الأحد، 4 أكتوبر 2015

الخطيئة والتطهير - سلمان عبد الله الحبيب

لازم الإحساس بالذنب والشعور بالخطيئة الإنسان منذ بداية وجوده على الأرض ؛وذلك لأن الإنسان من طبيعته ارتكاب الأخطاء تلو الأخطاء مما يدفع الضمير أو ما اصطُلح عليه في التحليل النفسي بـــ(الأنا الأعلى) ليقوم بنداء الواجب والحق الذي يراه العقل المميّز بين الخير والشر كما ألمح لذلك (كانط) في منهجه العقلي .
ولقد كانت (التابوهات)متحكّمةً في الفعل الإنساني قبل نشوء الأديان ؛ لردع الفرد عن ارتكاب الأخطاء ؛مما دفعه للإيمان بقوى خفيّة تمدّ له يد العون ,فبدأ بالتوسّل إليها ,وقدّم الذبائح والقرابين ليطهّر نفسه من الخطايا ويتخلّص من عقدة الذنب التي تلاحقه. كما حاول الإنسان بعد ذلك أن ينسب الشر للشيطان ليبعد عن نفسه مسؤولية الخطأ وحاول - أيضاً - في الجهة المقابلة أن يوجد المخلّص الذي ينهي كل آلامه ويقوم بتطهيره من كل الذنوب ويحميه من خطر الشيطان ,وقد ظهرت هذه المسألة جلية في فكرة التثليث في المسيحية والهندوسية والأساطير الفرعونية .
فالمسيحيون جعلوا (المسيح) مخلصهم وادّعوا بأنّه ابن الله ورأوا بأنه صُلب ليكفّر عن خطاياهم ليعيشوا في راحة واطمئنان بعيدين عن الشعور بالخطيئة وعقدة الذنب التي تقض مضاجعهم ، ونجد مثل هذا بشكل يكاد يكون نسخة طبق الأصل عند الهندوسيين الذين يؤمنون بأنّ ربهم هو واحد في ثلاثة أقانيم وهي :( براهما – فشنو – سيفا ) وفشنو يسمّى أيضاً (كريشنا) ,وهو ابن الله وابن العذراء (ديفاكي) والدة الإله ,وهو المخلّص والراعي والأقنوم الثاني من الثالوث المقدّس (الأب والابن والروح القدس), وهو الذي يقوم بشفاء الأبرص والأصم والأعمى, والذي يحيي الموتى ,ويقوم بنصرة الضعفاء ,وهو الألف والياء كيسوع الذي يُطلق عليه الأول والآخر ، ولن نكون بعيدين عن هذا الثالوث حين نستعيد ( الأسطورة الفرعونية ) التي تقول بأنّ الإلهة (إيزيس) سعت لإعادة زوجها (أوزيريوس) الذي قتله أخوه طمعاً في الملك وقد قطّع أجزاءه على كل أقاليم مصر فأخذت الزوجة من تلك الأجزاء (العضو الذكريّ) محاولة إعادة زوجها للحياة فقامت بصنع ذكر من ذهب واستخدمت السحر لتعيده إلى الحياة لتلد بعد ذلك بـ(حورس) دون أب والذي أصبح فيما بعد ملكاً بانتصاره على عمه الذي قتل أباه ،وبهذا كانت فكرة الأقانيم الثلاثة : الأب (أوزيريوس) والأم (إيزيس) والابن (حورس) .
إن( يسوع ) في الديانة المسيحية و(حورس) في الثقافة الفرعونية و(كريشنا )عند الهندوس يمثلون فكرة (المخلّص) الذي يتطلّع الإنسان إلى تطهير نفسه من خلالهم.
ولقد أدرك الإنسان وجود الشر في نفسه منذ القدم ورأى أنه جاء إلى الأرض نتيجة الخطيئة ويتضح هذا في ثقافة ما بين النهرين في إخراج آدم من الجنة نتيجة الخطيئة التي ارتكبها نتيجة إغواء حوّاء له ليدفع البشر إلى يومنا هذا ثمن تلك الخطيئة وقد أشارتْ الأديان منذ القدم إلى خطيئة الإنسان الأولى التي أنزلته إلى الأرض بعد أن كان منعّماً في الجنة .
إذاً لم تكن فكرة الخطيئة شيئاً جديداً بل كان ذلك منذ أن كان الإنسان على هذه الأرض. ولم تنشأ هذه الفكرة إلا لوجود عوامل هيأتْ لها وهي وجود الشر والنزعات غير الأخلاقية عند الإنسان مع شعور نفسي بالتأنيب بالإضافة إلى إحساس البعض بالرغبة في تنشئة الأجيال على عدم تجاوز القيم الأخلاقية التي يدركها العقل بفطرته لذلك كان من المتوقّع أن يوجد المخلّص ويوجد الشيطان ولابدّ من سنّ القوانين الأخلاقية للردع وقد تكون تلك القوانين مجرّد تابوهات أو مجرّد تواصل مع قوى غيبية غير مشخّصة كما تمّ استغلال الكوارث الطبيعية وقصة الطوفان التي بدأتْ منذ القدم وغير ذلك من أساليب ترهيبيّة بهدف ضبط السلوك الإنساني كيلا تحدث الخطايا ولكيلا يشعر الفرد بتأنيب الضمير ومع أنّ الوسائل الترهيبية قد تكون - إلى حدّ ما – مساهمةً في ضبط السلوك الإنساني إلا أنّها زادت من شعور الإنسان بالذنب فأصبح يتوسّل القوى الغيبية ويقدّم القرابين وينسب الشر إلى الشيطان سعياً منه إلى الخلاص .

وهكذا تطوّر هذا الشعور بالخطيئة وتطوّرت معه الكثير من المفاهيم إلا أنها تحيل الشر إلى قوى خارجية وتنسب ما يحدث في الكون من كوارث إلى ما تمّ ارتكابه من أخطاء لتعيد التوازن النفسي والشعور بالاستقرار؛ فيكون ذلك علاجاً لإنهاء الصراع الذي يعتري النفس الإنسانية .

* سلمان عبد الله الحبيب  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق