الأحد، 18 ديسمبر 2016

ثقافة التأطير وتأطير الثقافة



سلمان عبد الله الحبيب
الإطار الذهني (Paradigm) هو عبارة عن الأفكار والمعتقدات والمبادئ التي يسير عليها الفرد ،وهو أشبه بصندوق مليء بكل ما يحمله الإنسان في داخله ليسيرَ بذلك منهج حياته  بناءً على ما في ذلك الصندوق .

وتلعب التنشئة الاجتماعية والتنشئة الأسرية دوراً كبيراً في تلك الأطر الذهنية للأفراد وقلّما تجد فرداً خرج من ذلك الصندوق المغلَق . وهذا يفسّر ما يحدث للإنسان الذي قد يبلغ مستوى علمياً متقدّماً لكنّه ينزل إلى معتقدات لا يؤمن بها غير المأفون إذعاناً منه لثقافة المجتمع السائدة ولتنشئة الأسرة التي ينتمي إليها ؛ممّا يجعل خروجه أمراً شبه مستحيل؛ لأن ذلك يعد جريمة لا تغتفر ، ويُرى صاحبها مجرماً متمرّداً منبوذاً من كل أفراد مجتمعه؛ لذلك فهو لا يحاول التفكير في الخروج عن إرثه إذ إنّ مجرد التفكير في ذلك يعني وقوعه في ( التابو) الذي تكون نتائجه وخيمة.

فالمجتمع – إذاً- يؤطّر أفراده بأفكار لا يحيدون عنها وكذلك تفعل الأسرة حيث يقوم الوالدان بتربية أبنائهما بناءً على ما يعتقدان ويؤمنان ،وبناءً على ما ورثاه من المجتمع لتتم بذلك مصادرة الحريات الفرديّة وليكون الإنسان مجرد وعاء يتم ملؤه بقواعد اجتماعية وأسرية وثقافية وهذا يعيدنا لمفهوم الحرية عند (سارتر) فهي الأساس الذي يرتكز عليه الوجود الإنساني باعتبار أن وجود الإنسان سابق لماهيته؛ لذلك فهو حر حرية مطلقة بعيدة عن كل القيود والإملاءات ، وهذا ما جعله ينقم على كل سلطة أو فكر مسبق يؤطّر الإنسان ويلغي حريته كما جعله ينقم – أيضاً – على العلوم الإنسانية التي تتعامل مع الإنسان بشكل عام أي باعتباره نموذجاً كلياً لا باعتباره فرداً يختلف عن الكل ، كما آمن بقدرة الإنسان على تغيير واقعه باعتباره جزءً منه .

تلك الحرية التي آمن بها سارتر ورفض فيها كل أشكال التأطير هي التي جعلته يرفض جائزة (نوبل) ليكون سيد نفسه غير خاضع لسلطة ما .

ولكنّا من ناحية أخرى نرى أنّ الحرية بالمفهوم الوجوديّ السابق مستحيلة فلا وجود لمثل تلك الحرية المطلقة وهذا ما جعل (هيوم) يعتقد بالحتمية السلوكية والاجتماعية ويرى أنّ العقل عبد للعواطف وبالتالي فليس هنالك من سلطان على الفرد سوى ما يعيشه من تجارب وبذلك لا يكون للفرد اختيار بالمعنى المتعارف عليه و(هيوم) متأثر في ذلك بالقوانين الطبيعية والتجارب العلمية .

ومع أنّني لا أتفق مع الحرية المطلقة وأرى أن الحرية يجب أن تكون ضمن ضوابط إنسانية لكي تكون حرية ناضجة مسؤولة كما لا أؤمن بالحتمية التي تجعل الإنسان كالآلة المسيّرة بسلطة المجتمع مع إيماني بأنّ سلطة المجتمع أقوى على الإنسان من أن يمارس حريته ويمكنني أن ألمح إلى شيء في ثقافتنا العربية حيث نرى أنّ (الدين) يعدّ الإطار الجوهري السائد والذي يحتلّ الصدارة ممّا يجعل الخارج عن ذلك شاذاً عن القطيع ومع ذلك فهنالك ثلة قليلة خرجوا عن ثقافتهم السائدة وكان محورهم ( نقد الدين) وهم بذلك لم يخرجوا تماماً عن حدود الدين ولازالوا يتعاطون مع الثقافة الدينية ولذلك يقال : الفرد مهووس بما يمنعه عن نفسه فمحاربو الجنس مهووسون به ومحاربو الدين أكثر تعلّقاً بالدين.

لا أنفي بهذا المثال الحرية الإنسانية ولكنّي أشير إلى حقيقة قد تكون غائبة عن البعض وهي أنّ الحرية قد تكون مجرّد حيلة دفاعية لدى البعض ممّن يحاربون ما هم مهووسون به وبهذا تكون حريّة شكلية فقط ، وأضيف إلى ذلك أن الحرية – أيضاً - قد تُمارس في الخفاء ليكون الفرد حراً فيما يعتقد ويفكّر لكنه مجبر غالباً على أن يسير مع القطيع كيلا يكون العنصر الشاذ في تلك المجموعة وقد يمارس ذلك الفرد حريته في العلن مع دفع ثمن هذه الحرية التي يؤمن بها حينما تصطدم بثقافة المجتمع الذي يعيش فيه.

ولكي يخرج الإنسان من إطاره الذهني أو من صندوقه المغلق فإنه لابدّ أن ينفتح على أطر ذهنية مختلفة للخروج من صندوقه المظلم ويكون ذلك عبر الاطلاع والمثاقفة والمرونة وعدم التعصّب الأعمى بالإضافة إلى ذلك فإنه لا بدّ من النقد الناضج والتحليل المستمر والواعي لكل ما يتم اكتسابه أو تلقّيه فوجود الأنا الإنسانية مرتبط بالتفكير الذي يعي من خلاله الإنسان وجوده لذلك يقول ديكارت :( أنا أفكر إذاً أنا موجود ) وهذا يتفق مع (كانط) الذي ذهب إلى أنّ قيمة الإنسان مشروطة بالعقل . ويختلف عن ذلك ( جون لوك ) الذي أنكر وجود العقل المستقلّ مدّعياً أن العقل مكتسب باعتباره صفحة بيضاء ويتساوى في ذلك مع ( هيوم) ،ولكننا لا نتفق مع هذا الرأي الذي يجعل العقل ثانوياً .

ومن الأمور الأخرى التي تجعل الإنسان يخرج من إطاره الذهني المغلَق هو أن يبدأ بالتغيير بحريته الواعية التي يمكن أن نتفق فيها مع (سارتر) والتي تؤكّد على أن الإنسان قادر على تغيير تاريخه الذي هو جزء منه ؛ لذلك يقول غاندي في هذا السياق : ( كن أنت التغيير الذي تريد أن تراه في هذا العالم ) .

بهذا فنحن ضد ثقافة التأطير وضد تأطير الثقافة ،ومع الخروج من القوالب الجاهزة ،ولكن يجب أن يكون الخروج واعياً مسؤولاً ؛لتكونَ الحرية في مكانها وليكون العقل –هو- القيمة والغاية كما يشير إلى ذلك (كانط ) في منهجه العقلي .



* سلمان عبد الله الحبيب

الاثنين، 5 ديسمبر 2016

الإنسان كما صوروه لنا

سلمان عبد الله الحبيب



يُقال : إن الإنسان أفضل المخلوقات بما أوتي من عقل وحكمة وبما يتمتّع به من قدرة على كبح جماح غرائزه بفضل ذلك العقل وبما يتحلّى به من إنسانية تبعده عن شريعة الغاب .
ذلك العقل الذي تميّز به الإنسان هو الذي رأى (كانط)  في منهجه العقلي بأنّه الغاية التي يستمد منها الإنسان قيمته ويعرف من خلالها الخير والشر .
ولنا أن نتساءل : هل معرفة الخير والشر- التي أشار إليها كانط - تلزم الإنسان بعمل الخير والامتناع عن الشر ؟ ثم ما الذي يلزم الإنسان بالعمل أو الاجتناب وكيف يتم ذلك ؟  
وهل العقل الذي ميّز بين الخير والشر أو الحق والباطل يمتلك السلطة التي تدفعنا للعمل الخيّر واجتناب الشر أم هنالك سلطة أخرى ؟
لقد جاء الإنسان متأخراً في عمر الحياة على هذه الأرض بملايين السنين حيث سبقه إلى الوجود الكثير من الحيوانات التي انقرض بعضها وبذلك يكون الإنسان مجرّد ضيف جاء إلى أرض سكنها غيره من قبل.
ويا ترى ماذا فعل هذا الإنسان العاقل ؟ بالتأكيد ستكون الإجابة بأنه بنى وعمّر وأحرز تقدّما مادياً ملموساً وصنع وابتكر وجعل الحياة لعبة في يده . لكن لا يمكننا أن ننسى أو نتغافل – أيضا- عن كونه دمّر ما بناه وخرّب كل ما أسسه من تقدّم وحضارة وأصبح لا يقل بشاعة عما يحكم شريعة الغاب من وحشية وتنافس ورغبة في تحقيق المصالح الذاتية التي تشبع الأنا المريضة لتكون المبادئ مجرّد شعارات تتلى كجرعة تخدير للشعوب الكادحة  فأصبح الإنسان بذلك - كما يقول هوبز- ذئباً لأخيه الإنسان .
وعلى الرغم من أنّ الحيوان لا يملك عقلاً يميّز بين الخير والشر مع أنّه يسبق الإنسان في تعلّمه والاعتماد على نفسه إلا أن الإنسان الذي يملك ذلك العقل بما فيه من قدرات عليا اتبع خطوات الحيوان الذي تبرأ منه مع تفاخره بعقله ونسي أن العقل الذي أفسد لن يجعله متفوقاً على الحيوان إطلاقاً ؛ فالقيمة الإنسانية - كما يقول هيجل - تتحدّد بامتثال الإنسان للواجب الأخلاقي .
إنّنا لو تأمّلنا ملياً للحياة الإنسانية فإنّنا سنراها أشبه بعبثية (نيتشه) التي تتطلّب القوة لمصارعة الحياة والتغلّب على كل ما فيها من مصاعب وعقبات دون أن يكون للحياة معنى سوى أن تكون قويّاً فقط ، ولو أمعنّا النظر أكثر فأكثر فإنّنا سنتلاقى مع (فرويد) في نظرته للطبيعة البشرية القاتمة بحكم الحتميّة النفسية اللاشعوريّة التي تدفع بالإنسان لإشباع غرائزه وممارسة طبيعته الشريرة لولا سلطة المجتمع التي تدخله في صراعات وكبت وعقد نفسية .
إنّ العقل الذي يتباهى به الإنسان يميّز بين الخير والشر إلا أنه لا يلزم بشيء ولقد آمن كثير من المفكرين بأنّ هنالك سلطة خارجية يمكن أن تحكم السلوك دون أن يمتلك فيها الفرد الحرية المطلقة التي آمنت بها الوجودية وراهنت عليها فخسرت في نهاية المطاف من خلال واقعنا الذي نعيشه فـ(سارتر) الذي زعم بأنّ الإنسان إذا أعطي الحرية المطلقة فإنّه سيستخدمها في الخير باعتباره مسؤولاً ؛لم تكن سوى ضرب من الخيال ،ولم يكن إعطاء الإنسان ذاتيته باعتباره مشروعاً يمتلك الإرادة الحرة لأنّ وجوده يسبق ماهيته سوى تعميق روح الأنا ضد الآخر .
ويحضرني - في هذا السياق – تلك التجربة التي قامت بها (مارينا إبراموفيك) في سنة 1974 حيث وقفت ست ساعات متواصلة دون حراك ووضعتْ إلى جانبها السكين والمسدس والأزهار وتركتْ للجمهور الحرية في عمل ما يريدون دون ممانعة منها أو قيامها بأيّ ردة فعل ، فكان الجمهور يشاهدها في بداية الأمر ثم بدأت التصرفات العدوانيّة من خلال التحرش الجنسي ووخزها بأشواك الأزهار وتمزيق الملابس ومحاولة أحدهم قتلها بالمسدس لولا تدخّل أحد المتفرّجين وبعد انتهاء المدة المحدّدة تحركتْ ففرّ الجمهور ووصلت لنتيجة مفادها أن الإنسان إذا أعطي الحرية المطلقة سيتصرّف بكل عدائية وشر مهما كانت ثقافته أو جنسه أو عرقه مما يجعل وجود قانون يحكم الإنسان أمراً حتمياً .
وبعد هذا نقول بأنّ الحياة تشبه في عبثيتها شريعة الغاب .والقانون يمكن أن يحكم سلوك الناس ظاهرياً فقط ،كما أنّه موضوع بيد الإنسان الذي تحكمه نزعة الشر؛ لذلك لا يمكن الاطمئنان إليه بدرجة كاملة ؛مع أن وجوده ضرورة حتميّة ، أما بالنسبة إلى العقل فإنّه يقوم بالتفريق والتمييز بين الخير والشر دون أن يمتلك السلطة على الذات البشرية ؛لذلك يفرض القانون سلطته ،والإنسان يمتلك إرادة حرة محاطة بسلطة المجتمع والقانون والدين والغرائز الذاتية وتبقى حرية الإنسان ضمن ضوابط تحكمه ولو ظاهراً لتخفيف عبثية الحياة الإنسانية .


  • سلمان عبد الله الحبيب     

الاثنين، 31 أكتوبر 2016

الخيال في المنطقة الحرجة


سلمان عبد الله الحبيب
الخيال هو تكوين صور وأفكار جديدة غير مطابقة للواقع لكنّها تستمد عناصرها منه ،أو بمعنى آخر هو جمع عناصر مختلفة من الذاكرة لتكوين شكل جديد مبتكر ويشترك في ذلك جميع البشر. وهو عند الوجوديّين البديل للواقع حيث يمارس الفرد فيه حريته بخلق عالمه الجديد .
 ويمكن أن ينشأ ذلك الخيال عن التمنّيات أو المخاوف أو الهروب من الواقع أو الرغبة الجامحة في الحرّية والتمرّد على الواقع المعاش .
وقد ظهر الخيال في كل اللغات عبر المجاز والاستعارة بشكل يلتقي فيه مع الواقع تارة ، أو بشكل موازٍ للواقع تارة أخرى، كما كان جامحاً في بعض المذاهب الأدبية كالرومانتيكية والرمزية .
وهو لم يكن شيئاً طارئاً بل كان منذ فجر الإنسانية حيث ظهرت الأساطير وتوسّع شيئاً فشيئاً إلى أن أصبح عنصراً مهماً في الفن بل حتى في الابتكارات العلميّة التي جاءتْ نتيجة إعمال المخيّلة الذهنية .
والخيال الذي يقوم على الإبداع والابتكار كما هو في الفنون والاختراعات هو الذي أشار إليه ( آينشتاين ) بأنه أهم من المعرفة لأن المعرفة – حسب قوله – محدودة بما نعرفه ونفهمه بينما الخيال غير محدود، فهو العالم كله وكل ما سيتم معرفته وفهمه إلى الأبد وهو العلامة الأكيدة عنده – أيضاً - على العبقريّة .
وهنالك خيال آخر ، خيال لا يُعنى بالابتكار ، بل يدلّ على خلل عقليّ لدى الإنسان، حيث تظهر لديه تخيّلات ذهانيّة غير مرتبطة بالواقع من خلال الهلاوس والهذاءات كما هو عند مرضى الفصام أو البارانويا.
أولئك المرضى منفصلون عن الواقع ، يرون ويسمعون ويشمون أشياء لا وجود لها في الحقيقة . هم مرضى غير مدركين لواقعهم بل يرون أن خيالهم واقع ؛ فيعيشون في عالم افتراضيّ خلقه لهم عقلهم المريض ؛ لذلك هم في حالة تصادم جنونيّ مع عالمهم المليء بالمعاناة .
وإذا ابتعدنا قليلاً فإنّنا ندرك من زاوية أخرى خيالاً في المنتصف ، فهو ليس خيالاً إبداعياً خلاقاً وليس خيالاً ذهانياً . هو خيال يحدث للأشخاص الذين يتوّهمون المعجزات والكرامات لأنفسهم ويؤوّلون كل ما يحدث لهم بطريقة ميتافيزيقيّة ويرون الأمور الغيبيّة شيئاً مكشوفاً لهم دون حجاب ، وهم يسمعون نداءً إلهياً – كل حين - يأمرهم أو ينهاهم أو يُلفت انتباههم ، ويعيشون – جلّ حياتهم - على تأويلات الأحلام وإشارات الغيب التي يتواصلون بها في حياتهم ، ويأنسون في عالم الخوارق الخاص بهم وحدهم .
أولئك الأشخاص غير طبيعيّين ، لكنّهم ليسوا عصابيّين ولا ذهانيّين، وربما يحظون بحظوة كبيرة بين الناس ويتهافتُ إليهم الكثير للتزوّد منهم والتخلّق بأخلاقهم . هم أقرب إلى عصاب الوسواس القهريّ وأقرب – في الوقت ذاته - إلى الحالة الذهانية في أبسط صورها ؛ لكنّهم متصلون بالواقع غير منفصلين عنه ،ولا يبدو عليهم أنّهم مرضى .هم عند أهل التديّن أتقياء وعند التنويريّين العقلاء أهل جهل وخرافة .
هذا الخيال الأخير يقع في منطقة حرجة يلبس فيه أصحابه ثوب الدين ويعيدون به عصر الأسطورة أو سن الطفولة المبكّرة التي يختلط فيها الواقع بالخيال وممّا يزيد هذه المنطقة حرجاً هو أنّه يلقى رواجاً شعبيّاً في المجتمعات البسيطة .ويكون هذا النوع من الخيال هو الدين عند كثير من الخطباء في منابرهم ممن يلبسون الحق بالباطل ويقومون بتخدير الناس بجرعة أفيون من العواطف الكاذبة والخيالات المبالغ فيها وما يتبع ذلك من حكايات الأحلام وعالم الماورائيات.
ولقد أصبح العقل الجمعيّ يتحمّس لمثل تلك الأفكار ويهرب بها من واقعه في حالة استسلام تام ،ومن يخرج عن تلك الأفكار يكنْ شاذاً عن القطيع محارباً للمقدّس ، مما يوجب التخلّص منه والقضاء عليه .
من هنا يجب أن يفهم التنويريّ الذي يعيش بأفكار الحداثة الواعية أنّ جرعات الأفيون التي أخذها ذلك القطيع كانت متتالية ممّا أدّى بأصحابها إلى حالة إدمانٍ ليس من السهل إخراجهم منها إلا بصحوةٍ حقيقيّة يفيقون فيها من أثر المخدّر وهذا يتطلّب وعياً اجتماعياً ومسؤولية ثقافية على عاتق المثقفين جميعاً لا على فرد واحد يخوض حرباً خاسرة بالإضافة إلى أنّ ذلك يحتاج إلى نظام تعليمي يحفّز على النقد والتفكير ،ونهضة اجتماعية وثقافية وإعلامية تؤدّي إلى الصحوة التي تعيد العقل الجمعي إلى رشده ،وبدون كل ذلك فإنّ الطريق مسدود أمام هذه المنطقة الحرجة التي قد تجعلك نسياً منسياً .
 -------------------------------------------
* سلمان عبد الله الحبيب

الأربعاء، 7 سبتمبر 2016

قراءة المستقبل


سلمان عبد الله الحبيب
لن أقتحم المستقبل كما فعل (نوسترداموس) في رباعياته ،ولن أكون قارئ فنجان ولا منجماً يدّعي الغيب ولكنّي سأقرأ التاريخ قراءة فاحصة متمعنة وأنا أعلم أنّ من سنة التاريخ التغير وعدم الثبات فهو كما قال شوبنهاور:( التغيير هو وحده الأبديّ الخالد) لذلك فإن التاريخ لا يعيد نفسه مادام يسير في حركة حلزونية متطورة لذلك يقول هيجل :( يستحيل على البشر التعلّم من التاريخ ) .

وقبل أن أذكر ما يمكن أن يحدث مستقبلا فإني سأعرض شيئاً مما يمكن أن يكون إضاءة في حركة التاريخ المتطوّرة.

ففي الفلسفة الدياليكتيكية المثالية فإنّ "هيجل" يرى أنّ التناقض هو جوهر كل الظواهر وأنّ كل شيء يسير في تقدّم ونمو عبر الصراع والحركة وينتهي المطاف بهذه الحركة المستمرة إلى أن تصل إلى الكمال الذي يتمثّل في الروح المطلق ؛وهو بهذا ينظر للتاريخ نظرة متفائلة ؛ فما نراه من ضيق وصعوبة الآن فإنه تمهيد لحركة أخرى فأخرى عبر سلسلة من المتناقضات إلى أن يصل إلى الخلاص .

وبعيداً عن تلك النظرة المثالية للتاريخ ،فإنّ (ماركس) يصل عبر المنهج الدياليكتيكي نفسه الذي استفاده من "هيجل" إلى أولوية المادة في ماديته الجدليّة التي يعتبر فيها أنّ المادّة هي المحرّك للتاريخ ،مركزاً على صراع الطبقات، فيتحرّك المجتمع – عنده - من الرأسمالية إلى الاشتراكية منتهياً بالشيوعية التي هي نهاية حركة الصراع الطبقي على أيدي "البروليتاريا" . وهذه النظرة الماديّة الجدليّة تتماشى مع (الداروينيّة) في حركة التطوّر والانتخاب الطبيعي فأصبحتْ – بذلك- مادية ماركس تتناول الصراع الطبقيّ ، بينما نظريّة "دارون" تتناول التطوّر لطبيعي في الكائنات الحيّة والصراع من أجل البقاء.

ولن نفصّل في كل تلك النظريّات والفلسفات إلا أنّ ما يهمّنا منها هو حركة التطوّر التاريخي والطبيعيّ باعتباره نتيجة طبيعيّة وحتميّة .

وحسبّ تتبّعي واطلاعي على كثير من الحركات والاتجاهات فإني أستخلص مجموعة من القواعد التي تسير عليها حركة التطوّر في التاريخ الإنسانيّ وهي تتمثل في التالي :

-   التركيز على عنصر معيّن والانفراد به مثلما انفرد الصوفيون بالإحسان وفصّلوا فيه حتى أصبحوا مذهباً جديداً يضاف إلى المذاهب الأخرى .

-   الإبدال والتحويل كتحوّل عبادة الشمس وما حولها من كواكب إلى الإله وما لديه من أتباع يتحلّون بصفة القداسة.

-   النقض كما هو الحال في الرومانسية حينما نقضت الكلاسيكية أو ما حدث في البوذية حينما نقضت الهندوسية أو المسيحية في نقضها لليهوديّة أو ما يحدث لمجتمع ما بعد حالة من التشبّع حيث يتحوّل ذلك المجتمع مثلاً من اللهو والمجون والحرية المطلقة إلى الالتزام .

-   التعديل بما يتلاءم مع الواقع أو المفاهيم الشخصية كما حدث للشيوعية من تغيير فأصبحت هنالك الشيوعية اللينينية والشوعية الستالينيّة والشيوعية التحرّرية ،ومن الأمثلة الأخرى أيضا ما تم تعديله في بعض الأديان فظهر الدين الليبرالي أو الدين المدني حسبما يتلاءم مع العصر الحاليّ .

-   التغيير بعد ردود أفعال جمعيّة نتيجة ممارسات خاطئة كالإلحاد حينما جاء رد فعل على تصرّفات المتدينين وممارساتهم .

-   إعادة القراءة والتفسير كما حدث للمعتزلة في اعتمادهم على العقل في قراءة النص الديني بينما اعتمد الأشاعرة على النقل دون مبالغة في التحليل والتفسير وكذلك ما حدث من تفسير لأمور الجبر والاختيار فظهرت حركتان شهيرتان هما : (الجبرية والقدريّة) .  

-         الدمج بين مفاهيم مختلفة كما حدث في السيخية التي جمعت بين تعاليم الهندوسية وممارساتها وبين الإسلام .

-         تأثير السلطة السياسية في تغيير اتجاه فكري معين أو محاربته أو إيجاد مبررات لممارسات وأفكار معيّنة .

-   الإهمال نتيجة لعدم المناسبة للعصر أو لوجود بديل منافس مثل السبي والجزية والعبودية التي كانت سائدة في زمن ما بينما أصبحت اليوم من الممارسات الوحشية التي لا تمت للإنسانية بصلة ، ومثل ذلك ما يحدث في اللغة من اندثار لكلمات معينة لأنها لم تعد متناسبة مع الوقت الحاليّ مع وجود مفردات منافسة بديلة .  

-   التتابع واتساع رقعة النتائج وهو عبارة عن حدث ونتيجة ثم نتيجة أخرى لتلك النتيجة السابقة وهكذا حتى تتسع رقعة النتائج .

وأنا سأقف عند ذلك القانون الأخير الذي يتمثل في (اتساع رقعة النتائج)دون تكهّن مني أو تنجيم أو رجم بالغيب .

ويمكنني أن أنظر لتغييرات تاريخية قادمة من خلال المعطيات الحاضرة فعلى صعيد الأسرة مثلاً سنشهد انهياراً لهذه المؤسسة مع حدوث الطلاق والعزوف عن الزواج والعنوسة بسبب البطالة وقلة ذات اليد .

وعلى صعيد التجارة فإننا مقبلون على كساد تجاريّ عام بسبب ضعف القوة الشرائية نتيجة سوء الأحوال الاقتصاديّة وانشغال الناس بلقمة العيش .

وفيما يتعلق بالمجتمع فستظهر السرقات وجرائم الشرف وعودة الأعمال اليدوية والأعمال الإضافية وضعف الإقبال على الدراسات الأكاديمية مع ظهور الاضطرابات النفسية وحالات العنف والإرهاب والتمرّد وزيادة الهجرة إلى الخارج مما سيؤدّي إلى تغيير (ديموغرافي) كبير وبذلك ستكون المواطنة حيث يكون المال .

وفيما يتعلق بالطبيعة فستكون هنالك قلة في الموارد الطبيعية وستظهر المجاعات وسيموت الكثير من الناس لقلة الموارد وقلة ذات اليد .

وعلى صعيد الحاجات الإنسانية فستكون الأولوية للمادة وإشباع الغرائز والحاجة للأمن وتقلّ الحاجة للأمور الأخرى كالحاجة إلى التقدير وتحقيق الذات والحاجات الجمالية ونحو ذلك .

وبالنسبة للأديان فستكون على عدة أشكال منها الدين البراغماتي ذو النفع المباشر ، والدين الطقوسيّ الذي يكون انتشاره في البلدان الفقيرة وفي الأقليات ، والدين المدنيّ ، والدين الوحشي حيث سيصبح الصراع فيه بين الأديان وليس المذاهب وسيحمل فيه المسلم إرثاً تاريخيا انتقامياً والمسيحي و اليهوديّ أيضاً سيحملان مثل ذلك الإرث مما سيؤدي ذلك  إلى إرهاب دينيٍّ شاملٍ لا ينحصر في دين بعينه ،بالإضافة إلى كل تلك الأشكال من الدين سيظهر الإلحاد الذي سيكون منافساً قوياً للأديان .

وسيحدث على الصعيد الحضاريّ الصراع الضخم بين الحضارات ليكون البقاء للأقوى وفيما يتعلّق بالسياسة فستنهار الكثير من الدول العربية وسيشهد الشرق الأوسط تغيراً كبيراً في الخريطة الجغرافية بسبب النازيّة الأمريكيّة والغول الإسرائيليّ .

وسيتم صعود النظام الرأسماليّ الطبقيّ بالإضافة إلى صعود قوات جديدة كالهند والصين وستنقلب المعادلة عند العرب حيث ستكون العمالة الأجنبية - التي لديها الآن ممن تخدمهم في البيت وتوفر الاحتياجات الأساسية وتقوم بالأعمال الحرفية واليدوية والمهن البسيطة - سادة عليهم .

وستزداد أمريكا وإسرائيل في قوتهما وفي امتدادهما وطغيانهما ليكون السقوط أخيراً بعد استنفاد كل الفرص لأنهما ستكونان قد ابتلعتا كل شيء وليست هنالك من دولة ضعيفة تنتهزان الفرصة لخداعها واستنزاف أموالها بحرب أو فزّاعة ما ،وبهذا ستتآكل تلك الدول العظمى تدريجياً وسيكون نهاية التاريخ هي عودة المجتمع إلى حياة بدائية بسيطة لأنّ الحضارة الحديثة حملت معها بذور دمارها حقّاً وأرجو مما كتبته ألا يحدث منه شيء ولكن كما قال الشاعر : ( وما نيل المطالب بالتمنّي) ولعلّنا - إن لم أبالغ- سنشهد الأسوأ في عالم يتجه إلى الجنون في صراعه من أجل البقاء .

* سلمان عبد الله الحبيب


الأربعاء، 10 أغسطس 2016

الجمال بين الثبات والتحوّل


سلمان عبد الله الحبيب
حينما يبصر الإنسان الجمال ويشعر بلذة داخلية في أرجاء نفسه، فإنّه قد يقول بعاطفته التلقائية : (الله !) معبراً بهذه الكلمة عن مدى إعجابه بموضوع الجمال ، وقد تموت الحروف على شفتيه فينعقد لسانه فلا يحسن الوصف أو التعبير كما يقول الشاعر نزار قبّاني :

فإذا وقفتُ أمام حسنكِ صــــامتاً

فالصمتُ في حرَمِ الجمالِ جمالُ  

كلمــاتنا فـــي الحـــب تقتلُ حبّنا

إنّ الحروف تمـــوتُ حينَ تُقالُ

وقد يقول آخر على الطريقة الفلسفية الهيجليّة : ذلك رمزٌ للروح المطلق  ومقدّمة لموضوع ميتافيزيقيّ أسمى، أو يقول صوفي عارف : ذلك من تجلّيات الله ودليل للوصول إليه ، وقد يتأمّل أحدهم مدى التناسق والتوافق بين الأجزاء فيقول : ذلك وحدة منسجمة بعثتْ في النفس الإعجاب واللّذة لتناسق أجزائها ،وقد يجد البعض الآخر في ذلك الجمال فتنة تخرجه عن الصواب كامرأة عزيز مصر الذي شغفها حبّ يوسف فلامها النساء على ذلك وراودتْه هي عن نفسه، ومثل هذا ما قال فيه الحلّاج :

إلهـــي ليــــس للعشّاق ذنبٌ

ولكن أنتَ تبلـــو العاشـــقينا

فتخلق كلّ ذي وجـهٍ جمــيلٍ

به تسبي قلوب الناظــــــرينا

وتأمرنا بغضِّ الطرف عنهم

كأنّك مـا خلقتَ لنا عيـــــونا

وتلك النظرة السابقة هي التي تربط بين الجمال والإغواء فرأتْ في كل جمال غواية فأصبحت النساء حبائل الشيطان وأصبح أجمل الشعر أكذبه وأصبح الفنّ الذي يرتبط بالإصلاح والفضيلة ركيكاً وهي نظرة تختلف عن النظرة الصوفية أو الفلسفة الهيجيلية التي ترى في الجمال طريقاً نحو عالم آخر .

 وهكذا يبصر الإنسان الجمال ويختلف عن غيره في موقفه منه والتعبير عنه ولكنّ سؤالنا الأهم هنا : هل الجمال أمر ثابت أم هو أمر متحوّل ؟ أي هل يمكن لما نراه جميلاً أن نراه كذلك مدى الحياة أم أنّ ذلك قد يتغيّر ؟

وللجواب على ذلك فإنّنا نقول : إنّ الظروف والعوامل المؤدّية إلى الشعور بالجمال تتغيّر ولذلك فإنّ الجمال أمر متغيّر حتماً حيث تتغيّر ثقافة الإنسان ومعرفته وذوقه كما حدث للشاعر العبّاسيّ علي بن الجهم الذي عاش في بيئة بدويّة وذاق خشونة الصحراء وحينما قدم على المتوكل أنشده قائلاً :

أنتَ كالكلبِ في حفاظك للودِّ

وكالتيسِ في قراعِ الخطوبِ

أنتَ كالدّلوِ لا عدمناك دلواً

من كبار الدّلا كثير الذَّنُوبِ   ( الذّنوب : كثير جريان الماء )

وقد يبدو ظاهر هذين البيتين ذمّاً للخليفة إلا أنه - في حقيقة الأمر- مدح له بالطريقة البدوية ، فحينما أمر الخليفة لهذا الشاعر بدار على شاطئ دجلة - بعيداً عن خشونة البادية ليقيمَ فيها قرابةَ ستة أشهر مع توفير الغذاء وكافة سبل الراحة – جاءه بعد ذلك لينشده أبياتاً أخرى في غاية العذوبة حيث قال :

عيونُ المها بين الرصـــــافةِ والجســـرِ

جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري

أعَدْنَ لي الشــــــوق القديمَ ولم أكـــــنْ

سلوتُ ولكنْ زدنَ جمــــراً على جمـــرِ

سَلِمــــنَ وأسلمْــنَ   القلــــوب  كأنّمـــا

تُشَكُّ بأطـــــرافِ   المــثقّفـــةِ السُّمْــــرِ

وقُلــــنَ لنــا   نحــنُ   الأهِلّةُ    إنّمـــــا

تضيءُ لمــن يســري بليلٍ ولا تُقــــري

فلا بـــــــذلَ إلا مـــــــا تــزوّدَ ناظــــرٌ

ولا وصلَ إلا بالخيــالِ الذي يســــــري

فقال المتوكّل بعد سماع القصيدة : ( لقد خشيتُ عليه أن يذوب رقةً ولطافة ) .

وفي هذه القصة دليل على مدى تغيّر الذوق لتغيّر الظروف البيئية وما يتبعها من تغيّر للثقافة والمعرفة .

وليست تلك العوامل السابقة  فقط هي ما تؤدّي إلى تغيير شعورنا بالجمال، فهنالك عوامل أخرى منها الظروف النفسية ،كما يحدث للإنسان من اقترانات شرطيّة إذ يقترن شيء كان غير محبّب بذكرى جميلة أو موقف جميل فيصبح عندئذٍ جميلاً أو العكس .ومن تلك الظروف النفسية أيضاً ما يحدث من إسقاطات نفسية إذ يرى الفرد شيئاً ما جميلاً لأنّ نفسه مليئة بالجمال والتفاؤل ويرى الشيء نفسه قبيحاً حينما يكون مكتئباً حزيناً وبهذا فإنه يسقط مشاعره على موضوع الجمال .

ومن العوامل الأخرى المؤدّية للشعور بالجمال ما يحدث للفرد من الإحساس بالتشبّع، فالفرد يرى الشيء جميلاً حتى إذا تشبّع منه وتكرّر عليه مدة طويلة فإنّ شعوره يبدأ بالاضمحلال كما يحدث لنا حينما نعلّق لوحة فنيةً في المنزل وننبهر بجمالها فإذا تقدم بنا الزمن فإنّ هذا الجمال قد يتلاشى تدريجياً وقد يضمحل.

ومما يؤدّي لذلك التحوّل - أيضاً – تغيّر موضوع الجمال الناتج عن المدة الزمنية الطويلة فالمقتنيات الجميلة مثلاً تفقد جمالها تدريجياً مع تقدّم الزمن وكذلك المرأة الجميلة تفقد جمالها بشكل بطيء مع تقدّم العمر وهنا يكون التغيّر في موضوع الجمال نفسه .

وهنالك عامل مرتبط بالزمن وبالعامل النفسي معاً وهو ما يحدث للإنسان حينما يتقدّم به العمر حيث يرى في كل قديمٍ جميلاً لأنه يشبع لديه الرغبة في الماضي وما يحمله من قوة جسدية وعنفوان؛ فهو بذلك لا يحنّ إلى الموضوعات بقدر ما يحنُّ إلى ذاته في تلك المراحل المبكّرة من حياته .

ومما يؤدّي إلى هذا التغيّر عامل مرتبط بالفرد نفسه من خلال ( النظرة العاجلة ) أو (النظرة الأولى) فيبهرنا جمال ما من خلال نظرة خاطفة فلا نلمح التفاصيل ،بل نكون قد لمحنا جزءًا ما بانتقاء لاشعوريّ ،أو كنّا خلال تلك اللحظة الخاطفة في وضع نفسي جميل أو مليء بالشوق إلى التطلّع نحو موضوع الجمال ؛مما جعلنا ننبهر به، فإذا أعدنا النظر مرة بعد أخرى ؛فإنّنا نكتشف أنّ ما كان جميلاً لم يكن سوى وهم أو مجرد سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ،وهذا ما دعا الفيلسوف نيتشه - كما أعتقد-  للقول : ( إنّ أسمى أنواع الجمال ليس هو الذي يفتننا مباشرة ، بل الذي يتسلّل إلينا ببطء دون أن نشعر به ) .

من كل ذلك نخلص إلى أن الجمال بشتى أشكاله - دون أن نحصره في جمال الفن كما فعل هيجل – أمرٌ متغيّر لا يمكن الوثوق به مادامتِ العوامل المؤدّية إليه تتسم بالتحوّل وهذا ما يدفعنا إلى نتيجة أخرى أكثر جرأةً وهي أنّ الحب قد يتغيّر باعتباره نتيجة للشعور بالجمال ؛فما كان مبغوضاً لدينا لقبحه أصبح محبوباً لشعورنا -لاحقاً - بجماله ،وما كان جميلاً بالأمس أصبح اليوم قبيحاً يستوجب بغضه والنفور منه .
* سلمان عبد الله الحبيب

الاثنين، 8 أغسطس 2016

الجمال - رؤية تحليلية لطبيعة الجمال والحكم عليه


سلمان عبد الله الحبيب
 الجمال هو إحدى القيم الثلاث التي تناولتها الفلسفة وهي : (الحق والخير والجمال )، وهو بوابة السعادة التي يمكن أن يكون للإنسان منها نصيب والتي عبّر عنها (كافكا) بقوله :(من يحتفظ بالقدرة على مشاهدة الجمال لا يشيخ أبداً ) .

والجمال – أيضاً - هو التناسب والتوافق بين الأجزاء حسبما يرى أفلاطون والغزّالي . ويبدأ الأمر عبر الإدراك الحسي ثم يتم استشعار الجمال وتذوقه في كل ما حولنا إلا أنه يختلف عن الفن باعتبار أن الفن أمر حسيّ خالص بينما الجمال يتعلق بالجانب الوجداني . وقد تمّ تناول الجمال في الفلسفة الجمالية (الاستاطيقا) منذ بداياته الأولى في العهد اليوناني إلى يومنا هذا ؛ولكنّني سأنحو نحواً آخر، حيث سأوسّع دائرة البحث في موضوعات الجمال وأحاول تناول الطبيعة الجمالية وكيفية الحكم على الجماليات المختلفة بشكل أدق لعلّي بذلك أكون قد ساهمت في إضافة شيء لهذه الفلسفة الإنسانية .

الجمال غير محصور في الفنون بمختلف أنواعها من رسم ونحت وموسيقى وأدب ونحو ذلك بل يمكن أن نلمح الجمال في المقتنيات الحسية أو في الطبيعة أو في الثقافة ،كما يمكن أن نلمحه  في الأخلاق كما أشار إلى ذلك (جون ديوي)، بالإضافة إلى ذلك فإنّنا قد نلمح الجمال في الطرف الآخر كجمال المرأة بالنسبة للرجل مما جعل  الشعراء في هذا الجمال الأخير  يتغنّون بمحبوباتهنّ في شعر غزلي بديع أدّى ذلك إلى أن  يتلاقى موضوعان للجمال هما الشعر والمرأة كما أضيف لهما موضوع ثالث وهو الجمال الأخلاقي عبر الغزل العذري ثم التصوف والعرفان .

ولكن كيف لنا أن نحكم على أمر ما بالجمال ؟ وما مصدر ذلك الإحساس ؟

لقد رأى اليونانيون بأن الإله هو المثال الأسمى للجمال وهو الذي أودع هذا الإحساس في البشر ومثل هذا الرأي ما ذهب إليه الفيلسوف هيجل الذي يعدّ الجمال الذي نشاهده من تجلّيات الروح المطلق .ويتفق الرأيان السابقان مع النظرة الصوفية للجمال باعتباره – حسب فلسفتها - من تجليات الله التي تمهّد الطريق للوصول إليه .وتلك النظرة الوجدانية قد تسرّبت - حسب رأيي -  في مختلف الثقافات البشرية بشكل لا شعوريّ وهذا ما يدعو جميع الناس - بمختلف ثقافاتهم حينما يبصرون الجمال - لقول كلمة واحدة بأعلى أصواتهم هي : (الله)، وكأنهم يختصرون النظرة الصوفية أو العرفانية أو النظرة التي تذهب إلى وحدة الوجود حيث يرون في الشيء الجميل الذي أثار إعجابهم تجلياً من تجليات الله وطريقاً للوصول إليه من خلاله ؛لذلك قالوا بتلقائية تامة كلمة ( الله ) ليعبروا عن وجود الله في ذلك الجمال ولعلّ كلمة أفلاطون تكشف عن ذلك في قوله : كلما شاهد الإنسان جمالاً تذكّر جمال الله .

وذهب (إيمانويل كانط) إلى نسبية الجمال لتعدّد الأذواق بين الناس وهو في هذا يذكّرنا بفلسفة (إيليا أبي ماضي ) حين يقول :

ربّ حسن عند زيدٍ هو حسنٌ عند بكرِ

فهما ضدانِ وهْو وهمٌ عند عمْـــــروِ

فمن الصادق فيما يدّعيه ليت شعري

ولماذا ليس للحسن قياس؟!

لست أدري !

وهنالك من يرى أنّ الجمال ينبع من الداخل وليس من الخارج وفي ذلك يقول (إيليا أبو ماضي) :

أيُّ هذا الشاكي وما بكَ داءٌ

كن جميلاً ترَ الوجود جميلا

وهذه النظرة هي التي عبّر عنها (رالف إيمرسون ) بقوله : ( نجوب العالم بحثاً عن الجمال ولا ندري أنّنا يجب أن نحمله بداخلنا وإلا لن نجده أبداً ) .

ولن أخوض في كثير من الآراء والأقوال لأكشف عن مصدر الحكم على الجمال لذلك فإني أجدُ نفسي مضطراً لأبيّن وجهة نظري في كيفية الحكم على كل جميل يستهوينا من خلال عدة أمور منها ما يُعرف بالإسقاط النفسي حيث إننا نرى الشيء جميلاً حينما نكون في لحظة جميلة ونراه عكس ذلك حينما نكون تعساء وهذا ما دفع البعض للقول بأنّ مصدر الجمال داخليّ ولكن ليس هذا الأمر هو الشيء الوحيد الذي يجعلنا نحكم على الشيء بالجمال فهنالك عوامل أخرى منها التنشئة الاجتماعية والثقافية والأسرية بالإضافة إلى رصيد الفرد الفكريّ ومعلوماته الثقافيّة .

وقد يدفعنا للحكم على الجمال ما يحدث من اقتران شرطيّ حسب المدرسة السلوكية حيث يقترن المثير الخارجي بشيء محبّب ممّا يدفعنا للإحساس بجماله كما يحدث للفرد حينما يستعذب قطعة موسيقية عند ارتباطها بذكريات جميلة أو حينما يستشعر جمال نص أدبي لاقترانه بمناسبة جميلة وهكذا .

ولا يمكننا أن نغفل أمراً آخر وهو ما يحدث عند الفرد من مقارنة داخلية بالنموذج أو المثال فيرى أنّ تلك المرأة قبيحة لأنّ لديه صورة مثالية في عقله للمرأة الجميلة وهو يرى أنّ هذه اللوحة الفنية في غاية الجمال لأنها تتطابق مع الصورة النموذجية التي حملها في عقله عبر مشاهداته ومعلوماته وما اكتسبه من ثقافة وما استنتجه من أفكار .

وفي الحقيقة هنالك جانبٌ فطريّ عند الناس يمكن الاتفاق عليه كجمال الطبيعة مثلاً بالإضافة إلى أن هنالك جانباً يكتسبه الفرد من خلال التنشئة أو الدراسة أو التربية أو نحو ذلك وجانباً نفسيّاً خاصاً بكل فرد من خلال إسقاطاته أو ما حدث له من اقترانات شرطية أو من خلال النماذج التي أرشفها في عقله الباطن وبهذا نخلص إلى أنّ الحكم على الجمال أمر داخليّ ومكتسب ولا يمكن لنا أن نختزل الجمال في جانب واحد وإلا جانبنا الحقيقة والصواب.


 * سلمان عبد الله الحبيب

الأحد، 3 يوليو 2016

لماذا يتوحّش المسلمون ؟

سلمان عبد الله الحبيب
كلنا شاهد في الأفلام السينمائية (دراكولا) ؛ذلك الإنسان الذي يتحوّل إلى وحش يعيش على امتصاص دماء الآخرين ،ومع أنّ تلك الأفلام استوحتْ هذه القصة من واقع فعليّ للأمير الروماني الكونت (فلاد) الذي كان يُقاتل بوحشية لا مثيل لها حتى قُتِل في نهاية المطاف على أيدي العثمانيين ؛إلا أنّ واقعنا الذي نعيشه اليوم أكثر شبها بقصة (دراكولا) السينمائية من قصة الكونت (فلاد)حيث نرى إنساناً ينسلخ من إنسانيته ليتحوّل فجأة إلى وحش قاتل لا يعرف الرحمة باسم الدين .

إننا نرى المسلمين اليوم قد شوهوا دينهم وأفسدوا فيه كل الفساد ،وأفرزوا الرعب والخوف من كل مسلم مما اصطُلح عليه مؤخراً (إسلاموفوبيا) وجعلوا من دينهم أداة قتل وسفك للدماء بشكل يتعدّى فيه أفلام الرعب التي نشاهدها في السينما الغربية .

ولكن ما الذي جعل هؤلاء المتدينين يتحوّلون إلى قتلة دمويين كمصاصي الدماء لا يفرقون بين أب أو أم أو أخ أو أي إنسان قريب أو بعيد؟!

الذي دفعهم إلى هذا التوحش عدة أسباب من أهمها الخلل الفكري الذي يتشبّع فيه أولئك الشباب من شيوخهم الذين يقدّسونهم ويثقون في كلامهم دون نقد أومن خلال ما يقرؤون من كتب أو ما يسمعون من خطب حيث يتم شحن هؤلاء الشباب بجملة من الآيات التي تحرّض على القتل دون اعتبار للسياق التاريخي أو الظروف أو نحو ذلك فيأخذون بمثل هذه الآيات في القرآن الكريم :

{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }البقرة216

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ }البقرة246

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً }النساء77

{وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }الأنفال16

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ }الأنفال65

{وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ }البقرة191

{وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً }النساء89

{وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }آل عمران169

{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} التوبة 29

{فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ }محمد 35

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السبيل }  الممتحنة 1                                                                                              

{إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ }الأنفال 12

{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }الأنفال 39

{فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} محمد 4

{قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ}  التوبة 14

{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } المائدة 33

{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ }  البقرة 193

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المتقين } التوبة 123

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ  وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة: 23، 24].  

وهنالك شواهد من السنة النبويّة يأخذونها بعيداً عن السياق أو صحة التفسير أو صحة الحديث أو نحو ذلك ومن أمثلتها ما يروى على لسان النبي :

( لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ وَبُعِثْت بِالْحَصَادِ وَلَمْ أُبْعَث بِالزِّرَاعَةِ ) ،(لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَإِنَّ     
 أَصْحَابِي أَسْلَمُوا مِنْ خَوْف اللَّه وَأَسْلَمَ النَّاس مِنْ خَوْف السَّيْف
)   ، (جُعِلَ رِزْقِي تَحْت ظِلّ
 رُمْحِي
..) ، ( أنا الضحوك القتال ) ، ( أمرتُ أن أقاتل الناس ) .

وهنالك الكثير من كتب المتأخرين الذين يضعون تصوّرهم عن الإسلام ورؤيتهم الخاصة فيأمرون بالعنف والقتال وسفك الدماء .

وكل تلك المفاهيم المشوّهة التي لا تتلاءم مع الفطرة الإنسانية السليمة كفيلة بأن تجعل الإنسان مجرماً باسم الدين .

وليس هذا فحسب هو ما يجعل المسلم متوحشاً بل هنالك أسباب أخرى منها العزلة التي يعيشها المتدين حيث يصبح في عزلة فكرية واجتماعية من خلال رؤيته لنفسه أنه الحق المطلق مما يمهّد الطريق له لتكفير الآخرين وبالتالي يمهّد لقتالهم .وبالإضافة إلى تلك العزلة هنالك عزلة أخرى أشد خطراً حيث يعتزل فيها ذلك المتدين الدنيا باعتبارها لهوا ولعباً ولا ينظر إلا إلى آخرته فيصبح بذلك غريباً عن عالمه وكأنه لا ينتمي إليه مما يجعله يتطلّع إلى الآخرة التي فيها الظفر بالشهادة والحور العين ويكون ذلك من خلال تطهير الأرض من الفساد الذي يراه فيها وتكون النتيجة قتلاً وتدميراً لا تطهيراً كما يدّعي هو وأمثاله .

ومما يؤدّي إلى هذه الوحشية ما يحدث للمتديّن من محاولة استخدام المبررات والحيل الشرعية التي تميت ضميره وهي حيل دفاعية لا شعورية تجعل المتدين يقتل ويخرج من قتله بمبرّر شرعي ويتلاعب بالأعراض فيجد لذلك حيلة شرعية ويمكنه إعطاء ذلك مسمّى آخر ليخرجه من الحرّج وبالتالي تموت الإنسانية فيه بموت ضميره وكل ذلك يحدث باسم الدين ويأخذ صفة القداسة .

ويمكننا أن نلمح لأمر مهم في أسباب هذا التوحّش وهو وجود العدوان داخل كل منّا باعتباره غريزة متأصلة فينا كما يشير إلى ذلك فرويد في تحليله النفسي .والذي يستثير هذه الغريزة العدوانية ما يراه الفرد من تحريض عبر الخطب ووسائل الإعلام وما يشاهده في القنوات الفضائية من قتل وذبح بلباس طائفي وما يراه في المقابل من شهادة وفوز بالجنة والحور العين والنعيم الأبديّ.

ومع أنّ كل تلك الأسباب منطقية لحدوث مثل هذا التوحش الدمويّ إلا أنّ البعض قد يتساءل هل ذلك يكفي لحدوث مثل هذه الظاهرة الدموية ؟!

فأقول بملء الفم كل ذلك يمثّل استعداداً للانفجار وهو بمثابة إعداد قنابل موقوتة تنتظر انفجارها في اللحظة الحاسمة وهي كمن يقول له الطبيب إنّ لديك استعداداً وراثياً للإصابة بمرض السكر مثلاً ؛ لذلك فإنّ هذا الاستعداد يحتاج لأسباب مفجّرة فما هي تلك الأسباب المفجّرة يا ترى ؟! إنها المشكلات الأسرية والنفسية وما يعيشه الشباب من البطالة والإحباط والإدمان بالإضافة إلى قلة وعيهم وتحليلهم لما يتلقّون من أفكار لغياب الحس النقدي والتحليل الفكري .

ومع ازدياد فئة الشباب في عالمنا العربي - ممن يعيشون حالة الضياع داخل أسرهم أو داخل مجتمعهم مع طاقاتهم التي لا تجد منفساً طبيعياً لإخراجها بالإضافة إلى ما يعتريهم من إحباطات مادية وأسرية واجتماعية – نجدهم يستسلمون لمن يحتضنهم ويداعب مشاعرهم بقصص فانتازية عن العالم الآخر وما ينتظرهم من نساء وموائد وأنهار وثمار يانعة وغلمان يقومون على الخدمة ،وما يحلّون فيه من أساور من ذهب وما يلبسون فيها من حرير وغير ذلك مما يجعل هؤلاء الشباب مقبلين على الموت هرباً من حياتهم البائسة فخسروا بذلك الدنيا والآخرة .