الاثنين، 21 ديسمبر 2015

السعادة بين التصور الذهني والواقع المعيشي


سلمان عبد الله الحبيب
السعادة مطلب الناس جميعاً . وكلٌّ يغرّد حسب طريقته وفهمه ،ويسعى للحصول عليها في نهاية المطاف . وقد يبدو هذا الموضوع سهلاً للوهلة الأولى ؛إلا أنّ الأمر ليس بهذه البساطة ؛حيث يمكننا التساؤل حول طبيعة السعادة :هل هي متحققة بالفعل أم مجرّد أمنيات ؟ وهل هي ثابتة أم نسبية ؟ وهل السعادة – ياترى - جسدية أم ذهنية ؟ كما يمكننا أن نتساءل :هل هي دينية أم أخلاقية وهل هي داخلية أم خارجية ؟ وكيف يمكن أن تتحقق ولماذا نسعى إليها وهل هي غاية في ذاتها أم وسيلة لشيء آخر ؟ وهكذا ندور في فضاء متسع من التساؤلات التي قد يصعب حصرها .

وقد اختلفت السعادة في مفهومها ،وتفسير حقيقتها ،عند الفلاسفة والمفكرين ،كما كانت للأديان آراء مختلفة ،بالإضافة إلى اختلاف العلوم الإنسانية ،وكذلك الثقافات الاجتماعية ،والنظرة الشخصية لكل فرد .

وتجاوز هذا الاختلاف حدود الوجهة التي يُفسَّر من خلالها مفهوم السعادة ؛فيختلف الفلاسفة وهم في حقل واحد، كما يختلف المتدينون أيضاً ،وتختلف كذلك العلوم الإنسانية والثقافات المتعدّدة ،بالإضافة إلى اختلاف نظرة كل فرد حسب حاجاته الشخصية.

ونجد هذا التباين في الفلسفة حيث يرى سقراط أن القناعة والانقطاع عن اللذائذ هو ما يحقق السعادة ويزكي الروح ،بينما يعارضه في هذه النظرة أنتيفون ويرى أن تلك النظرة تؤدي لتعاسة الإنسان وشقائه لا إلى سعادته وابتهاجه .

ويرى أفلاطون أن السعادة تتمثّل في اتباع الفضيلة ،أما أرسطو فالسعادة عنده في تحقيق الخير المطلق ، وهو يفرّق بين ثلاثة أنواع من السعادة وهي السعادة الحسية المتمثلة في الطعام والشراب والجنس ويشترك فيها الإنسان مع الحيوان وهذه سعادة وقتية سرعان ما تزول ، وهنالك سعادة سياسية أو عمومية وتكون لأصحاب المراكز السياسية بما يحصلون عليه من تمجيد وتقدير ،وهذه أيضا سعادة وقتية سرعان ما تزول بمجرّد افتقاد أولئك السياسيين لمناصبهم ، والسعادة الأخيرة في نظره هي السعادة العقلية التي تهدف - من خلال الحكمة والمعرفة - إلى الفضيلة التي هي بين رذيلتين أو بين إفراط وتفريط .

ويرى الفيلسوف (كانط) صاحب المنهج العقلي بأنّ السعادة هو المثل الأعلى المطلق في التصوّر الذهني الذي يصيب منه المرء شيئاً يرتبط بحدود تجربته المحدودة من خلال سعيه لتحقيق الخير الذي ينهي الصراع بين الأهواء والضمير وهذه نظرة أخلاقية تجعل من الإنسان يسعى للخير دون النظر للثواب والعقاب بل يعمل الخير باعتباره واجباً عقلياً .

والسعادة في نظر (أبيقور)  تتمثل في تحقيق لذة النفس والجسد معاً ،من خلال تحقيق المنفعة الذاتية بشرط الاعتدال والقناعة التي لا يقصد بها التقشّف . وليست كل لذة مقبولة عنده حيث يرفض بعض اللذات التي  تؤدي لآلامه وشقائه كما يرى أنّ الصبر على الآلام يحقق السعادة بعد أن يتخطّاها ويحصل على مراده .  

وشوبنهاور ينظر للحياة بسوداوية فيراها مجرّد آلام وشقاء وما يحدث للإنسان من بهجة فهي مجرّد لذة عابرة ،وهذا يذكّرنا بقول الشاعر :

حلاوتها ممزوجة بمرارة / وراحتها ممزوجة بعناءِ

 أما (ديفيد هيوم ) فالسعادة من وجهة نظره تكون بتهذيب الذوق لاستشعار الفن والجمال وهنالك فيلسوف آخر يدعى ( أندريه لالاند) يجد أن السعادة إشباع لحاجات الفرد ورغباته .

ومن الفلسفات ما ترى أنّ اللذائذ الحسية هي التي تؤدي إلى السعادة وهنالك فلسفة أخرى ترى أن السعادة تتحقق في امتثال الإنسان للقانون الطبيعي الذي يمثل الإرادة الكلية فيقبل الإنسان الموت والمرض وما يحدث من كوارث طبيعية بالإضافة إلى استجابته لنداء الطبيعة في تلبية رغباته وحاجاته دون أن يمتثل لسيطرة الآخرين التي تعارض حقه الطبيعي .وقد ظهرت في عصر النهضة فلسفة أخرى ترى أن السعادة مجرّد وهم لا يمكن أن يتحقّق .

وهنالك نظرة فلسفية مرتبطة بالدين كالتي يراها ( توما الأكويني ) حيث يقول بأن السعادة المطلقة هي ما يمكن أن يحصل عليه الإنسان في الحياة الأخرى أما في الدنيا فلن يجد سعادة كاملة وهي تشبه نظرة (ابن مسكويه ) الذي يرى أن السعادة تكون بتطهير الروح من خلال التعلق بالله وهذه سعادة الحياة الأخرى، أما سعادة الدنيا فتتمثل عنده في الحفاظ على الجسد بإبعاده عن المحرّمات وتنميته بالحدود المشروعة.

والسعادة في الفلسفة الوجودية تكون بالحرية الفرديةّ والإرادة المستقلّة وتحقيق الرغبات وكل ما يحقق من خلاله الإنسان وجودَه الذي سبق ماهيته وهويته.

والسعادة في الأديان تكون بتطهير الروح والالتزام الأخلاقي، ففي البوذية تتحقق السعادة في البعد عن اللذات والشهوات والانقطاع عن كل ما يربطنا بالحياة والزهد فيها ليصل الإنسان إلى السعادة المطلقة وهي (النيرفانا) أما في الهندوسية فهي انقطاع وزهد من أجل انعتاق الروح للوصول إلى إلههم (براهما) بعيداً عن عالم المادة بما فيها من شقاء وبؤس وتناسخ للأرواح. وفي التراث الصوفي ما يشبه ذلك حيث تتحقق السعادة بالانقطاع عن الدنيا والزهد فيها للوصول من إلى لحظة الكشف والتجلّي التي يكون فيها الإنسان مرتبطاً بواجب الوجود أو متحداً بالمطلق اللامتناهي. وفي الأديان الإبراهيمية - خارج إطار الفلسفة - فإن السعادة تتحقق بالالتزام بالأوامر الإلهية واجتناب المحرّمات والالتزام بالعبادة والطاعة المطلقة والعبودية الخالصة لله .

وفي الفلسفة الإسلامية نظرة مختلفة للسعادة فيرى الفارابي أن السعادة تكون بالعقل والمنطق لتمييز الحق من الباطل بالإضافة إلى الابتعاد عن اللذات الحسية .وابن سينا في فلسفته الإسلامية يرى أن السعادة تكون بتطهير الروح والابتعاد عن الملذات الجسدية .والسهروردي وهو فيلسوف صوفي يرى أنّ السعادة تتحقّق بتصفية الروح والوصول إلى لحظة الكشف والاتصال بالذات الربّانية وابن عربي يرى أن السعادة ليست بالعقل وليست بالحس ولكنها تتحقق بالوجدان للوصول إلى التجلّي والاتحاد في المطلق ويتخذ الغزّالي موقفاً مماثلاً في فلسفته الصوفية حيث يرى أن السعادة تتحقّق في الخلوة والانقطاع عن الدنيا والوصول إلى الذات الربانية ؛وبذلك تتفق الفلسفة الصوفية في نبذ الملذات الحسية والدنيوية والالتزام بالانقطاع وتزكية الروح والحس الوجداني للوصول إلى درجة يتعدّى فيها الإنسان عالم المحسوسات ليدخل إلى عالم الغيب فيكون بالنسبة له لحظة كشف وحضور .

وفي الفلسفة الصينية يطالعنا الفيلسوف ( كونفوشيوس) الذي يرى السعادة في تحقيق الإنسانية الخالصة بما يقتضيه الواجب الأخلاقي بينما يختلف معه الفيلسوف (لاوتزو) الذي يشبه في رؤيته النظرة الصوفية حيث يرى بأن الكون في حالة حركة مستمرة بين (الين) و(اليانج) وعلى الإنسان ليكون سعيداً أن يركن إلى حالة السكون (اللافعل) فيتخلى عن العلم والمعرفة والسيطرة والشهوات ويتحلى بالضعف والتواضع والسكون ليتحد بالطاو الذي يمثل المطلق فيكون هو المطلق بعد فنائه فيه وبهذا فهو يمثل العودة إلى الطبيعة والحالة البدائية التي تحارب المدنية وضجيج المنافسة والسيطرة .

والسعادة عند العامة - بعيداً عن التعقيدات الفلسفية  - هو تحقيق ما يحتاجه الإنسان والحصول على أمنياته وكل ما ينقصه فالفقير يرى سعادته في امتلاك المال والمريض يرى سعادته في صحته والضعيف يرى السعادة في القوة والمشتاق يرى سعادته فيمن يشتاق إليه إلى غير ذلك مما يحتاج إليه الإنسان .

والسعادة في العلوم الإنسانية تنحو منحى آخر فهي تحقيق الصحة النفسية أو التوافق النفسي بين الذات والغير أو تحقيق الأهداف حسب القدرات والإمكانات أو هي تحقيق الحاجات الإنسانية حسب هرم ماسلو أو هي إطلاق للرغبات والغرائز حسب نظرية التحليل النفسي .

وحينما نعيد النظر فيما سبق من آراء ندرك مدى تعقيد الحياة الإنسانية وندرك أنّنا أمام أمر جادّ يحتاج بالفعل إلى تأمّل ودراسة ويمكنني القول بأنّ السعادة ذاتية وجسدية ونفسية لكنّها ليست في الزهد والتقشّف والحرمان وإلا كان الفقراء والمحرومون من أسعد الناس وقد حاربت الأديان الأثرياء لأنهم كانوا ضدّها وليس لأنّ الثراء يجلب التعاسة بالإضافة إلى أنّ كثيرا من الأديان يعتمد فيها رجال الدين على عطايا الناس من طعام وشراب ونحو ذلك كما هو عند الهندوسيين أو البوذيين وغيرهم ممّا يجعلهم يرون في فقرهم سعادة وهذا منافٍ للحقيقة بل هو مجرد خداع للذات يتخذه هؤلاء باعتباره حيلة دفاعية لاشعورية تجاه معاناتهم .

وليست السعادة في الضعف والسكون إذ لا يمكن أن نجلب السعادة مما يؤدي إلى الشقاء إلا إذا كان البعض منّا يتمثّل في ذلك بقول الشاعر أبي نواس :

( دع عنك لومي فإنّ اللومّ إغراءُ / ودواني بالتي كانت هي الداء )

حيث جعل دواءه في دائه وصحته في مرضه وهذه الدعوة للضعف هي ما جعلتْ الفيلسوف (نيتشه) ينقم على الأديان التي أسستْ في نظره للضعف وجعلت الناس كقطيع الأغنام وأنتجتْ أخلاق العبيد داعياً في ذلك للقوة التي يجب أن يتحلّى بها الإنسان . كما لا يمكننا أن نتصوّر السعادة بالانقطاع عن الدنيا والعزلة والرهبانية وكل ذلك مجرّد هروب وهو أيضاً حيلة دفاعية يلجأ إليها الإنسان حينما يواجه المسؤوليات والأعباء فيضطر للهرب منها خوفاً من مواجهتها ثم يلبسها ثوب القداسة ليجعل لها مبرراً قوياً يرضي به ذاته إلا أنّ الهروب يظلّ أمراً سلبياً وخوفاً من مواجهة الواقع فالهارب برهبنته كالهارب نحو المخدّرات أو المسكرات ويحضرني هنا قول الشاعر إيليا أبي ماضي في وصفه للرهبان :

أيها الهارب إن العار في هذا الفرارِ

لا صلاحٌ في الذي تفعل حتى للقفار

أنتَ جانٍ أيُّ جانٍ قاتل في غير ثارِ

أفيرضى الله عن هذا ويعفو ؟

لست أدري !

ويقول أيضاً في رده عليهم :

إنْ تكُ العزلة نسكا وتقى فالذّئب راهبْ

وعرين اللّيث دير حبّه فرضٌ وواجبْ

ليت شعري أيميت النّسك أم يحيي المواهبْ

كيف يمحو النّسك إثما وهو إثم؟..

لست أدري!

وليست السعادة في العقل كما يروّج بعض المفكرين فكثير ممّن يجهد عقله بالتفكير يعيش حالة تعاسة يحسد من خلالها أولئك الذين لم يتمتعوا بالعقل كما يقول المتنبيّ :

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله

وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ

وليست السعادة أيضاً في تحقيق اللذائذ الحسية فكثيراً ما يشعر الإنسان برفضه لتلك اللذائذ بعد تشبّعه منها إن لم يعتدل فيها ويضع لها ضابطاً قيمياً .

وأنا بهذا قد أصبت القارئ بحيرة حيث يسأل إذاً ما هي السعادة ؟ فأقول : السعادة تبدأ من الداخل من خلال تحقيق المنافع الذاتية والحاجات الإنسانية مع الاعتدال بالإضافة إلى السعي نحو الأهداف من خلال تحدّي العقبات وبهذا تكون السعادة دائمة لكنّها لا يمكن أن تكون متصلة فهي سلسلة من التحديات تحتاج إلى الصبر لتحقيق الهدف الذي يؤدي بدوره إلى تحقيق السعادة ويمكننا بهذا أن نقول بمعنى آخر تكون السعادة من خلال شعور الإنسان بالنقص في طبيعته الإنسانية ومحاولته سد هذا النقص بصبره ومثابرته ،وكل إنسان - بهذا المفهوم -  ناقص يحتاج إلى شيء يكمّله فيسعى لامتلاك المال إن كان فقيراً ويسعى للحصول على الصحة إن كان مريضاً ويسعى للدراسة والتعلّم إن كان جاهلاً ويسعى للزواج إن كان عازباً ولكن يجب أن يراعي في تحقيق أهدافه النظر لإمكاناته وقدراته وبذلك تكون السعادة نسبية إلا أنها تتفق في حقيقة واحدة هي تعويض النقص ويمكننا أن نجمل كل ذلك في تعريف السعادة بأنّها تعويض للنقص بشرط أن يمتلك الإنسان القوّة والصبر ومراعاة حقيقة إمكاناته وقدراته ليدرك هدفه ويصل إلى السعادة بعد ذلك ثم يبحث عن هدف آخر ليتحدّى فيه كل العقبات لتحقيق الهدف والسعادة وهكذا يكون الإنسان في سلسلة متقطعة من السعادة وهذا ما يجعلنا نشعر بها؛ لأنها تأتي بعد المعاناة والألم ولولا ذلك لم نعرف السعادة لأن الأشياء تُعرف بنقائضها ونضيف لهذا المفهوم مفهوماً آخر يؤدّي للسعادة وهو تحقيق الفضائل الإنسانية باعتبارها واجباً عقلياً وأخلاقياً وبهذا يكون فكر الإنسان نقياً ويرى الأشياء من خلال إنسانيته ممّا يجعله إنساناً بما تحمله هذه الكلمة من معنى ونقول له بما قاله الشاعر : ( كن جميلاً ترَ الوجود جميلاً )  .

* سلمان عبد الله الحبيب

الخميس، 10 ديسمبر 2015

الحقيقة بين الوعي الفردي والامتثال الاجتماعي


سلمان عبد الله الحبيب
كلنا نمتلك المعلومات والمعارف المتراكمة التي تزداد يوماً بعد يوم ،ولكن كيف اكتسبنا كل تلك الأفكار ؟!هل سعينا بالبحث والتأمل والتدقيق للوصول إليها أم توارثناها جيلاً بعد جيل من البيئة التي ننتمي إليها أو أخذناها من خلال جماعتنا المرجعية التي تؤثر في قراراتنا ومحتوى أفكارنا؟!

وهل الحقائق التي اكتسبناها أنا أو أنت كانت عبارة عن استنتاجات شخصية بحتة أو عن تجربة ذاتية أو هل هي بمعنى آخر نابعة من الذات كما يرى ذلك الوجوديون ؟ أم كانت مسلّمات فكرية تأتي من الخارج لنذعنَ لها دون أدنى تفكير فيها ؟!

كل تلك التساؤلات قد تورطنا في طبيعة الحياة الإنسانية التي ينزّهها الإنسان وينظر لها نظرة إكبار ويراها أعظم من الحياة الحيوانية نظراً لما أوتي الإنسان من عقل وإرادة حرة ،إلا أنّنا قد نخيب آمال الكثير من الناس حينما يجدون أنّ العقل الجمعي يقوم بتسيير الفرد بشكل يصعب مقاومته في كثير من الأحيان وقد أجريت عدة تجارب في هذا المجال تبيّن مدى تأثير المجموعة في أفكار الفرد وسلوكه ومن أشهرها دراسات آش (Asch  ) .

إنّ الفرد قد يصل إلى حقيقة ما قد لا تتفق مع ما يؤمن به المجتمع فإما أن يسير مع فكرته مؤكداً هويته الشخصية فيكون بذلك شاذاً منبوذاً وإما أن يساير مجتمعه ؛ليكون بذلك تابعاً مؤمناً إيمانا أعمى بما يؤمن به مجتمعه أو الجماعة المرجعية التي ينتمي إليها ؛وليحافظَ على استقراره النفسي وشعوره بالانتماء والقبول الاجتماعي ،وقد يكون هذا الإيمان نفاقاً اجتماعياً حيث يؤمن الفرد بشيء لا يستطيع البوح به لمجتمعه أو الجماعة التي ينتمي إليها .وليس هذا فحسب بل إنّ هذا الإيمان قد يكون بسبب البساطة الفكرية وعدم امتلاك المعرفة الكافية أو عدم القدرة على النقد والتحليل أو بسبب الشعور بالدونية والنقص أمام الجماعة .

وقد يدعو لهذه التبعية أيضاً – كما تشير الدراسات النفسية – خوف الفرد من التصريح بآرائه الخاصة أو الشك في معرفته وقدراته أو بسبب تعلّقه الكبير بالجماعة التي ينتمي إليها .

هذا الفكر الذي يأخذه الفرد دون تدقيق أو تمحيص وتلك السلوكيات التي يسلكها الفرد دون أدنى تدبّر في مدى صحتها أو جدواها وكل ذلك الذي اكتسبه دون فهم للمغزى منه ليس سوى ما يعرف في علم النفس الاجتماعي  بمصطلح الامتثال الاجتماعي ( Conformity ) أو ما يعبّر عنه بسلوك القطيع (Herd behavior) .

ويمكننا أن نعبّر عن هذه التبعية الاجتماعية بأنها استعارة الفرد لعقل الآخرين بسبب ضعف فيه أو خوف منه أو رغبة منه في العيش بسلام ،وقد نرى هذا الامتثال في مظاهر متعدّدة في حياتنا من العادات والتقاليد والمعتقدات وكل الإيديولوجيات ،ويمكننا أن نراه في العنصرية والطائفية والتكفير والإرهاب أو في المظاهرات أو ما يحدث في الأندية الرياضية من تشجيع أو ما يحدث في سوق البورصة من مسايرة عمياء .

وقد نرى ذلك في الأديان وما يتم تلقينه للفرد الذي يكتسب دين مجتمعه ويورثه لأبنائه جيلاً بعد جيل أو نراه في الأحزاب السياسية أو الاتجاهات الفكرية المتطرّفة التي تتبع عقل الجماعة .

والانشقاق عن الجماعة وعدم الامتثال الاجتماعي لها (Anticonformity) يحتاج لجرأة كبيرة وتضحية وقدرة على المواجهة وتوكيد للذات كما يتطلّب قدرة كافية على النقد والتحليل والشعور بالاستقلالية والقدرة على تحمّل نتائج هذا الانشقاق من مقاطعة وتشويه صورة ذلك الفرد المنشقّ واتهامه بأبشع التهم وأسوأ الصفات ورميه بالهرطقة أو التمرّد أو الغباء أو الكفر أو التكبّر مما يجعله تحت ضغط اجتماعي يجبره على الاستسلام كيلا يعيش غريباً في مجتمعه .

ذلك الانشقاق يعني  حاجة الإنسان إلى أن يمارس وعيه الفردي كيلا يكون مستلباً في مجتمعه وهذا يتطلّب منه الاستقلالية والحفاظ على الهوية الشخصية والإرادة الحرة والشجاعة لإيصال الصوت وتغيير الواقع بكل جرأة وتحدٍّ وإصرار ؛لأنّ الحقيقة التي تبدأ من وعينا الفردي وعن دراية تامة منّا وعن دراسة واقتناع شخصي هي بداية الانطلاق للمعرفة الأصيلة وهي للأسف الشديد مسيرة النخبة المثقفة التي لا تعرف الإذعان والتي تمثّل القلة، أما بقية أفراد المجتمع فهم يسيرون سير القطيع هادئين مطمئنين لا يريدون تعكير صفو حياتهم بأي شيء يمكن أن يزلزل معتقداتهم أو ينتهك سلوكياتهم ويقتحم مشاعرهم ليكونوا كالبهائم أو أضل سبيلا بينما يكون الخارج عن هذا القطيع متمرداً شاذاً يجب مقاطعته ومحاربته وتصفيته فهل يا ترى أنا وأنت ننطلق من وعينا الفردي أم من خلال ما يتلوه علينا آباؤنا من أساطير الأولين ؟!

* سلمان عبد الله الحبيب

الثلاثاء، 1 ديسمبر 2015

تطوّر الفكر الإنساني


سلمان عبد الله الحبيب - تطور الفكر الإنساني
بدأ الإنسان الأول قبل ارتقائه للحالة الإنسانية الكاملة كما هي اليوم، بدون لغة، فاكتفى بالرسوم والإشارات مع بعض الكلمات البسيطة التي تقترب من الطبيعة الحيوانية ،وكانت لغته شبه معدومة لأنّ أهم ما كان يسعى إليه الفرد هو البحث عن سبل العيش من طعام وشراب وسكن وتكاثر ونحو ذلك، فكان أقرب إلى الطبيعة الحيوانية منه إلى الطبيعة البشرية ،بالإضافة إلى أنّ هذا الفرد  كان يتعلّق- أيضاً - بالتابوهات التي نشأت من خلال اقترانات شرطية فابتعد –مثلاً- عن كائن ما لارتباطه بحدث مزعج مما جعله يربط بين هذا الكائن وبين الحدث ليصبح محظوراً فيما بعد حتى مع انتفاء ذلك الحدث ، وهنالك اقترانات شرطية غيبية تشبه تلك التابوهات كأن يتوسل الأفراد – مثلاً-  بمكان معين لارتباطه بحدث مهم وسار مما جعل المكان يحتل قدسية ومكانة في نفوس الأفراد ،وهكذا اكتسب (الموضوع ) قدسية أو تحريماً لارتباطه بحدث يستدعي ذلك فاستمرّتْ الاستجابة لذلك الموضوع حتى بعد أن انتفى الموقف الذي أدّى إلى الربط بينه وبين موضوعه.

وبعد أن ظهرت اللغة بشكل واضح وتام للتواصل بين الأفراد بدأ الإنسان يبحث عن وسائل متطورة للعيش وبدأ يبتكر الكثير من الأشياء من الخشب والحجر والنار والصلصال وبدأ يفسّر الأحداث والظواهر الكونية وأزمة الوجود بشكل بدائي من خلال (الأسطورة) مع وجود التابوهات ؛فظهرت عدة أشكال من الأساطير تتمثل في الأسطورة الطقوسية المرتبطة بالشعائر والأسطورة الرمزية ذات البعد الدلالي ،والأسطورة التعليلية التي تفسر أسباب الظواهر وعلل الأشياء بالإضافة إلى أسطورة التكوين التي تفسّر الظواهر الكونية وحقيقة الوجود ، ثم ارتقى بعد ذلك - بعد أن اتسعت مفرداته وكلماته وأصبح لديه فائض لغوي - ليبدأ بالتأمل الذهني عبر التفكير الفلسفي الذي يبدأ بمقدّمات منطقية يصل من خلالها إلى نتائج مقنعة فأصبح يعالج قضايا الكون والوجود من منطلق فلسفي وتفكير تأمّلي خارج نطاق الأسطورة البدائية التي تفتقد المنطق في التفكير أوالنظر للأمور من خلال الاستقصاء والاستنتاج و التأمّل والربط بطريقة مقنعة ،وبذلك تشعبّت الأمور الفلسفية من خلال الزاوية التي تركز عليها فظهرت الفلسفة الميتافيزيقية والفلسفة الإبستمولوجية والفلسفة الجمالية والفلسفة الأخلاقية ثم ظهرت فلسفات للعلوم وغير ذلك من أنواع الفلسفة.

وبوجود اللغة - التي وصلت مستوى عاليا رفيعاً مع مستوى من الفكر المتوقّد  والخيال الجامح الذي خلفته الأساطير في نفوس الناس-  نشأ الشعر والغناء والقصص ، ثم جاءتْ مرحلة جديدة حيث بدأ يخوض الإنسان التجارب ويعتمد على الملاحظة والتفكير المنطقي مما أدى ذلك إلى ظهور الحركة العلمية فبدأ الإنسان بالصناعة والعمل في ميدان الصحة واكتشاف بعض الأمور في الطبيعة أو في جسم الإنسان. وهذه الحركة العلمية جعلتّ التابوهات والأساطير والفلسفة تتراجع إلى حدٍ ما ؛حيث أصبحت الأحكام العقلية مبنية على التجارب والمحسوسات والنظر للأمور بشكل علمي مدروس .

من هنا بدأتْ الأمور تتخذ منحى آخر فأصبح الفكر يفوق اللغة وأصبحت العقلانية تفوق السذاجة الفكرية المرتبطة بالميتافيزيقيا والتفسيرات غير المنطقية وهذا أوجد أشكالاً مختلفة من الفكر الإنساني الذي طغى عليه الفكر المادي والحس التجريبي فأصبح هنالك فئة من الناس مرتبطة بالفكر العلمي مع ارتباطهم بالفكر الأسطوري والخوارق الميتافيزيقية والتابوهات ، وهنالك فئة أخرى أخذتْ الفكر العلمي فقط ،وظهر أشخاص آخرون رفضوا الفكر العلمي وارتبطوا بالفكر الأسطوريّ والتابوهات والغيببيات ،وهنالك من رفض الفكر العلمي لعدم شعوره بالاطمئنان تجاهه ولأنه لم يجد فيه ما يبني إنسانيته ورفض معه كذلك الفكر الأسطوري والتعلّق بالتابوهات والأمور الميتافيزيقية؛لأنه لم يجدها – أيضاً-  قد حققتْ ما يطمح إليه من سعادة .

ومن الطبيعي أن تتغير المعادلة بارتفاع  مستوى الفكر ومستوى العلم وسهولة الحصول على المعرفة بالإضافة إلى شعور الإنسان بالسيطرة والقوة والتفوّق، فبرزت دعوات التحرّر وظهرت العولمة وحقوق الإنسان، وفي مقابل ذلك ظهرت دعوات مضادة ترفض العقل والعلم وتحارب الحريات والعولمة وحقوق الإنسان وتعود إلى استحضار الماضي لتفتك بالحاضر ممّا أدى ذلك الأمر إلى وجود معسكرين متصارعين هما الفكر المتحضّر التنويري بما فيه من علم ومعرفة وحقوق إنسان ، وفكر رجعي بما فيه من عودة للماضي ورفض لكل جديد وإقصاء كل فكر لا ينتمي إلى الموروث القديم ونتج عن ذلك حالة من التشظي الفكري والنفسي والاجتماعي بالإضافة إلى ظهور حالة الاغتراب والاستلاب الثقافي وحالة التبعية العمياء أو الاستقلالية المفرطة .

وهكذا تطوّر الفكر الإنساني من البساطة إلى التعقيد ولا يزال هذا الفكر متطوراً بشكل دياليكتيكي حتميّ عبر الزمن ليجد الإنسان نفسه في حقبة تاريخية متلونة بنمط فكريّ معيّن .

* سلمان عبد الله الحبيب

الأحد، 29 نوفمبر 2015

الثروة بين الملكية العامة والملكية الخاصة


سلمان عبد الله الحبيب
من أصعب الأمور التي يمكن تناولها مسألة تقسيم الثروات بين الناس وكيفية إعطاء المال للمستحق ،حتى ظهرت الآراء والاتجاهات التي تقوم على فلسفة خاصة تقتنع بها وتتبنّاها الدول التابعة لها .

وقد تبنّت الفلسفة الرأسمالية الملكية الخاصة باعتبارها غريزة متأصلة في الفرد وجعلتْ الإنسان يسعى بجهد ليحصل -لاحقاً - على نتيجة هذا الجهد المبذول وما يحققه من إنتاج .

أما الفلسفة الاشتراكية والفلسفة الشيوعية فقد ألغتا الملكية الخاصة باعتبار أن كل شيء تملكه الدولة وتقوم – بعد ذلك - بتوزيعه على الأفراد، ولكن الاشتراكية كانت تعطي المال حسب الجهد في العمل، بينما الشيوعية تعطي المال حسب الحاجة الشخصية ،ولكنّنا حينما ننظر للاشتراكية والشيوعية من منظور ماركسي فهما مرحلتان تاريخيتان حتميتان تقومان على إلغاء الرأسمالية  فتأتي المرحلة الاشتراكية في المرحلة التالية ويكون الختام بالمرحلة الشيوعية التي تعد المرحلة الأخيرة لتي تقوم على تأميم الممتلكات في التاريخ الحتمي حسب الزعم الماركسي في مبدئه الدياليكتيكي .

إن الرأسمالية جعلت من الإنسان مجرّد آلة يقوم بالإنتاج ليحصل حسب عمله وجهده ومستوى إنتاجه كل ما يستحق وتساعده الدولة على هذا الدور ؛ ومع ذلك فإنّ الإنسان بهذه الرؤية سيكون قد عمل باذلاً كل  جهده وساعياً لرفع كفاءته في العمل ومستوى الإنتاج ليحصل على حاجته أو ربما يحصل على ما يفيض عن حاجته ، وستساهم هذه الرؤية الاقتصادية أيضاً  في التنافس وإتاحة الفرص عبر التمويل وفتح الأسواق الحرة ولكنّ هذه الرؤية أوجدت الطبقية بين أفراد المجتمع فهنالك من يتضخّم في ثرواته وهنالك من لا يملك قوت يومه وكأنّ الرأسمالية  تنادي بالقوة حسب الفكرة الداروينية القائلة بأنّ البقاء للأقوى ،أو برؤية نيتشه في نظرته لتحقيق الإنسان الخارق ؛ وذلك كله قد جعل الحياة قاسية ومادية بحتة كما عمّق الذاتية والفردية ورغم كل هذا فإنّها  - في نهاية المطاف - تنظر للكفاءة في العمل بالدرجة الأولى بغض النظر عن الجهد والحاجة .

والنظام الاشتراكي أو الشيوعي ساهما في التعاون والاشتراك في الثروة لكنّهما أدّيا إلى إضعاف التنافس وإلغاء غريزة متأصلة في الإنسان وهي التملك ليكون الملك للدولة وبهذا أصبحتْ الدولة هي الرأسمالي المتضخّم مما جعلها تقع فيما حذّرتْ منه حيث ألغتْ النظام الرأسمالي لتقومَ الدولة بهذا الدور وهذا ما أسعد الفقراء الذين سيتساوون مع الأغنياء في ثورتهم البوليتاريّة ، بينما أغضب الأغنياء الذين سينحدرون إلى مستوى الفقراء وأدّى ذلك فيما بعد لثورة الفقراء بعد أن امتلكوا الثروة بالإضافة إلى ثورة الأغنياء الذين سحبتْ منهم تلك الثروة ولكنّ الخصم هنا سيكون الدولة باعتبارها الرأسمالي الوحيد.

وإن تأملنا في الاشتراكية عند إعطائها المال حسب الجهد فإنّ في هذا نوعاً من التعسّف إذ قد يكون الجهد عالياً إلا أنّ الإنتاج قليل، وإذا تأملنا في النظام الشيوعي الذي يعطي حسب الحاجة فهذا قد يؤدي لتوزيع الثروة دون استحقاق فمن تعطيه بما يغطّي حاجته قد لا يكون مجتهدا بمستوى الآخر الذي أعطي مالاً أقل وهاتان النظرتان السابقتان تختلفان عن النظرة الرأسمالية التي تجعل للفرد الحق في التملّك حتى لو كان الجهد أقل أو الحاجة بسيطة فبمقدار سعي الفرد وكفاءته سيحصل على المستوى الماديّ الذي يريده .

لقد أخطأتْ الرأسمالية حينما بالغتْ في الاهتمام بالملكية الخاصة كما أخطأت الاشتراكية والشيوعية حينما ألغتا الملكية الخاصّة .

من هنا أود القول بأنّ توزيع الثروة العادل يجب النظر فيه إلى ثلاثة عناصر أساسية وهي : الجهد والحاجة والكفاءة في العمل ومستوى الإنتاج دون النظر بالدرجة الأولى للخبرة أو المستوى العلمي اللذين قد يكونان مجرّد أفكار ومعلومات لا يتحقّق من خلالهما الإنتاج المطلوب في العمل بالإضافة إلى ذلك فإنّنا يمكن أن نأخذ من الاشتراكية ما يلبي المستوى الأدنى للمعيشة مع الأخذ بالنظام الرأسمالي بعد أن يتم تقليم أظافره وتشذيبه بحيث يكون الاهتمام بالربح مع محاربة الجشع والاحتكار .

وهنا تبرز بعض الأمور على السطح وهي أن الخبرة التي لا تفيد في كفاءة العمل ومستوى الإنتاج لا قيمة لها وكذلك فيما يتعلّق بمستوى التعليم ؛لأن ما يهم الشركات والمؤسسات هو مستوى الإنتاج وما يتم تحقيقه من نجاح وأرباح وعوائد .

 وبهذا يمكن أن نجمل موضوع الثروة بالنظر إلى الحاجة والجهد ومستوى الإنتاج على أن يتم الحفاظ على الملكية الخاصة مع عدم الجشع والاحتكار بالإضافة إلى تأمين المستوى الأدنى للمعيشة لكل المواطنين مع تأميم بعض الممتلكات ليكون بذلك الجمع بين الملكية الخاصة والملكية العامة دون إفراط أو تفريط .  

* سلمان عبد الله الحبيب

الأحد، 18 أكتوبر 2015

للحقيقة وجه آخر

للحقيقة وجه آخر -سلمان الحبيب
هنالك من يحتكر الحقيقة لا لشيء سوى أنه ورثها ممن سبقه أو أنها تمثل فئته أو اتجاهه أو مذهبه أو دينه أو نحو ذلك ،وهذا ما هو سائد عند عامة الناس ؛لذلك يجد كلٌّ منّا أنّ من الصعب تغيير ما يقتنع به مجموعة من الناس ،وأحياناً ندرك أنّ من الصعب الحوار معهم لأن دوغمائيتهم تتغلّب عليهم فلا يسمعون إلا ما يعتقدون به ولا يبصرون إلا ما يتمنون رؤيته.

هذا ما جعل الحداثة تبدّل جلدها لأنّ الثوابت لا يمكن الاتفاق عليها وما تراه ثابتاً يراه غيرك متحولاً ،وهذا ما جعل التيارات اليسارية المتشدّدة -أيضاً - تسير وفق الاتجاه الليبرالي الذي يؤمن بالتعدّدية التي هي واقع مفروض علينا جميعاً .

واحتكار الحقيقة لا يختص بفئة معينة بل يشمل كافة الفئات والأطياف وقد تلمحه أثناء حوارك مع أحدهم من خلال الحصر بين أمرين كمقولة بوش الابن ( إما معنا أو ضدنا ) في حملته العسكرية على الإرهاب ، فهو وضعنا بين خيارين لا ثالث لهما ؛إذ يمكننا ألا نكون معه ولا ضده ولكنه جعل هذا الخيار مستبعداً في حديثه .وهذا ما يحدث في الجدالات الدينية والتاريخية حيث يقول لك أحد الأشخاص مثلاً : ( أنت مع هذا أو ذاك ) وقد أكون معهما في أشياء وضدهما في أشياء وقد أكون ضدهما مطلقاً أو معهما مطلقاً ولكن من يجادلني حصرني بين أمرين لا ثالث لهما فإن حاولت إن أوضح له الأمر قال بلهجة حادة متهكمة :  أنت تتهرّب من الإجابة وتمارس لوناً من ألوان الخداع والتضليل .

هذا الاحتكار للحقيقة لا يدخل فقط ضمن أسلوب الحصر بل يحدث – أحياناً - من خلال اختلاف الموضوع مما يبعثر الفهم للواقع كأن يقول أحدهم : أنا ضد هذا النظام ويقول له الآخر : أنا ضد الحرب عليه من الخارج . فالموضوعان مختلفان ويمكنني أن أجيب بإجابة تكاملية من خلال دمج الموضوعين بأن أقول : أنا ضد هذا النظام وضد التدخل من الخارج للحرب عليه ولكنّ المتحاورين تصادما في موضوعين ينظر كل منهما لجزء من الحقيقة .

وهناك احتكار آخر للحقيقة يحدث من خلال الإتيان بموضوع دون دليل أو بدليل يحتاج للنقاش فلا يكون الاختلاف – عندئذٍ - في الموضوع بل في الدليل عليه كأن يقول أحدهما : هذا ظالم وينفي الآخر عنه الظلم فيكون النقاش هنا في الدليل وعلى الطرفين الإذعان لصحة الدليل لا الإيمان بالموضوع الذي يريد أحد الطرفين أن ينتصر به على خصمه ليسجل هدفاً في المرمى كلاعب كرة القدم .

وهنالك أسلوب آخر يلجأ له البعض في الحوار لاحتكار حقيقة زائفة حيث يتحدثان حول اختلاف في الموضوع مع الأخذ به مطلقاً كأن يقول لك أحدهما : ذلك الرجل ظالم فيرد عليه الآخر بقوله : هذا رجل قاتل بغير حق . فالموضوعان مختلفان وهما مطلقان ويمكن لي بالدليل نفي القتل عنه أو يمكنني نفي الظلم عنه ونفي أحدهما لا يلغي الآخر فكون الرجل ظالماً ليس بالضرورة أن يكون قاتلاً وكونه قاتلاً ليس بالضرورة أن يكون ظالماً ، ومثال آخر لذلك كأن يقول أحد الأفراد : هذا رجل ظالم ويرد الآخر بقوله : هو رجل له أفعال حميدة وكونه ظالماً لا ينفي أن تكون له أفعال حميدة وكونه يفعل الخير لا ينفي كونه ظالماً لذلك نفي أحد الموضوعين لا ينفي الآخر وإثبات أحد الموضوعين أيضاً لا يثبت الآخر وهذا ما يقع فيه كثير من العامة حيث إنهم يكرهون شخصية تاريخية لعمل معين فيلصقون بها كل الأفعال القبيحة أو على العكس من ذلك حين يحبون شخصية معينة فينسجون لها من قصص الخيال ما يفوق أحلام العاشقين وخيال الشعراء .

ومن احتكار الحقيقة - أيضاً -  التصديق بلا دليل أو الإيمان بحقيقة ما باعتبارها من المسلمات والثوابت لذلك ينفي الفرد أو يثبت أمراً ما بناء على الحكم المسبق فمثلاً أقول له : هذا الرجل ارتكب خطأ ما فيقول لي غير صحيح ، وحين أسأله : لماذا ؟! فإنه يجيب مثلاً بأنه معصوم عن الخطأ ، ولو سألته عن الدليل على عصمته فلن يستطيع إلا التبرير والمراوغة؛ لأن حكمه سبق التفكير في المعطيات ، ومن هنا فكل ما سيقال إليه - إن خالف حكمه- غير مقبول ولا يصح إطلاقاً ،أما إن اتفق مع حكمه فهو صحيح قطعاً وبلا أدنى تردّد، وهذا النوع من  التفكير يعد تفكيراً دوغمائياً ناشئاً عن التعصّب الأعمى الذي لا يرى أي دليل  ولا يبصر أية حقيقة تختلف عنه ولو كانت صائبة .

لذلك علينا أن نتذكر أن للحقيقة وجه آخر فما كان يعتقده الناس خرافة بالأمس كصعود القمر والطيران وكروية الأرض أصبح اليوم من المسلمات وما كان من المسلمات بالأمس كثبات الزمن عند نيوتن أصبح مختلفاً عبر نسبية آينشتاين وهذا ما يدفعنا للبحث عن الحقيقة دون احتكارها باعتبارنا حراساً لأفكارنا مع تقبّل الاختلاف لتغيّر الأدلة والفهم والنظر لكثير من الحقائق باعتبارها مرحلة ثقافية تتطوّر تطوراً حتمياً مع حركة التاريخ عبر جدلية( هيجل) التي أعطت لكل شيء حركة تنمو وتتطوّر كما يتطوّر كل شيء من حولنا ،وهذا ما يتماشى مع واقعنا الذي يجب أن نتقبله في سنة التغيير وعدم الثبات والجمود .

·       سلمان عبد الله الحبيب

الخميس، 15 أكتوبر 2015

ضياع البوصلة



سلمان الحبيب - ضياع البوصلة
أصبح العالم الذي نعيش فيه أسوأ من غابة وأصبحت الحقائق مجرد أكاذيب وأصبحت الأكاذيب حقائق وأصبحت الموازين مختلة على كافة الأصعدة .

إننا نجد الإعلام مضللاً ومزيفاً للحقائق ،ونجده متضارباً بشكل سافر ،فذلك ينفي الخبر بشواهد تراها بأم عينك وتصدقها ،وذلك يثبت الخبر نفسه بشواهد تراها بأم عينك أيضاً وليس أمامك إلا الإذعان والتصديق ،وأصبح الناس يقرؤون الخبر الذي يريدون أن يصدقوه أو الذي يتماشى مع انتمائهم الديني والطائفي والفكري.

لقد أصبح الإعلام وسيلة للخداع والحرب النفسية والكذب متماشياً مع ما قاله (جوزيف غوبلز) وزير الدعاية السياسية في عهد هتلر : ( اكذب حتى يصدقك الناس).

ونجد مثل هذا الضياع في الثورات العربية التي أرادتْ الحرية والتغيير فأصبح ربيعها خريفاً وسادت الفوضى بدون قيادات واعية وبلا أهداف واضحة وبلا وعي  عميق لطبيعة المجتمع وحاجات كافة أفراده وبلا إدراك لأسلوب الدولة ومنهجها فأصبحت تلك الثورات مجرّد تنفيس عن حالة الغضب ،حتى إنّ وزيرة الخارجية الأمريكية (كونداليزا رايس) بعد الغزو الأمريكي للعراق عبّرتْ عما يحدث في العراق بالفوضى الخلّاقة، وإنّنا لنعجب أشدّ العجب كيف تكون الفوضى خلاقة وكيف يكون الدمار تعميراً ويكون الهدم بناءً ؟!،ولكنها اللعبة السياسية التي تثيرها الدول الكبرى وتثير من خلالها  في نفوس المجتمعات العربية المقهورة والأقلّيات ما يدفعها للتنفيس والثورة العمياء التي تعدّ مجرّد تعبير عن حالة الغضب والقهر.

وقد سعت الدول الكبرى للعب على وتر الطائفية وحقوق الأقليّات واحتياجات المواطن العربي في العيش بكرامة وحرية إلا أنها سحقتْ تلك الشعوب باسم الحرية والديمقراطية بل مارست أشد أنواع الديكتاتوريات على الشعوب والبلدان مدّعية أنها تريد تحريرها وإرساء الديموقراطية فيها وهي في واقع الأمر تستخدم كل ذلك لمصالحها وتلوي يد الحكومات العربية بها باعتبارها أوراق ضغط تخرجها في الوقت المناسب.

ولا يفوتنا في هذا المجال أن نلمح إلى ما سعت إليه الدول العظمي والحكومات من حروب مدمّرة أصبحت الشعوب فيها كالأخشاب التي يلقى بها في النار بالإضافة إلى تمسّك بعض الحكومات الديكتاتورية بكراسيها ليموت الشعب ويبقى الحاكم .

إنّ الشعوب هي الضحية أولاً وأخيراً وهي – للأسف الشديد – فئران التجارب وأوراق البلوت أو حجر النرد في يد الحكام وفي يد الدول العظمى .

بل إن كثيراً من أفراد تلك الشعوب غادروا أوطانهم عبر التهجير والموت ممّا أدى ذلك لتغيير ديموغرافي كبير ،هذا مع الوضع في الحسبان قلة الإنجاب وتأخر الزواج أو العزوف عنه لأسباب اقتصادية أو نفسية أو فكرية أو اجتماعية .

وأصبحت الشعوب العربية تفقد الأمن وكأنهم يعيشون في غابة مليئة بالحيوانات المفترسة من إرهابيين دينيين جعلوا من الدين أداة للتدمير والتفجير والتخريب ،ولا يمكن لهذه الشعوب الاستقرار إطلاقاً وهي تفتقد الأمن الذي هو في بداية سلم الحاجات بعد الحاجات الفسيولوجية في هرم ماسلو ، بل إنّ الإنسان كما يقول كونفوشيوس لا يمكن له أن يكون مدنياً دون أن يجد الطعام والكساء.

ولقد انتقل كل ما يحدث في السياسة من صراع إلى المجتمع والأسرة بل انتقل إلى  الفرد نفسه عبر صراع داخلي لا يختلف عن الغليان الذي يحدث في الخارج.

ولقد وجدنا من مظاهر الضياع أيضاً كيف أصبح الخطيب الدينيّ بوقاً للسياسي وأصبح المثقف التنويري ظلامياً وعنصرياً وطائفياً في لحظة اختبار حاسمة ،وربّما هي اللحظة الوجودية التي يقرّر فيها الإنسان مساره الروحيّ الحقيقي التي ينادي بها (كيريكغارد) إذ تمثل الحقيقة في نظره لحظة الاختبار التي يجد الفرد فيها إيمانه ويخلع عنه زيف الأقنعة الثقافية.

نحن الآن باختصار نعيش حالة التشظي السياسي والاجتماعي والاقتصادي والنفسي والديني وأصبحنا بين المطرقة والسندان ولكن يا ترى إلى أين ستتجه البوصلة لاحقاً؟!

*  سلمان عبد الله الحبيب

 

 

السبت، 10 أكتوبر 2015

التقدّم نحو الهاوية - سلمان عبد الله الحبيب



استطاع الإنسان بعقله أن يطوّع الطبيعة في صالحه وأن يبدع ويطور ويؤسس للديمقراطية وحقوق الإنسان ،وفي الوقت ذاته استطاع بعقله أن يهدم كل ذلك .

الإنسان بعقله يعرف الخير والشر ويستطيع بناء الأحكام المعرفية بشكل صحيح من خلال اتساق المعرفة وعدم تناقضها كما يشير إلى ذلك الفلاسفة العقليون ولكنّ الطبيعة الإنسانية تميل إلى الشر باعتبارها غريزة فطرية لدى الإنسان كما أشار إلى ذلك فرويد في كتابه ( الحب والحرب والحضارة والموت) معتبراً أن العدوان غريزة عند كل إنسان وتظهر جلية في الحروب .

ولقد جعلتْ تلك الغريزة من العقل أداة تدمير وهذا ما جعل المفكّرين ينتقدون مشروع الحداثة والتنوير باعتبار أن العقل وحده يمكن أن يخرّب ويفسد أكثر ممّا يبني ويعمّر .

ويمكنني القول بأنّ العقل حينما يقترن بالقوة والسلطة يؤدّي ذلك غالباً إلى التدمير والهدم ،وهنا يكون الاختبار الحقيقي للإنسانية إذ إنّنا كثيراً ما نجد أن البقاء للأقوى كما تقول الداروينية وليس البقاء للأصلح كما يقول سبنسر.

إنّ القوة هي التي تفرض نفسها وهذا ما نشاهده في عالم السياسة التي سخّرت كل شيء وفق مصالحها كما قال ميكافيللي : ( الغاية تبرّر الوسيلة )،وهي بذلك لا تختلف عن منهج (نيتشة) الذي يدعو في فلسفته للإنسان المتفوّق صاحب الإرادة الحرة والمتجرّد كذلك من العواطف الدينية التي أنتجتْ –في نظره -أخلاق العبيد ، مع دعوته للعنصرية واعتقاده بنسبية الأخلاق .

إن السياسة لا تؤمن بغير المصالح حيث لا صديق دائم ولا عدو دائم ،وهي لا تؤمن إلا بالقوة والهيمنة لتحقيق تلك المصالح؛ لذلك يقول ميكافيللي : ( من الأفضل أن يخشاك الناس على أن يحبوك).

إنها لغة المصلحة فحسب ولغة الهيمنة والرغبة في تحقيق الأهداف بأي ثمن ، وها هي البوصلة تصوّب نحو هذا الاتجاه ويستمر الطغيان السياسي والاستبداد بأبشع صوره ويظهر الفقر والبطالة والتهجير وقتل الأطفال وسبي النساء ،وأصبح العالم يسبح في بحر الدماء وسادت لغة الطائفية والخطابات التحريضية وثقافة القتل ورغبة الدول الكبرى في التوسّع بالإضافة إلى التقسيم وتهجير المواطنين وقتل ما تبقّى منهم لبناء شرق أوسط جديد لصالح أمريكا وإسرائيل .

وبما أن السياسة تهتم بالمصالح فإنها استخدمت كل الأسلحة الممكنة ومنها الدين الذي أصبح سلاحاً فتّاكاً لها وهذا ما تقتضيه البراجماتية الميكافيللية التي يقول فيها صاحبها بأنّ الدين ضروري للحكومة لا لخدمة الفضيلة ولكن لتمكين الحكومة من السيطرة على الناس، ويقول أيضاً : ( من واجب الأمير أحياناً أن يساند ديناً حتى لو اعتقد بفساده ) كما يقول : ( لا يجدي أن يكون المرء شريفاً دائماً ) وها هو يتحقّق في الواقع السياسي كل ما قاله ميكافيللي حيث أصبح الدين السلاح الشرس الذي يفوق الأسلحة النووية وغيرها من الأسلحة، فظهرت الجماعات الإرهابية عبر تطوّر تاريخي إذ بدأتْ بجماعة التوحيد والجهاد ثم القاعدة ثم مجلس شورى المجاهدين ثم دولة العراق الإسلامية ثم ظهرتْ مؤخراً (الدولة الإسلامية في العراق والشام ) وكل تلك الجماعات الدموية التكفيرية الإرهابية لم تحقق انتصاراً لدين أو لطائفة ولكنّها أصبحتْ في خدمة السياسي الذي يرسم خطة استراتيجية بعيدة المدى يحقق من خلالها السيطرة على المجتمعات العربية والإسلامية وبأيدي العرب والمسلمين ومن هنا أقول بأن الاستبداد السياسي هو الذي أدّى إلى الاستبداد الديني وليس كما يقول الكواكبي بأن الاستبداد الديني هو الذي أسس للاستبداد السياسي وليس كما يقول ديكنز بأن الدين أصل الشرور؛ لأن الدين بدأ في نشأته بحثاً عن فلسفة الوجود عبر التابوهات والتفسيرات الخاصة بالإنسان في كل مجالات حياته التي تحيط به بالإضافة إلى الطقوس الروحية والارتباط بالقوى الغيبية ولكن الدين حينما ارتبط بالسياسة أصبح أقوى سلاح يمتلكه السياسي لتبرير الجرائم والقتل وتحقيق الانتصارات والدمار الشامل باسم الإله مما أوصلنا الآن إلى انتظار ما هو أسوأ بنشوء حرب عالمية ثالثة لا بقاء فيها للأضعف .

·       سلمان عبد الله الحبيب

الخميس، 8 أكتوبر 2015

تسليم العقول واستلاب الهوية - سلمان عبد الله الحبيب


لا يشك أحد في أنّ العقل يمثّل القيمة الجوهرية للإنسان الذي  يكون بدونه تائهاً ضعيفاً مسلوب الإرادة سهل الانقياد ، وهنالك ما نفعله بإرادتنا في تسليم العقول لتكون منقادة ضعيفة يصبح فيها الفرد أشبه ببهيمة الأنعام التي يتم التصرّف فيها دون حول لها ولا قوة.
وقد يتم تسليم العقول لرجال دين يلبسون الحق بالباطل في حلقات المساجد كما قد يكون هذا التسليم لمعلّم يمارس منهجاً خفياً ويدسّ أفكاراً مسمّمة تهدم الأجيال كما قد يتم تسليم العقول لمجموعات متطرّفة تقوم بطمس الهوية للأفراد المنضمّين إليها واستلاب عقولهم ليكونوا أدوات مدمّرة لا تمتلك القرار وكأنهّا تسير بجهاز تحكّم عن بُعد ، أو كالمنوّمين مغناطيسياً أو كمن يسير أثناء النوم في غيبوبة هستيرية تغيب فيها إرادته ووعيه لما يحدث .
وهنالك تسليم للعقول من خلال ما يُعرف بالاستلاب الثقافي الذي تغلب فيه التبعية للغرب بشكل أعمى دون تأمّل أو تمحيص أو تدبّر ولكنّ عقدة الأجنبي والشعور بالنقص هو ما يؤدّي إلى تسليم العقول طوعاً ظناً من هؤلاء أنّهم يفعلون الصواب .
وهنالك تبعية سياسية عمياء أيضاً ولا نقصد بها ما ألمح إليه (جان جاك روسو) في نظرية (العقد الاجتماعي) التي يسلم فيها أفراد المجتمع زمام الأمور لقائد يدير شؤون دولتهم بل نقصد بالتبعية ما يحدث من حالة الانهزام والاستسلام والتفريط في الحق والانقياد دون أدنى تفكير أو إحساس بالحرية والكرامة .
ومن أشكال تسليم العقول واستلاب الهوية ما يحدث للفرد في التبعية الاقتصادية سواء لأصحاب رؤوس الأموال كما يرى ذلك الماركسيون في ثورتهم الماديّة وتحريض طبقة (البروليتاريا ) عليهم ،أو كانت التبعية للدولة الشيوعية التي تبشّر بها النظرية الماركسيّة وتدعو إليها مع أنها جعلتْ الدولة بديلاً للرأسمالي الذي يستعبد الطبقات الفقيرة والكادحة .
وهنالك تبعية ثقافية للمجتمع وانقياد أعمى للعقل الجمعي الذي يصنع الأفكار والقيم والأخلاقيات والاتجاهات والعادات وغير ذلك من الأمور التي قد تتعارض مع العقل مما يؤدّي ذلك لاستلاب الهوية الفرديّة وضياعها ،ولست أتفق هنا مع (فرويد) في تفسيره للاستلاب الفردي حين يرى أنّ خضوع الفرد  للقوانين والحضارة والأخلاق التي توقف الغرائز تجعله مكبوتاً مستلباً ، إذ قد يتحوّل الأمر إلى حالة عصابية نتيجة لخضوعه لما يفرضه القانون والأخلاق والقيم الحضارية ،وهو في دعوته تلك يدعو لإطلاق الغرائز والتمرّد على الأخلاق التي فرضتها الحضارة والقانون .
 إن استلاب الهوية الفردية أمام العقل الجمعي هو مسايرة من أجل البقاء في وضع اجتماعي مقبول وهو كبت من نوع آخر يختلف عمّا ذهب إليه ( فرويد ) في الكبت ذي الطبيعية الليبيدية .
وهنالك استلاب للعقل الفردي وضياع للهوية من خلال التنشئة الاجتماعية أو التربية الأسرية التي قد تربّي الفرد على حقائق اعتبارية خاطئة وليست حقائق واقعية بمعنى أنها تفسّر بعض الحقائق وتعطيها معنى ما دون أن يكون ذلك التفسير أو ذلك المعنى واقعيين فيتم تربية الفرد أو تنشئته على التهوّر تحت مسمّى الشجاعة أو يتربّى على العنف والقتل تحت مسمّى القوة ونصرة الدين وهكذا تتوالى المعاني التي يتربّى عليها الأفراد بشكل غير واقعي تم الاصطلاح عليها خطأ مما جعلها حقائق لا تقبل النقاش .
وهنالك استلاب قد لا يُلتفت إليه ؛ إنه تسليم العقول لدراسات علمية ونظريات قام ببثها العلماء والفلاسفة وتم الأخذ بها والتسليم بها لأنها علميّة وقالها علماء لهم سمعتهم مع أنهم يخطئون ولديهم من ينتقدهم ويخطئهم ومع ذلك  فبعض الأفراد يأخذه سحر الشخصية العلمية وينبهر بالأفكار الضخمة التي قد لا يفهمها . وشبيه بذلك ما نراه في الانبهار بالشعارات الرنّانة من الحريات والديمقراطيات والحداثة والتنوير وغير ذلك من الأفكار التي يسلّم الأفراد فيها عقولهم تسليماً مطلقاً دون أدنى تحليل .
يجب أن يكون الإنسان مستقلاً لا تابعاً منقاداً وأن يكون عقلانياً لا أن يكون انفعالياً يتأثّر بالكلمات الرنّانة والشعارات وأن يكون قويّ الشخصية يمكنه أن يقول (لا) في الوقت المناسب وألا يسلم لأمر ما تسليماً مطلقاً بل عليه أن يتحلّى بالفكر النقديّ وأن يقوم بالتحليل وأن يكون حراً وأن يبحث عن الحقيقة التي تمثّله لأنّ الأصالة للإنسان لا للمجتمع ولا لأي سلطة خارجية ،ويجب أن تتفق تلك الحقيقة مع إنسانيته دون أن تمسخها أو تشوهها وتغير جمال معالمها وعلى المجتمع والأسرة أن يعوا تلك المسألة فيتم تربية الأجيال على ما يجعلهم أقوياء بعقولهم وشخصياتهم كيلا يكونوا عرضة للمتلاعبين والمغرّرين بهم .
إن تسليم العقول هو البداية لصناعة التطرّف الفكريّ بشتى أشكاله سواء كان دينياً أو علمياً أو فلسفياً أو سياسياً أو اجتماعياً أو غير ذلك ،إذ لا يختلف التطرّف عند السلفي والإخواني عن التطرّف عند النازيّ أو الشيوعي ولا يختلف التطرف عند جماعة التكفير والهجرة عن التطرّف الفاشي أو التطرف العرقي أو التطرّف السياسي كما لا يختلف عن التطرّف العلمي الذي برّر زواج المثليين وأعطاهم حقوقهم في ممارسة دورهم الجنسي استناداً على العوامل البيولوجية التي تحكم سلوك المثلي وفرض ذلك على الكنيسة ممّا جعلها تخضع لهذا النوع من الزواج الذي يخالف الفطرة الإنسانيّة السليمة ومن التطرّف العلمي تسفيه عقول من لا يؤمن بالفكر التطوّري الدارويني مع استنادها على الأحافير التي جمعتْ من أماكن متعدّدة ، وعلى تحليل الــ(DNA) بالإضافة إلى أنّنا لم نجد حلقات وسطى للانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى ولم نجد طوال تلك السنوات تطوراً في أصل الأنواع بل وجدناً تطوراً في النوع نفسه وهنالك من العلماء من رفض هذه النظرية مثل عالمي التشريح (سالي زيكيرمان) والبروفيسور( تشارلز أوكسنارد) حيث قد وجدا أنّ تلك الحفريات هي عبارة عن أجناس بشرية مختلفة وبالنسبة للقرد الذي ركزوا عليه وهو شبيه بالشمبانزي هو قرد منقرض كمئات القرود المنقرضة حيث إن عدد أنواع القرود يصل إلى (6500) قرد انقرض معظمها .
أنا هنا لست أنصر فكراً أو أصادر فكراً ما ولست أثبت أو أنفي ولكنّني أعرض نماذج للتطرّف من خلال تسليم العقول وطمس الهوية الذاتية وأصالة الإنسان وفرديته كما نشاهده في حياتنا عند المتديّن الذي سلّم عقله لشيخه الذي قد يكون حاملاً لفكر إرهابي أو عنصري أو طائفي أو نحو ذلك وعند الطالب الذي قد يكون ممن سلّم عقله تسليماً مطلقاً لمعلمه ثقة في شخصيته واعتباره ممثلاً للمعرفة والابن الذي سلّم عقله لأسرته والأفراد الذين سلّموا عقولهم لمجتمعهم وثقافته وعاداته وتقاليده أو سلموا عقولهم لثقافة أجنبية غير منتمية إلى مجتمعهم .وهنالك من سلّم عقله للسياسي أو لأصحاب العلوم دون أن يحمل فكراً نقدياً أو حرية في الاختيار أو قدرة على التأمّل والتحليل للوصول إلى نتيجة مقنعة وكل تلك الصور من الاستلاب للفردية والتغييب للهويّة والعقلانية يجعل من الأفراد عبيداً لا يملكون القرار، وتلك العبودية بدورها خلقت أرباباً وأسياداً وأوثاناً ممّا أدّى في النهاية إلى جعل الحياة الفكرية والثقافية تقوم على الطبقية والنفاق الاجتماعي وجعلت من الحقوق الطبيعية أفضالاً يجب أن يخر لها العبيد ساجدين لأربابهم الذين منّوا عليهم بالمنح والمكرمات التي هي في الأصل حقهم الذي يجب أن يحصلوا عليه بلا مقابل .
ومن خلال كل هذا نقول بأنّ الفرد يجب أن يبدأ من الإيمان بحريته وعقله وإنسانيته وأن ينطلق بهويته دون تبعية أو استلاب وأن يعلن ما قاله ديكارت : ( أنا أفكّر فأنا موجود ) ليرى وجوده الحقيقيّ من خلال تفكيره باعتباره الكائن العاقل الذي استدلّ على حقيقة وجوده من وجود ملكة التفكير التي يتمتّع بها بين سائر الموجودات، وألا يكون الفرد كأحجار الشطرنج أو الدمى التي تتحرك بالخيوط في مسرح العرائس ليكون المجتمع سليماً يسير بطريقة صحيّة صالحة لكل أفراده دون أن يقوم على أساس سيد وعبد في طبقية تمسخ الحياة الإنسانية وتُلغَى فيها أصالة الإنسان.


* سلمان عبد الله الحبيب 

الثلاثاء، 6 أكتوبر 2015

الاختلاف بين التكامل والاصطدام - سلمان عبد الله الحبيب


إن الحياة كانت ولا زالت مبنية على التباين والاختلاف وهذه سنة الكون التي تشمل كل جوانب الحياة .

فعلى مستوى الطبيعة نلحظ تنوع الكائنات الحية وتعاقب الفصول وتعاقب الليل والنهار ونرى على سطح الأرض الماء واليابسة والمد والجزر إلا أن هذا العالم الطبيعي حافظ على وحدته رغم تعدّد ظواهره الطبيعية .

وذلك الاختلاف يمكن أن نشاهده في الإنسان نفسه فهو عقل وجسد ونرى في جسده أيضاً الاختلاف إذ إنّ نصفه الأيمن يختلف عن الأيسر وكذلك نصفا دماغه مختلفان في وظائفهما كما أنّ جسده يتكون من مجموعة من الأعضاء تختلف عن بعضها في الوظائف والمهام وليس هذا فحسب بل إنه يجمع بين الحياة والموت حيث تموت خلايا جسده وتنمو غيرها بشكل مستمر فيكون هو بالأمس ليس هو في هذا اليوم ومع ذلك فهو الشخص ذاته لم تتأثر وحدته بما فيه من اختلاف وتجدّد.

وفي المجتمعات يختلف الناس في معتقداتهم وأفكارهم وثقافتهم وكل إيديولوجياتهم فنرى القوميات والأطياف والمذاهب والفرق والأديان والتوجهات إلا أنّ هذا الاختلاف أمر حتمي- شئنا أم أبينا- كما هو في سائر الموجودات؛ لأن الاختلاف سنة الطبيعة ليتم من خلاله التكامل ،فلو كان الناس بذوق واحد أو بفكر واحد أو بدين واحد لكانت الحياة شيئاً لا يطاق ؛لأن الأفراد متساوون بحيث لا يضيف أحدهم للآخر شيئاً وستفقد الحياة طعمها لأنّ الطبيعة الإنسانية تشعر بحالة التشبع والغثيان من مرحلة الثبات والتشابه فيفقد الإنسان لذة الإحساس بأهمية التباين الفكري والثقافي ،ويفقد الإحساس بأهمية البحث والاطلاع على الآخر المختلف الذي يجب أن يتعايش معه كما يتعايش الإنسان مع جسده الذي يحوي كافة الاختلافات كما أوضحنا ذلك سابقاً.

وبدون اختلاف الناس لن يحتاجوا للحوار ولن يحتاجوا للرؤية من زوايا مختلفة للأمور ولن يحتاجوا للتجديد ولن يحتاجوا للبحث أو الاطلاع أو تبادل الأفكار والخبرات ولن يحتاجوا  كذلك لما يعرف بالمثاقفة ( التبادل الثقافي )وسيبقى المجتمع الإنساني جامداً بينما كل ما في الحياة يتطوّر.

لذلك يقول الفيلسوف رينيه ديكارت : ( اختلاف آرائنا لا ينشأ عن كون بعضنا أعقل من بعض بل ينشأ عن كوننا نوجّه أفكارنا في طرق مختلفة ولا نطالع الأشياء ذاتها).

هكذا يكون الانسجام والتكامل وهكذا يكون التعايش والتقبّل والإيمان بحرية الآخر ومن هنا شاع في أمريكا مفهوم (وعاء السَلَطة) تعبيراً مجازياً عن حالة التعدّد في الثقافات المختلفة والأعراق والتوجهات في جو من التسامح والاندماج .وفي هذا المجال يحضرني ما قاله غاندي : ( الاختلاف لا ينبغي أن يؤدي إلى العداء وإلا لكنتُ أنا وزوجتي ألدّ عدوّين) .

 سلمان عبد الله الحبيب*