إن الحياة كانت ولا
زالت مبنية على التباين والاختلاف وهذه سنة الكون التي تشمل كل جوانب الحياة .
فعلى مستوى الطبيعة
نلحظ تنوع الكائنات الحية وتعاقب الفصول وتعاقب الليل والنهار ونرى على سطح الأرض
الماء واليابسة والمد والجزر إلا أن هذا العالم الطبيعي حافظ على وحدته رغم تعدّد
ظواهره الطبيعية .
وذلك الاختلاف يمكن
أن نشاهده في الإنسان نفسه فهو عقل وجسد ونرى في جسده أيضاً الاختلاف إذ إنّ نصفه
الأيمن يختلف عن الأيسر وكذلك نصفا دماغه مختلفان في وظائفهما كما أنّ جسده يتكون
من مجموعة من الأعضاء تختلف عن بعضها في الوظائف والمهام وليس هذا فحسب بل إنه
يجمع بين الحياة والموت حيث تموت خلايا جسده وتنمو غيرها بشكل مستمر فيكون هو
بالأمس ليس هو في هذا اليوم ومع ذلك فهو الشخص ذاته لم تتأثر وحدته بما فيه من
اختلاف وتجدّد.
وفي المجتمعات يختلف
الناس في معتقداتهم وأفكارهم وثقافتهم وكل إيديولوجياتهم فنرى القوميات والأطياف
والمذاهب والفرق والأديان والتوجهات إلا أنّ هذا الاختلاف أمر حتمي- شئنا أم أبينا-
كما هو في سائر الموجودات؛ لأن الاختلاف سنة الطبيعة ليتم من خلاله التكامل ،فلو
كان الناس بذوق واحد أو بفكر واحد أو بدين واحد لكانت الحياة شيئاً لا يطاق ؛لأن الأفراد
متساوون بحيث لا يضيف أحدهم للآخر شيئاً وستفقد الحياة طعمها لأنّ الطبيعة
الإنسانية تشعر بحالة التشبع والغثيان من مرحلة الثبات والتشابه فيفقد الإنسان لذة
الإحساس بأهمية التباين الفكري والثقافي ،ويفقد الإحساس بأهمية البحث والاطلاع على
الآخر المختلف الذي يجب أن يتعايش معه كما يتعايش الإنسان مع جسده الذي يحوي كافة
الاختلافات كما أوضحنا ذلك سابقاً.
وبدون اختلاف الناس
لن يحتاجوا للحوار ولن يحتاجوا للرؤية من زوايا مختلفة للأمور ولن يحتاجوا للتجديد
ولن يحتاجوا للبحث أو الاطلاع أو تبادل الأفكار والخبرات ولن يحتاجوا كذلك لما يعرف بالمثاقفة ( التبادل الثقافي )وسيبقى
المجتمع الإنساني جامداً بينما كل ما في الحياة يتطوّر.
لذلك يقول الفيلسوف رينيه
ديكارت : ( اختلاف آرائنا لا ينشأ عن كون بعضنا أعقل من بعض بل ينشأ عن كوننا
نوجّه أفكارنا في طرق مختلفة ولا نطالع الأشياء ذاتها).
هكذا يكون الانسجام
والتكامل وهكذا يكون التعايش والتقبّل والإيمان بحرية الآخر ومن هنا شاع في أمريكا
مفهوم (وعاء السَلَطة) تعبيراً مجازياً عن حالة التعدّد في الثقافات المختلفة والأعراق
والتوجهات في جو من التسامح والاندماج .وفي هذا المجال يحضرني ما قاله غاندي : (
الاختلاف لا ينبغي أن يؤدي إلى العداء وإلا لكنتُ أنا وزوجتي ألدّ عدوّين) .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق