات التحريضية وثقافة القتل ورغبة الدول الكبرى في التوسّع بالإضافة إلى التقسيم وتهجير المواطنين وقتل ما تبقّى منهم لبناء شرق أوسط جديد لصالح أمريكا وإسرائيل .

وبما أن السياسة تهتم بالمصالح فإنها استخدمت كل الأسلحة الممكنة ومنها الدين الذي أصبح سلاحاً فتّاكاً لها وهذا ما تقتضيه البراجماتية الميكافيللية التي يقول فيها صاحبها بأنّ الدين ضروري للحكومة لا لخدمة الفضيلة ولكن لتمكين الحكومة من السيطرة على الناس، ويقول أيضاً : ( من واجب الأمير أحياناً أن يساند ديناً حتى لو اعتقد بفساده ) كما يقول : ( لا يجدي أن يكون المرء شريفاً دائماً ) وها هو يتحقّق في الواقع السياسي كل ما قاله ميكافيللي حيث أصبح الدين السلاح الشرس الذي يفوق الأسلحة النووية وغيرها من الأسلحة، فظهرت الجماعات الإرهابية عبر تطوّر تاريخي إذ بدأتْ بجماعة التوحيد والجهاد ثم القاعدة ثم مجلس شورى المجاهدين ثم دولة العراق الإسلامية ثم ظهرتْ مؤخراً (الدولة الإسلامية في العراق والشام ) وكل تلك الجماعات الدموية التكفيرية الإرهابية لم تحقق انتصاراً لدين أو لطائفة ولكنّها أصبحتْ في خدمة السياسي الذي يرسم خطة استراتيجية بعيدة المدى يحقق من خلالها السيطرة على المجتمعات العربية والإسلامية وبأيدي العرب والمسلمين ومن هنا أقول بأن الاستبداد السياسي هو الذي أدّى إلى الاستبداد الديني وليس كما يقول الكواكبي بأن الاستبداد الديني هو الذي أسس للاستبداد السياسي وليس كما يقول ديكنز بأن الدين أصل الشرور؛ لأن الدين بدأ في نشأته بحثاً عن فلسفة الوجود عبر التابوهات والتفسيرات الخاصة بالإنسان في كل مجالات حياته التي تحيط به بالإضافة إلى الطقوس الروحية والارتباط بالقوى الغيبية ولكن الدين حينما ارتبط بالسياسة أصبح أقوى سلاح يمتلكه السياسي لتبرير الجرائم والقتل وتحقيق الانتصارات والدمار الشامل باسم الإله مما أوصلنا الآن إلى انتظار ما هو أسوأ بنشوء حرب عالمية ثالثة لا بقاء فيها للأضعف .

·       سلمان عبد الله الحبيب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق