الخميس، 15 أكتوبر 2015

ضياع البوصلة



سلمان الحبيب - ضياع البوصلة
أصبح العالم الذي نعيش فيه أسوأ من غابة وأصبحت الحقائق مجرد أكاذيب وأصبحت الأكاذيب حقائق وأصبحت الموازين مختلة على كافة الأصعدة .

إننا نجد الإعلام مضللاً ومزيفاً للحقائق ،ونجده متضارباً بشكل سافر ،فذلك ينفي الخبر بشواهد تراها بأم عينك وتصدقها ،وذلك يثبت الخبر نفسه بشواهد تراها بأم عينك أيضاً وليس أمامك إلا الإذعان والتصديق ،وأصبح الناس يقرؤون الخبر الذي يريدون أن يصدقوه أو الذي يتماشى مع انتمائهم الديني والطائفي والفكري.

لقد أصبح الإعلام وسيلة للخداع والحرب النفسية والكذب متماشياً مع ما قاله (جوزيف غوبلز) وزير الدعاية السياسية في عهد هتلر : ( اكذب حتى يصدقك الناس).

ونجد مثل هذا الضياع في الثورات العربية التي أرادتْ الحرية والتغيير فأصبح ربيعها خريفاً وسادت الفوضى بدون قيادات واعية وبلا أهداف واضحة وبلا وعي  عميق لطبيعة المجتمع وحاجات كافة أفراده وبلا إدراك لأسلوب الدولة ومنهجها فأصبحت تلك الثورات مجرّد تنفيس عن حالة الغضب ،حتى إنّ وزيرة الخارجية الأمريكية (كونداليزا رايس) بعد الغزو الأمريكي للعراق عبّرتْ عما يحدث في العراق بالفوضى الخلّاقة، وإنّنا لنعجب أشدّ العجب كيف تكون الفوضى خلاقة وكيف يكون الدمار تعميراً ويكون الهدم بناءً ؟!،ولكنها اللعبة السياسية التي تثيرها الدول الكبرى وتثير من خلالها  في نفوس المجتمعات العربية المقهورة والأقلّيات ما يدفعها للتنفيس والثورة العمياء التي تعدّ مجرّد تعبير عن حالة الغضب والقهر.

وقد سعت الدول الكبرى للعب على وتر الطائفية وحقوق الأقليّات واحتياجات المواطن العربي في العيش بكرامة وحرية إلا أنها سحقتْ تلك الشعوب باسم الحرية والديمقراطية بل مارست أشد أنواع الديكتاتوريات على الشعوب والبلدان مدّعية أنها تريد تحريرها وإرساء الديموقراطية فيها وهي في واقع الأمر تستخدم كل ذلك لمصالحها وتلوي يد الحكومات العربية بها باعتبارها أوراق ضغط تخرجها في الوقت المناسب.

ولا يفوتنا في هذا المجال أن نلمح إلى ما سعت إليه الدول العظمي والحكومات من حروب مدمّرة أصبحت الشعوب فيها كالأخشاب التي يلقى بها في النار بالإضافة إلى تمسّك بعض الحكومات الديكتاتورية بكراسيها ليموت الشعب ويبقى الحاكم .

إنّ الشعوب هي الضحية أولاً وأخيراً وهي – للأسف الشديد – فئران التجارب وأوراق البلوت أو حجر النرد في يد الحكام وفي يد الدول العظمى .

بل إن كثيراً من أفراد تلك الشعوب غادروا أوطانهم عبر التهجير والموت ممّا أدى ذلك لتغيير ديموغرافي كبير ،هذا مع الوضع في الحسبان قلة الإنجاب وتأخر الزواج أو العزوف عنه لأسباب اقتصادية أو نفسية أو فكرية أو اجتماعية .

وأصبحت الشعوب العربية تفقد الأمن وكأنهم يعيشون في غابة مليئة بالحيوانات المفترسة من إرهابيين دينيين جعلوا من الدين أداة للتدمير والتفجير والتخريب ،ولا يمكن لهذه الشعوب الاستقرار إطلاقاً وهي تفتقد الأمن الذي هو في بداية سلم الحاجات بعد الحاجات الفسيولوجية في هرم ماسلو ، بل إنّ الإنسان كما يقول كونفوشيوس لا يمكن له أن يكون مدنياً دون أن يجد الطعام والكساء.

ولقد انتقل كل ما يحدث في السياسة من صراع إلى المجتمع والأسرة بل انتقل إلى  الفرد نفسه عبر صراع داخلي لا يختلف عن الغليان الذي يحدث في الخارج.

ولقد وجدنا من مظاهر الضياع أيضاً كيف أصبح الخطيب الدينيّ بوقاً للسياسي وأصبح المثقف التنويري ظلامياً وعنصرياً وطائفياً في لحظة اختبار حاسمة ،وربّما هي اللحظة الوجودية التي يقرّر فيها الإنسان مساره الروحيّ الحقيقي التي ينادي بها (كيريكغارد) إذ تمثل الحقيقة في نظره لحظة الاختبار التي يجد الفرد فيها إيمانه ويخلع عنه زيف الأقنعة الثقافية.

نحن الآن باختصار نعيش حالة التشظي السياسي والاجتماعي والاقتصادي والنفسي والديني وأصبحنا بين المطرقة والسندان ولكن يا ترى إلى أين ستتجه البوصلة لاحقاً؟!

*  سلمان عبد الله الحبيب

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق