الأحد، 5 نوفمبر 2017

شفرة الطقوس

نحن نؤمن بأنّ كل شيء في هذه الحياة محكوم بقانون التطوّر والارتقاء الذي هو منطق الحياة وناموس البشر. ولن تخرج الطقوس عن هذا القانون فهي لم تأتِ من فراغ بل كانت لها جذور في الماضي وتطوّرت شيئاً فشيئاً عبر الزمن.
وحديثي هنا لا ينتقص الأديان ولا ينال من أية ممارسة دينية بل أنا هنا أحاول كشف النقاب عن الأصول وما حدث لها من تطوّر عبر منهج دياليكتيكي حتميّ.
وسأبدأ موضوعي بهذه العناصر التالية وهي: الشمس والماء والتراب والنار والهواء.
لقد عبد الناس الشمس منذ أقدم الأزمنة؛ لأنها مصدر النور، ومصدر الحياة .ورأوا أنها مع الكواكب تؤثر في البشر؛ فأصبحت الشمس إلهاً يعبد، وأصبحت الكواكب بمثابة الأعوان لذلك الإله، وهذا يفسّر تعلّق ذلك البدائي بالشمس، ويراها النور، والأمل، والحياة، وخصوصاً أنّه كان يعمل في الزراعة، لتأمين حياته، وبقائه على هذه الأرض.
كما تعلّق الفرد منذ أقدم الأزمنة، بالعناصر الأربعة المرتبطة بالأبراج، وهي: الماء والتراب والنار والهواء، فكانت هنالك أبراج ترابية، وأبراج مائية، وأبراج ناريّة، وأخرى هوائية.
والماء هو مصدر الحياة بالنسبة للنبات. والتراب هو المكان الذي تنمو فيه تلك النباتات، بل كل الكائنات الحية، وبالنسبة للنار فهي الوسيلة التي يستخدمها الإنسان منذ غابر الزمان في الشواء، وتأمين الغذاء، بالإضافة إلى ما تمنحه من نور عندما يحل الظلام.
من هنا أصبحت القداسة للشمس، وللعناصر الأربعة، وللكواكب أيضاً، وهذا سيفسّر لاحقاً كيف تطوّرت هذه الأمور في الأديان.
وبما أنّ الشمس كانت في لحظة ما بمنزلة (الإله) فقد أصبح الله في كل الأديان اللاحقة عالياً بل أصبح التوجه إلى الله حين مناجاته بالنظر إلى الأعلى ورفع الأكف – كذلك- إلى السماء، مع أنّ هنالك ديانات منها الإسلام تؤمن بأن الإله لا يحده حدود، ولا يرتبط بمكان أو زمان، ومع ذلك نراه في السماء بل نعبر عنه بالسماء أيضاً ونقول: إرادة السماء كتعبير عن إرادة الله.
ونضيف إلى ذلك بما يتعلّق بالشمس هو أن السومريين في نصوصهم القديمة كانوا يؤمنون بالكواكب السبعة السيّارة وهي : (الشمس والقمر والمشتري والزهرة وزحل وعطارد والمريخ)، ولكل كوكب سماء، وفي كل سماء إله، ومن خلال ذلك جاءت فكرة السماوات السبع التي تمثل العوالم العلوية وتمثّل – كذلك - الثواب، ويقابل ذلك عندهم العوالم السفلية التي تمثل العقاب وبهذا جاءت فكرة الأرضين السبع؛ لذلك لا نستغرب حينما يصبح الرقم (7) مقدّساً في كثير من الأديان بل أصبحت أيام الأسبوع سبعة ويمكن لنا أن نلحظ كلمة(sun) في يوم الأحد ( sunday ) ونلحظ كلمة (moon) في يوم الاثنين ( monday)،وهذا دليل واضح على ما للكواكب من تأثير في حياة البشر الفكرية. وبما أن المسيحيين تعلّقوا بالشمس كثيراً كان ميلاد المسيح هو يوم ميلاد الشمس وأصبح هو ابن الله (sun) وأصبح يوم الأحد لديهم مقدّساً، بينما أصبح السبت يوماً مقدساً لليهود لأنه اليوم الذي استراح فيه الله من الخلق، وبالنسبة للجمعة فهو يوم المسلمين والذي كان يوماً مقدّساً عند العرب حتى قبل إسلامهم.
وفي التلمود البابلي هنالك سبع سماوات – أيضاً - وهي : ( فيلون – راخيا – شهاكيم – صبول – ماعون – ماكون – عرابوات)، وفي الإسلام كذلك سبع سماوات كانت معروفة عند العرب قبل إسلامهم وهي : ( الرقيع – أرقلون – قيدوم – ماعون – ريع أو ريق – دقناء – عربيا).
وقد اعتبر اليونان أن الأبراج السبعة آلهة وكان المشتري لديهم أباً للآلهة. وكانت الكواكب السبعة معروفة كذلك عند الفرس والفراعنة والكلدانيين والآشوريين.
وفي الهندوسية التي هي أقدم الديانات، هنالك سبع سماوات تسمّى الجنّات ( فيارتيس) وسبع أرضين تسمى ( ناراكا) أو ( بتالاس)، وهذه السماوات والأرضين عند الهندوس تقابل العالم العلوي والعالم السفلي عند السومريين.
وفي القرآن جاء ذكر الرقم سبعة بقوله : ( فسوّاهنّ سبع سماوات) ، (لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم) ، (وبنينا فوقكم سبعاً شدادا).   
وبما أنّنا مع الرقم سبعة فإن لدى الهندوسية سبع ولادات للفرد عبر التناسخ وبعدها يتجه نحو العالم العلوي أو نحو العالم السفلي.
ويمكن أن نرى قداسة هذا الرقم سبعة في الألواح السبعة وقصة الخلق وقصة النيام السبعة الذين هم أهل الكهف حسب الرواية السريانية، وكذلك التراتيل السبعة عند الصابئة حينما يقومون بنصب الراية التي تشبه الصليب (درافشا) بالإضافة إلى القراءات السبعة والأحرف السبعة في القرآن والطواف سبع مرات حول الكعبة كما نجد عند الجاهليين قبل إسلامهم المعلقات السبع التي زيدتْ بعد ذلك فأصبحتْ عشراً.
وسنعود من جديد للشمس التي هي النور والحياة والأمل لكل من يعمل في الزراعة حتى أصبحت الشمس نور لله.
من هنا جاءت الشمس في القرآن التي تمثّل النور لمسايرة هذه الثقافة السائدة حيث جاء في قوله : ( الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح) وأصبحت الصلوات مرتبطة بظهور الشمس وغروبها فعند المسلمين صلاة الفجر قبل طلوع الشمس وصلاة الظهر عند زوال الشمس وصلاة العصر قبل الغروب وصلاة المغرب عند غروب الشمس وصلاة العشاء بعد الغروب وقد تمّ جمع الظهرين والعشاءين عند الشيعة ليكون المجموع بذلك ثلاث صلوات.
وهنالك أيضا الصلوات الخمس عند الزرادشتيين التي يسبقها الوضوء كما يفعل المسلمون والصلاة الأولى تكون عند شروق الشمس إلى منتصف النهار، والثانية عند منتصف النهار والثالثة بعد الظهر إلى الغروب والرابعة من الغروب إلى منتصف الليل والخامسة من منتصف الليل إلى الفجر.
وعند اليهود بعد وضوئهم ثلاث صلوات وهي : صلاة الصبح ، وصلاة العصر وصلاة المساء.
ومن هذا المنطلق نشأت صلاة كسوف الشمس التي تقابل صلاة الخسوف في القمر، وقد نلمح شيئاً من هذا القبيل في عيد الفصح المرتبط بالشمس عند المسيحيين وبالقمر عند اليهود.
وللشمس حضور في الإسلام حتى سميت سورة بسورة الشمس وجاء في القرآن :         ( والشمس وضحاها) ، وجاء أيضاً :( إنّي رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين)، وهنالك آية أفول الشمس التي تبيّن مدى تغلغل عبادتها منذ القدم حيث جاء في قصة إبراهيم في القرآن بقوله: ( فلمّا أفلتْ قال إني لا أحب الآفلين) وهنالك حديث نبوي حول سجود الشمس، وليس ذلك فحسب فسائر العبادات الإسلامية مرتبطة بالشمس ففي رمضان يصوم المسلم في فترة النهار ويفطر عند غياب الشمس، وهذا الشهر الذي هو شهر ترويض الروح تشتدّ فيه حرارة الشمس حتى اشتقّ بذلك اسمه من ( الرمَض). وبالنسبة لعيد الفطر فيكون في الصباح الباكر وزكاة الفطر قبل طلوع الشمس وقبل صلاة العيد.
ويمكننا أن نرى شيئاً من ذلك في الحج ففي يوم عرفة يخرج الحاجّ من منى إلى عرفة مع شروق شمس اليوم التاسع من ذي الحجة، ووقت الوقوف من زوال الشمس في يوم عرفة إلى طلوع فجر اليوم التالي وهو أول أيام عيد الأضحى.
ويبدأ يوم عرفة في الحج من فجر اليوم التاسع من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم النحر مع دخول وقت صلاة الفجر.
وعيد الأضحى يبدأ من العاشر إلى الثالث عشر من ذي الحجة بعد الانتهاء من وقفة عرفة حيث يبدأ بصلاة العيد فجر اليوم الأول.
وبما أن الشمس مرتبطة بالزراعة فقد صنع المزارعون صليباً هو أشبه بالفزاعة كيلا يفسد الطيور أو بعض الدواب ذلك الزرع ، وهذا هو شعار الصابئة المندائيين. ويسمّى صليبهم (درافشا) وهو راية يوحنّا المعمدان ورمز لعالم النور وشجرة الحياة، ويسمى براية النور أو العلم المضيء.
 و(الدرافشا) عبارة عن غصنين متقاطعين يربطان بحبل أبيض ويوضع عليهما رداء أبيض من حرير منسوج باليد وتوضع في أعلى ( الدرافشا) في منطقة التقاطع سبعة أغصان من نبات الآس المبارك لدى الصابئة. ورداء الحرير الأبيض لابدّ أن تكون فيه فتحات لينفذ منها ضوء الشمس الذي يأتي من عالم النور (آلما دنهورا) وهنا يمكن أن نلمح أن (الدرافشا) ليس سوى شيء مرتبط بالزراعة بل ويوضع فيه نبات الآس كما نلاحظ الرقم سبعة في أغصان هذا النبات المقدّس ويمكننا أن ندرك مدى تقديس نور الشمس بعمل الفتحات التي ينفذ منها في رداء الحرير. ولو تأملنا ملياً هذا الصليب سنراه أشبه بإنسان مقدّس يلبس ثوباً من حرير ويحافظ على الرزق الذي هو النبات هنا لدى المزارعين.
ولدى الصابئة أيضاً ما يُعرف بالتعميد الذي هو رمز للطهارة ورمز للولادة والحياة وهنا تبرز أهمية الماء مما جعل الصابئة يختارون أماكن عبادتهم بجوار المياه الجارية.
وقد احتلّ الماء عندهم هذه الأهمية لأنه يمثل عند أهل الزراعة حياة النبات وبالتالي حياة البشر الذين يعتمدون على ما تنبت الأرض من طعام فكما يستقبل النبات الشمس بنورها ويصب الماء عليه ليحيا فعلى الإنسان أن يستقبل هذا النور بعد تعميده بالماء لذلك ينصب الدرافشا في طقس (التعميد) الذي يطلق عليه الصابئة (الصباغة) من أجل اتحاد النور بالطهارة في المياه الجارية (اليردنا). وهنالك آية من القرآن تربط بين حياة الإنسان والنبات حيث تقول :( والله أنبتكم من الأرض نباتاً).
وشبيه بتلك الطقوس التي عند الصابئة ما يمكن أن نشهده عند المسيحيين، فالدرافشا والصباغة تقابل الصليب والتعميد. وهنا يجب أن أشير إلى أنّ ظهور الصليب والتعميد جعل المسيحيين يؤلفون قصة تحمل طابع القداسة حيث قالوا فيها بأنّ المسيح قد صلب ثم ارتفع إلى الله بينما الصليب المقدّس لا يرتبط بالموت بل على العكس من ذلك فهو مرتبط تمام الارتباط بالحياة كما ألمحنا لذلك فيما سبق.
والذي دعا المسيحيين إلى اختلاق قصة صلب المسيح هو وجود الصلب والحرق بالنار على الصليب في تلك الفترة التي عاش فيها المسيح بشكل شائع، بالإضافة إلى رغبة جامحة في زيادة التقديس لشخص المسيح حيث تمّ إحراقه – فيما يدّعون - ونجا من الحرق، وهذه تذكّرنا إلى حد ما بنجاة إبراهيم حينما تمّ إحراقه بالنار، وكأنّها استحضار لتلك الحقبة الزمنية ومحاولة إسقاط تلك القصة على واقع المسيح ، بالإضافة إلى ذلك فإنّ (الدرافشا) يمثل في شكله دور الرجل المصلوب الذي يرتدي قماشاً حريرياً مما جعل المسيحيين يستحسنون فكرة الصلب، ولكنّ القرآن يكذّب قصة صلب المسيح بقوله: ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّه لهم) .
ويمكننا هنا أن نلمح إلى أمر مهم وهو ما تستدعيه رمزية الله في السماء التي تمثّل ألوهية الشمس إذ جعلتْ الجبل مكاناً يلجأ إليه الأنبياء للاتصال بالرب العالي وهذه هي رمزية الاتصال بالسماء فموسى ذهب إلى جبل سيناء وتلقّى الوصايا العشر كما تذكر التوراة بل جاء في القرآن عن النبي موسى حينما أراد رؤية ربه قوله: (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (الأعراف 143 ) ، وقد كان النبي محمد يلجأ إلى الجبل في غار حراء ومنه تلقّى الوحي . ولدى السريانيين في سوريا جبل التين وهو قريب من جبل الزيتون في القدس عند قبّة الصخرة ولعلّ هذا ما يفسر الآية التي تقول :  ( والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين) فهي تتحدّث عن جبل التين وجبل الزيتون وجبل سيناء وجبل مكة الذي هو جبل النور والذي حرّف لاحقاً – حسبما أظن – إلى جبل الثور وسأتطرق لاحقاً إلى سبب هذا التحريف.
وبما أنّ ألوهية الشمس حاضرة فقد استدعى ذلك أن يكون لها أتباع تؤثّر في حياة البشر ، من هنا جاء الاهتمام بالكواكب الشمسية الاثني عشر، وأصبح التقويم الهجري الشمسي مكوناً من اثني عشر شهراً حسب الأبراج وهذه الأشهر أو الأبراج هي : الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة أو العذراء، والميزان، والعقرب، والقوس والجدي، والدلو، والحوت.
هذه الأبراج جعلت للرقم (12) قدسية رمزية فكل الشهور هي اثنا عشر شهراً وأتباع موسى اثنا عشر فرداً، وحواريو عيسى اثنا عشر حوارياً، بل أصبح الأئمة لدي الشيعة الإماميّة اثنا عشر إماماً.
وجاء في القرآن : ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله) كما جاء هذا العدد في قصة موسى في القرآن بقوله: ( وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، قد علم كلّ أناس مشربهم ...) وجاء في القرآن بشأن بني إسرائيل قوله: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ۖ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) وقوله :( وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا...).
وقد جاء في الأحاديث النبوية بما يستند إليه الشيعة الاثنا عشرية إلى مجموعة من الأحاديث تنص على أنّ هذا الدين لا يكون إلا باثني عشر أميراً كلهم من قريش وهنالك حديث ينسب إلى النبي محمد بقوله: ( أنا سيد النبيين وعلي سيد الوصيين وإنّ أوصيائي بعدي اثنا عشر أولهم علي وآخرهم القائم المهدي).
وبالعودة إلى الأبراج فإنّنا نرى عيسى عند المسيحيين يمثّل الإله أو يمثّل الشمس والعذراء أمه نسبة إلى برج العذراء، والتطهير بالماء ينسب إلى برج الدلو، أمّا الميزان فهو يرمز إلى العدالة التي يدعو إليها المسيح ويدعو لها الإسلام كذلك حتى جاء في القرآن :( والسماء رفعها ووضع الميزان) والآية التي تقول: ( ألا تطغوا في الميزان) وقوله: ( وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) وقوله كذلك: ( وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط). وجبل النور هو جبل الشمس التي هي مصدر ذلك النور وقد سمّى – كما أرى – بجبل الثور نسبة إلى برج الثور.
وبما أننا استغرقنا في الحديث عن الشمس وكواكبها فمن الواجب أن نقف على العناصر الأربعة مرة أخرى ليتضح المعنى ويكون الإدراك شمولياً غير منتقص.
فالماء هو رمز للطهارة ومنه سنّ الوضوء في الإسلام وكذلك الاغتسال بالإضافة إلى غسل الميت، كما سنّ التعميد في المسيحية والصباغة في المندائية والاغتسال في النهر عند الهندوس.
وبالنسبة للنار فقد أصبحت لها قدسية عند الزرداشتيّين لما تمثله من النور الإلهي، كما يمكن أن نلحظ شيئاً من هذا في قصة موسى حينما صعد إلى الجبل فأراد أن يأخذ قبساً من النار التي هي رمز للهداية والصلاح والنور إذ جاء في القرآن بشأن النبي موسى:
(إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) وجاء أيضاً في القرآن قوله:(فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ* فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).
ولدى المسيحيين الأرثوذكس نار مقدّسة في كنيسة القيامة بالقدس في يوم السبت المقدّس أو ما يُعرف بسبت النور الذي يسبق عيد الفصح وتلك النار عندهم نار مقدّسة يصلّون في المكان الذي ظهرت فيه؛ لأنّها – حسب اعتقادهم – معجزة حدثت في قبر المسيح إذ ظهرت فيه دون أن تحرق من يقترب منها، وهذه المعجزة التي تمثّل الإضاءة توحي بنور المسيح الذي يمثّل نور الله.
وبالنسبة للتراب الذي هو عنصر مهم جاءت أهميته من حياة الزرع بل رأى المؤمنون أنهم جاؤوا كالنبات من هذه الأرض وقد جاء في القرآن ما يشير إلى ذلك بقوله: ( والله أنبتكم من الأرض نباتا).
وفي الإنجيل خلق الله الأرض وجعل فيها الأعشاب والماء والفضاء والنور ثم خلق الإنسان من التراب الذي نفخ فيه الله من روحه فجاء آدم وبعده كانت حواء من أحد أضلاعه.
وفي التوراة لا يختلف الأمر كثيراً إذ خلق الله الإنسان من تراب مخلوط بالماء كان شبيهاً بالآلهة.
والقرآن يقرّ بذلك حيث يرى أن الإنسان مخلوق من التراب أو الطين وأنّ الله نفخ فيه من روحه.
وفي الأساطير البابلية التي سبقتْ الأديان الإبراهيميّة ترى أنّ الإنسان مخلوق من التراب وهنالك ثقافات قديمة كذلك ترى أن بداية خلق الإنسان كانت من التراب.
وفيما يتعلّق بالهواء فهو يمثّل نفخ الله في الطين ليكون بعد ذلك الطين بشراً سوياً. وهنالك آيات تذكر أهمية الريح في حياة (الزرع) في عدة مواضع منها :
(وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ ...) ، (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها..)، (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ).
ورمزية الريح جاءتْ عما تفعله من الإتيان بالسحاب لتمطر الأرض وتنبت النبات وتكون بذلك حياة الإنسان. وبما أن الإنسان هو نبات الأرض فقد تكون الريح صلاحاً وإحياءً له وقد تكون دماراً له كما هي دمار للزرع في بعض الأحيان؛ حتى جاء في القرآن نصر الريح للإنسان: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) ويروى عن النبي قوله: ( لقد نُصرتُ بالصَّبا وأهلكتْ عاد بالدبور) والصَّبا هي الرياح التي تهب من الشرق أما الدبور فهي الرياح التي تهب من الغرب.
ولو تأمّل القارئ الحاذق فيما سبق سيرى أنّ الطقوس جاءتْ من أحوال الزراعة فأصبحت للشمس والكواكب بالإضافة إلى العناصر الأربعة قيمة تحوّلت إلى الطقوس التي يمارسها المتديّنون من هنا لا نستغرب من ظهور صلاة الاستسقاء مثلاً عند المسلمين، كما لا نستغرب من ذكر التين والزيتون والعنب والرمان وما وعد به الله المتقين يوم القيامة بقوله: (وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ) وقوله : (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) ) وقوله أيضاً : (فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69))
وقد جاء ذكر الماء والنبات في القرآن في موضع آخر بقوله:
(فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ).
وهذا الأمر من ذكر الزروع جعل بعض الباحثين يخطئون في الاستنتاج فقالوا : إن مصدر القرآن هو بلاد الشام لأن الجزيرة العربية قاحلة وهذا وهم كبير فرمزية الزرع بقيتْ في كل الكتب المقدّسة إذ بدأتْ الأديان مرتبطة بالبيئة الزراعية.
وسنخرج قليلاً لكشف النقاب عن جانب آخر في الطقوس الدينية لتتبّع ما مرّتْ به من تطوّر، فالصلاة مثلاً في الإسلام لم تأتِ إلا بعد فترة ليست بالقليلة وقد كانت ركعتين ثم زادت بعد ذلك؛ لهذا عندما يقصر المسلم عند السفر فإنّه يعود إلى أصل الصلوات قبل الزيادة. وبالنسبة للركوع والسجود فقد كان العرب قبل إسلامهم ينثنون أمام أوثانهم وأصنامهم ثم يخرّون لهم سجّداً ليحقّقوا لهم أمانيهم وتطلّعاتهم فجاء الإسلام ليجعل من هذا الطقس عبادة تجاه إله واحد لا شريك له عبر الركوع والسجود.
وفيما يتعلّق بالنداء المتعلّق بالعبادات والذي يهدف إلى تبليغ أصحاب الدين بأداء فريضة متعارف عليها لديهم فإنّنا نجد أنّ أغلب الأديان تقوم بأداء صوتي ما، ففي اليهودية يستخدم البوق وفي المسيحية يقرع الجرس أو الناقوس وفي البوذية والهندوسية يقرع الجرس أيضاً أما في الإسلام فكان النداء صوتياً كلامياً تمّ الإضافة والحذف عليه فيما بعد في المذاهب الإسلامية المختلفة.
وقد علمنا أن الصلاة كانت مرتبطة بمواقيت الشمس، وعلمنا أنَّ سائر العبادات كانت مرتبطة بالشمس التي كانت هي فاتحة الأديان، من هنا جاءت تغطية الرأس للرجل والمرأة وعدّته شيئاً مقدّساً وهو في أصله جاء من التوجّه العباديّ نحو الشمس إذ إنّ تغطية الرأس كان اتقاءً لحرّها ورجاء لفضلها أما حلق الشعر عند البوذيين فكان استقبالاً لحرارة الشمس بغرض الترويض ومجاهدة النفس وهذا ما يحدث من حلق للشعر في أداء فريضة الحج.
وحينما نتأمّل فريضة الحج فإننا ندرك أنها كانت ممارسة معروفة عند الجاهليين قبل إسلامهم وكان الطواف حول الكعبة سبع مرات كدوران الكواكب السبعة بعكس عقارب الساعة تمجيداً للآلهة الموجودة مع كل كوكب في السماوات السبع، وقد كان الجاهليون يسعون بين الصفا والمروة ويقدّمون الأضاحي للآلهة فلما جاء الإسلام أقرّ الطقس مع التغيير الذي يتناسب مع الشريعة الإسلامية، وحينما نتأمل أكثر فإننا ندرك أنّ القبلة لم تكن في البداية نحو الكعبة، بل كانت عند المسجد الأقصى في القدس، ثم تحوّلتْ لاحقاً نحو البيت الحرام في الكعبة.
وبالنسبة للملابس التي تمثّل جزءً من الطقوس الدينية فإنّنا نرى اللباس الأبيض غير المخيط لدى الزرادشتيّين فندركُ أنّهم ارتبطوا بالزراعة وأرادوا اتقاء حر الشمس وامتصاص العرق عبر هذا الملبس القطني. ولدى المسلمين ما يشبه هذا الأمر فالملبس الأبيض نجده عند الولادة وعند الموت وعند أداء فريضة الحج؛ لذلك أصبح اللون الأبيض في اللباس يحتلّ قدسية ويعبّر عن النقاء وما تغسيل الميت إلا لتطهيره والحفاظ على نقائه عند لقاء ربه كما يفعل الزرادشتيون في طقس الصباغة أو المسيحيون في طقس التعميد أو الهندوس عند الاغتسال في النهر. وقد يتساءل البعض إذا كان الوضوء من أجل الطهارة فلماذا جاء التيمّم الذي نص عليه القرآن بقوله : ( فإنْ لم تجدوا ماءً فتيمّموا) ومن تابع الموضوع بشكل متأنٍّ سيدرك أن الماء والتراب ضمن العناصر الأربعة المقدّسة بل أصل الإنسان في اليهودية الذي هو عبارة ( تراب مخلوط بالماء) وعند المسلمين عبارة عن طين أي ( تراب مخلوط بالماء) أيضاً، فحينما يستخدم الفرد الماء فهو يتطهّر به لقداسته لا لينظّف به جسده، وحينما يتيمّم بالتراب فهو كذلك يتطهّر لقداسة هذا التراب لا لينظّف جسده أيضاً لذلك يقول النبي محمد : (وَجُعِلَتْ لي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا) .
ونعود من جديد لطقوس اللباس فنرى اللباس السائد عند الرهبان البوذيين هو لون الزعفران وهذا يؤكد مدى ارتباط الأديان بالزراعة حيث اشتهرت الهند وبلاد فارس بالزعفران الذي كان يزرع بكثرة مما جعله يحتلّ القدسية والوقار حينما دخل في حيّز الممارسة الدينية، وحينما نتجه نحو المسيحيين فإنّنا نرى اللون الأسود هو الغالب على رهبانهم وهذا الأمر مرتبط – في رأيي – بالحداد على صلب المسيح فأصبح بذلك اللون قدسياً ودليل الوقار عندهم.
من كل ما تقدّم يظهر لنا جلياً كيف بدأت الطقوس التي أقرّتها الديانات مع تغيير موضوعها وهذا ليس تقليلاً من شأن الدين بل هو دليل على أنّ كل ممارسة دينية جاءتْ من أصل ثم قامتْ بالتغيير في ذلك الأصل وجعلته في صالح الدين وتطوّر الأمر بعد ذلك واستمرّ التطوّر عبر السنين، ولا زالت الأديان في تطوّر مستمر - إلى يومنا هذا-  شئنا أم أبينا، فهذه سنة الحياة، فيبقى الدين ثابتاً في أمور محدّدة، مع خضوعه للمتغيرات التي يفرضها الزمن، وبذلك تنتفي فكرة (الصلاحية التامة لكل زمان ومكان) بالمعنى التقليدي الأعمى الذي يعيد الناس إلى أفكار مضى عليها مئات أو آلاف السنين دون اعتبار لعامل الزمن وما يقتضيه من تغيير؛ لذلك فشل الرجعيّون الذين يريدون من المتديّنين العودة إلى الأصل تماماً فتعيش أصوليتهم في صراع واغتراب قد يؤدّي بهم  فيما بعد إلى الإرهاب.
وأنا في حديثي هذا لم أهدف إلى الحكم على دين ما بالصحة أو الخطأ أو الانتصار لدين ضد دين آخر بل أردت إيضاح مسألة في غاية الأهمية تتعلّق بالطقوس الدينية لعلّي أكون بذلك قد ساهمت في إشعال شمعة في الطريق.


* سلمان عبد الله الحبيب 

الثلاثاء، 10 أكتوبر 2017

تقرير المصير

سلمان عبد الله الحبيب
قد يكون السؤال عن الحرية الفردية أمراً مطروقاً وقد تكون الأسئلة المتعلقة بهذا الجانب ممّا تمّ الحديث عنه وكل من تناول ذلك رأى من زاويته الخاصة شيئاً وغابت عنه أشياء أخرى ،ولكن يبقى لنا أن نتساءل: من الذي يملك الحق في أن يتحكم في قراراتنا ؟ وهل هنالك قدرة على أن يفعل الفرد ما يريده دون أذى أو إملاء من أحد؟ وما الطريق الذي يجب أن نسلكه بإرادتنا المحضة إن كنا نمتلك الإرادة الحرة حقاً؟.
قد يتولى الحاكم السيطرة على شعبه ويملك حتى أرواحهم. ويمكن لبعض الحكام أن يكونوا تابعين لإيديولوجية دينيّة معينة، يدّعي فيها كل واحد منهم أنه يمثل إرادة الرب، ومنهم من يمثّل إيديولوجية حزبية ، فينسف كل رأي يخالفه أو فعل يخالف حكمه، ويقول – لسان حاله - ما قاله الفرعون : ( ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد).  
والحرية المطلقة التي يدعو لها سارتر هي ضرب من الخيال، والديمقراطية التي تدعو لها الشعوب المتحضّرة والتي تمثّل حكم الأكثرية ليست سوى رأي السواد الأعظم ممّن لا يمتلك بصيرة النخبة، وهذا ما دعا ماركس للقول بأنّ الديمقراطية هي مجرّد تضليل برجوازي، ويقول (هتلر) أيضاً : الأكثرية الجاهلة هي التي تتحكم في البلاد بفضل الاقتراع العام. وهنالك آخرون أيضاً من المفكرين والسياسيين رأوا في الديمقراطية شراً لا صلاحاً فأفلاطون رأى أن الديمقراطية تقوم على تحقيق المصالح الشخصية وإشباع الغرائز الذاتية دون النظر للمصلحة العامة، أما (نيتشه) فهو يرى في الديمقراطية امتداداً للمسيحية وتحقيقاً للرغبات التافهة، وقد عارض عالم السياسة روبرت ميشال الديمقراطية داعياً إلى حكم الأقلية، وممن عارض الديمقراطية أيضاً الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، وقد عارض الحاخام الإسرائيلي (إليعازر مناحم) الديمقراطية بقوله: هي آلة الأكاذيب والأفكار المغلوطة والسعي وراء المصالح المحدودة والخداع.
وإذا ابتعدنا قليلاً عن هذا الجو المشحون بالسخط والازدراء للنظام الديمقراطي فإنّنا قد نجد من يدعو للديمقراطية بلسانه بينما كل أفعاله تنمّ عن عدم اقتناع بهذا النظام فمثلاً يمكننا أن نتساءل عن السياسي الذي تكون الديمقراطية ضد مصالحه أو تقتضي إبعاده عن الحكم فكيف سيكون رده إن كان يؤمن حقاً برأي الأكثرية ؟! وفي مجال التربية لنا أن نسأل :ماذا عن الأب المتدين، كيف يربي أبناءه، وفي المقابل كيف يربّي الأب الملحد أبناءه ؟ وهل سيسمح كل أب لأبنائه بفعل ما يريدون ويقرّرون حتى لو آمن في داخله بخطأ الأبناء؟ وبالنسبة أيضاً للتعليم علينا أن نتساءل :كيف يجب أن يكون المعلّم ؟ هل يكون خاضعاً للطلاب ويلبّي رغباتهم حتى لو كانت ضد أن يتعلموا ؟!
إن حكم الأكثرية غالباً ما يكون مجلبة للفوضى وبعيداً عن المصلحة العامة وكثيراً ما يلبي الرغبات الزائفة وربما يكون رأي الفيلسوف المؤيد للديمقراطية (برتراند راسل) في كتابه السلطة والفرد مصيباً؛ حينما رأى بأنّ حال الفرد يبقى سيئاً، على الرغم من منحه الديمقراطية؛ لأن السياسي هو الذي يملك القرار في النهاية، وبيده الحرب والسلم. ويرى(راسل) أيضاً أن سيطرة الدولة، يجب أن تصب في إحلال الطمأنينة، وتحقيق العدالة، والمحافظة على مصادر الثروة العامة، كما يرى أن الحضارات انتهت حينما اعتمدت على الثبات والجمود وقتل الروح الفردية، ولكنّه في دعوته إلى الحرية، فإنّه يطالب بتنظيمها كيلا تؤدّي إلى الفوضى.
وربّما كان (إبراهام لنكولن) دقيقاً في وصفه للديمقراطية حينما اختصرها بقوله : "بما أنني لا أودّ أن أكون عبداً فإنني لا أريد أن أكون سيداً وهذه فكرة الديمقراطية ".
وحينما نرى أنّ حكم الأكثرية في الأسرة أو في المدرسة أو في الدولة لا يكون غالباً في الاتجاه الصحيح فنحن هنا لا نروّج للديكتاتوريّة التي نمقتها أشد المقت فهي تقوم على قهر أكبر من خلال القمع وجعل المجتمع ضمن قالب محدّد وضمن أفكار لا تتعارض مع الحاكم الذي لا يقبل النقاش وربّما يستغل السلطة الدينية في تثبيت حكمه وفرض آرائه.  
ولكن الديمقراطية بوضعها الحالي برّرتْ لكثير من الأمور التي تبعث على الاشمئزاز منها ما برّرته للمثليين فسمحت لهم بأن يتزوجوا وأن ينالوا حقوق المثلية الجنسية واعتبرتْ من يعارض ذلك خارجاً عن الأهلية وبعيداً عن روح الثقافة الحديثة مما جعل رؤساء الدول والكنائس تبارك هذا الزواج وتعده قانونياً لا إشكال فيه وهكذا تستمر الأكثرية الشاذة في مطالبها بينما الأقلية التي تمثّل النخبة يتراجع صوتها ومع ذلك يجب أن تكون الأقلية مذعنة للرأي الغالب. هكذا تذوب الفردية مقابل إرادة الجماعة وأصبحت الذاتية التي تنادي بها الحداثة، والحرية الشخصية التي تدعو لها أغلب القوانين محلّ نظر.   
نحن نؤمن بأنّ الفرد هو الأصل للجماعة ولكنّ الفرد ينصاع لرأي الأكثرية فيضيع مفهوم الذاتية.
وهكذا يكون الفرد مقهوراً في مسيرة حياته فهو قد جاء إلى الحياة دون إذنه ويذهب دون رغبته ويمرض ويصاب بالفقر ويهرم ويأتي من أبوين لم يخترهما بل هو فوق ذلك يحمل جيناتهما وحتى حينما تم إقرار النظام الديمقراطي فهو ليس إلا إذعان الفرد للأكثرية التي قد تكون تائهة في قراراتها وهذا ما دفع "جورج برنارد شو" لقوله : ( من عيوب الديمقراطية أنها تجبرك على الاستماع لرأي الحمقى) وستمثل الديمقراطية الفقراء لأنهم الغالبية كما يقول أرسطو، وقد قال أحدهم: ( انتصرت الرأسمالية في أمريكا على الديمقراطية كما انتصرتْ من قبل على الشيوعية).
وأنا هنا لا أنتصر للديكتاتورية البشعة فأسوأ ديمقراطية هي أفضل من أعدل الديكتاتوريات كما يقول الماغوط، وليس هنالك - كما يقول الكواكبي – أشد من مستبدّ يؤمن بحكم الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية.
فالديمقراطية على ما فيها من منافع إلا أنها تصادر رأي الفرد لحكم الأكثرية التي قد تضل الطريق أما الديكتاتورية فإنها تصادر كل الحريات؛ فليست هنالك أكثرية، وليست هنالك فردية، فالجميع سواء وعليهم أن يقبلوا ما يملي عليهم الحاكم الأعرف بأمور البلد والذي لا يقبل النقاش، ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، وهو المهيمن العزيز الجبّار المتكبّر، الذي بيده كل شيء وليس على الرعية إلا الإذعان والعبودية.
نحن ـ بالفعل ـ مقهورون بين ولادة وموت كالمصابيح التي كلما تعطّل مصباح جيء بآخر ليبقى النور، وكأنّنا – كذلك - في طابور كبير يتقدّم كل فرد فيه نحو حفرة صغيرة حيث يتحلّل فيها ثم يأتي آخر ليأخذ دوره في الطابور .
العمر قصير جداً، فما الذي ننجزه ؟ وما الذي نختاره ؟ وما الذي نندم عليه حينما نصل إلى نهاية الطابور حيث الهاوية؟
وما اليقين الذي يجب أن نحارب لأجله ؟ ونحن نعلم أنّ المعتقدات كما يقول (غوستاف لوبون) تنشأ من دوافع لا شعورية ويغلب عليها المنطق العاطفي وتختلف عن المعرفة القائمة على التأمّل والمنطق العقلي؛ وهذا ما يجعل أصحاب الأديان والمعتقدات الأخرى كالاشتراكية والشيوعية يدافعون ببسالة عما يعتقدون وكل حزب بما لديهم فرحون، وكل يرى نفسه يمثل الصواب، وهذا ما يدفع البعض لتفجير نفسه فيخسر حياته؛ لأنه يمتلك يقيناً كاملاً بالعاقبة الحسنة التي سينالها.
من كل ما تقدّم سيدرك القارئ أنّنا نمتلك مساحة من القرار الحر؛ ولكنّنا مكبّلون بقوانين وراثية جبرية، وبتنشئة اجتماعية وأسرية، وبمنطق عاطفيّ ودينيّ، ومحكومون كذلك بقانون سياسي، وقد نكون تحت استبداد النظام الديكتاتوريّ، أو تحت حكم الأكثرية في النظام الديمقراطي، وللتوضيح أكثر – وإنْ كان قاسياً – فإنّنا أشبه بالفأر الذي يوضع في مجموعة من الدهاليز ليصل في نهاية المطاف إلى غذائه، فهو يمتلك الحرية في الذهاب هنا وهناك وينتقل من ممر إلى آخر ولكنه يتحرّك ضمن نطاق محدّد لا يمكنه الخروج منه، وغايته من هذا التحرّك، هو الوصول إلى غايته الغذائية، ولو تأمّلنا في حال الإنسان، فإننا سنراه في مجموعة من الدهاليز التي يمتلك الحرية التامة في التحرك من خلالها إلا أنه في النهاية مؤطّر ومحدود الحركة وليس كل مصيره بيده وليس من الضرورة أن يصل إلى غايته كما وصل فأر التجارب إلى غذائه.


·        سلمان عبد الله الحبيب  

الأحد، 10 سبتمبر 2017

المعضلة الفكرية الكبرى



هنالك معضلات كثيرة تتحيّر فيها العقول؛ إلا أن المعضلة التي سأطرحها، كبيرة جداً، فهي أكبر من المعضلة الأخلاقية لأفلاطون، وأعظم من السؤال الفلسفي، عن بداية الوجود، أو عن مستقبل الكون، وربما تكون أكبر من السؤال الذي طرحه الفيزيائيون، حول إمكانية تفسير جميع الظواهر الفيزيائية، في معادلة واحدة، تحت عنوان( نظرية كل شيء)؛ ليتمكّنوا من سدّ الفجوات التي قد يفسّرها البعض بالخوارق الميتافيزيقية ونحو ذلك.
إنّ المعضلة التي أنا بصددها، هي معضلة وجوديّة، تبدأ من سؤالٍ، كثيراً ما يُطرح حينما يسأل أحدهم : ما غاية وجودي؟.
وعلى الرغم، من أنّ هذا السؤال يبدو واضحاً، إلا أنه في الواقع يحمل حيلة لا شعوريّة؛ إذ يفترض فيها الفرد أنه جاء لهدف محدّد، وبالتالي فهو يلغي العبثية، كما أنه يفترض وجود من يحدّد له المصير لوجوده، كإله أو قوة غيبية ما .
إن الذي يسأل عن غاية وجوده، ليس في عقله التساؤل الذي يقول فيه : لماذا وجدت؟ فعلة الوجود القريبة لنا جميعاً، هي ما يتم من تلقيح عند التقاء ذكر وأنثى، ونحن بهذا نتساوى مع بقية الكائنات الحيّة .
إنّ الإجابة بتلك العلة القريبة لوجود الفرد، لا تروي للمتسائل ظمأ فكره الجامح، ولا يشعر بأنها تنتمي إلى زمرة أفكاره ، فهو يسأل عن الهدف من وجوده . ولكن لنا أن نسأله لمن يوجّه هذا السؤال ؟! هل يوجهه نحو إلهه ؟ فإنْ كان موجهاً نحو الإله فقد انتهى الإشكال، وإن كان موجهاً لنفسه، فستكون الغاية هي ما يراها مناسبة لوجوده ، وإن كان موجهاً للمجتمع، فينبغي أن يخضع لمعطيات المجتمع وأعرافه، وإن كانتْ موجهة للقانون فعليه أن يخضع للقوانين المتعارف عليها في بلده .
إن السؤال عن الغاية من الشيء، يقتضي أن يكون أحد ما مسؤولاً عن وجودك وهو الذي يحدّد لك الهدف وما ينبغي أن تسير عليه في هذا الوجود.
أنت جئت كما جاءت بقية الحيوانات بالطرق الطبيعية للتكاثر ولكن ما ينبغي أن تسأل عنه بعد أن وجدت : ما الذي ينبغي أن أفعله في هذا الوجود؟! وعلى الرغم من صعوبة هذا السؤال إلا أنه أكثر منطقية من السؤال عن غاية الوجود.
ولو ألقيتَ نظرة كلية شمولية على وجودك، فسترى أنك ضئيل من الناحية الماديّة، كحبة رمل حقيرة أو كذرة ضائعة من ذرّات الكون ، فأنت صغير جداً بالنسبة إلى الأرض التي تعيش فيها، وأصغر كثيراً بالنسبة إلى درب التبانة، وأصغر جداً بالنسبة إلى هذا الكون الفسيح. ولكنّك رغم صغر حجمك الماديّ إلا أنك تملك عقلاً لا يملكه جميع الموجودات وبعقلك تعرف الخير والشر، وتعرف ما يمكن أن تصنعه لحياتك، وما يمكن أن ترسمه لمستقبلك، بما يتناسب مع قدراتك واستعداداتك؛ لأنك الأقدر على معرفة نفسك، ومعرفة الطريق الذي يجب أن تسلكه لصلاح أمورك .
ولست هنا أتبنّى المنهج الوجوديّ الذي يطلق العنان للحرية المطلقة، رغم اتفاقي على أهمية هذه الحرية، التي يجب أن تكون مؤطرة، بالضوابط الأخلاقية والإنسانية، مع اتفاقي بأن الوجود يسبق الماهيّة؛ ممّا يؤكد على ضرورة الإرادة الحرّة التي نحقّق فيها ماهيتنا لا أن نسير على ما يتمّ تلقينه لنا، فالإنسان – في نظر الوجودية – مشروع قائم بذاته ومن الصعب تعميم صورة فرد في سلوكه وأهدافه وتفكيره على بقية الناس وهذا ما لم تلتفتْ إليه العلوم الإنسانية كثيراً.
 يجب أن يكون الإنسان حراً ولكنه في المقابل كائن اجتماعي لا يعيش بمفرده لذلك لا يمكن أن يمارس حريته المطلقة التي يمكن من خلالها أن يتعدّى على حقوق الآخرين.
وإذا نظر الإنسان لهذا الكون الكبير، ونظر لجميع الموجودات فيه، من حيوان ونبات وجماد؛ فسيدرك عظمته؛ إذ إنه على صغر حجمه يستطيع بعقله أن يسيطر على هذا الكون فيكون عملاقاً بينما يتصاغر الكون أمامه وتحت مرأى عينيه.
لقد أصبح الإنسان بعقله طبيباً ومهندساً وصانعاً وتاجراً ومعلماً وكاتباً وسخّر كل شيء لخدمته. ولنا هنا أن نتساءل : أليست تلك غايات لوجود الإنسان؟!
بالطبع تلك غايات لوجود الإنسان وبهذا نقول يجب أن تكون الغاية الوجوديّة منطلقة من الذات لا من الغير، ولا من أي سلطة خارجية ؛فقيمة الإنسان تنبع من داخله ، إذ يحدّد بنفسه ما يريد وما يفعل ، لا ما يُراد له أوما يُفرض عليه رغم عدم اقتناعه به.
وبما أنّ الإنسان يدرك أنّ له عقلاً أكبر من سعة هذا الكون، فلابدّ أن يكون له قرار خاص به، وإلا فهو ليس بحاجة إلى هذا العقل، فيكون – بذلك - كبقية الحيوانات التي تساقُ حيث يريد لها الراعي.
ويجب أن تكون الغاية الوجودية - بالإضافة إلى كونها ذاتية – منسجمة مع القيم الإنسانية والأخلاقية التي أعتقد جازماً بأنها قيم ثابتة ،كالصدق والعدل والكرامة والحق، وأنفي الادّعاء الذي يرى أنّ المعايير الأخلاقية متغيرة حسب الزمان والظروف، كما يرى (نيتشه) في فلسفته، أو كما يدّعي بذلك الوجوديّون.
وربّما كان العرفانيّون والمتصوّفون صادقين إلى حدّ ما في قولهم : إن القلب دليلهم نحو الحقيقة، وهو اعتراف ضمنيّ بالفرد الخاص، لا بالنموذج الإنسانيّ، فكل فرد يرى الطريق الذي يسلكه من خلال ذاته ووجدانه ، ولست هنا بصدد تحليل هذا الاتجاه الديني ولكنّني أريد التأكيد على أهمية الذاتية، بالإضافة إلى التأكيد على ما ينادي به هذا الاتجاه من الحب والخير والقيم الإنسانية النبيلة.
وتلك العقلانية الذاتية في البحث عن غاية الوجود هي ما جعلت (بوذا) يهجر النعيم والثراء ويعيش حالة التقشف والزهد ليصل إلى الحقائق الأربع النبيلة ويضع المنهج الأخلاقي الذي وصل إليه نتيجة التأمّل الذاتي والصفاء النفسي.
وقد يتمادى بعض الفلاسفة والمفكرين في تساؤلاتهم الوجودية فيأتون بمثل هذه الأسئلة التي تبدو كمغالطات أو ألاعيب فكرية مثل قولهم : لماذا وجدنا نحن لا غيرنا ؟ ولماذا تحكمنا تلك القوانين الطبيعية بدلاً من قوانين أخرى؟ وهنالك من يغرق في تساؤله الذي يبدو كمزحة طريفة حيث يقول : هل نحن في عالم واقعي أم نعيش في عالم خياليّ؟ أي بمعنى أنّنا قد نكون في عالم أشبه بالحلم الذي لا ندري متى ينتهي فنرى الواقع، وهذا التساؤل يبدو عند التمعن ضحلاً؛ فما نراه ونسمعه ونتذوّقه، لابدّ أن يكون واقعياً وإلا فإنّنا نعيش في عالم الذهانيّين المليء بالهذاءات والهلوسات.
إن الوجود معضلة كبرى حقاً ، وقد يتساءل فرد ما، عن الفرق بينه وبين الحيوانات أو البكتيريا مثلاً ،وقد يظنّ أنّه مجبورٌ مثلها على مسار محدّد لا يمكنه أن يحيدَ عنه، وهو يشبه في ذلك ما في الطبيعة من حتمية كدوران الأرض وحركة الكواكب وتعاقب فصول السنة وهذا مذهب الفيلسوف (ديفيد هيوم ) حيث يؤمن بالجبرية عند الأفراد التي تقابل الحتمية في الطبيعة وهو متأثر في ذلك بالنظرة الطبيعية والتجريبية ، ولكنه نسي مع غيره من أصحاب هذا المذهب بأنّ الإنسان يختلف عن سائر الموجودات بوعي مستقل وإرادة حرة، فهو يختلف عن الحيوان الذي لا يملك معرفة الطريق الصحيح ويختلف عن الأجهزة الذكية في عالمنا اليوم التي لا تمتلك الوعي ولا الإرادة الحرة.
إنّ الإنسان ليس مبرمجاً، فهو واعٍ بما يكفي، ويمتلك القرار، ويمكن لنا أن نحاسبه على أفعاله، وهو بذلك يختلف عن الحيوانات والكواكب وحركة الكون.
وقد يذهب البعض لجبرية الإنسان من خلال ( الوراثة) التي يرث فيها الفرد جسده وسلوكه إلا أنّ هذه الوراثة هي جزء مما هو مفروض على الإنسان وتبقى هنالك مساحة من الحرية في الاختيار، بمعنى أنّ هذا الإنسان جاء إلى هذا الوجود بما ورثه وهو قابل لاتخاذ قراره بإرادته الحرّة، ولكنّ التنشئة الاجتماعية والأسرية تقوم بترويض إرادته وكبح جماح عقله، وباستطاعته - رغم ذلك - أن يتحرّر من تلك القيود ليحقّق وجوده، فالإنسان – كما يقول الوجوديون – ما شرع في أن يكون، لا ما أراد أن يكون، وبالتالي فوجوده مرتبط بحريته واختياره وما يقوم بتغييره في صفحات التاريخ الواقعية لأنه كائن حر يمكنه تغيير الواقع بالإضافة إلى تغيير ذاته باعتباره مشروعاً متجدّداً قابلاً للتطوّر.
ولا يمكن بعد هذا إلا الإقرار بحرية الإنسان وإرادته وقدرته على الاختيار رغم وجود بعض الأمور التي يخضع لها كالوراثة والقانون والقيم الإنسانية النبيلة ، كما يجب الإيمان بأنّ وجود العقل يوجب الاختيار الذاتيّ وهو ما لا يمكن وجوده في غير الإنسان لذلك لست مع القائلين بأنّ الإنسان محكوم عليه بالضرورة كما يدّعي(سبينوزا)؛ لأنّ عدم الحرية لا معنى لها مع وجود العقل الذي يختار، وهذا لا يعني أيضاً أنّني أؤمن بالحرية المطلقة التي يدّعيها (سارتر) فالفرد حرّ ضمن ضوابط إنسانيّة لا يمكن للعقل إلا أن يقبلها ليكونَ إنساناً قبل أن يحدّد كينونته الفرديّة.


·        سلمان عبد الله الحبيب 

الأحد، 3 سبتمبر 2017

الخلاص في الفكر الديني والفلسفي

 
الفكر الديني والفلسفي
سلمان عبد الله الحبيب 
الحياة مليئة بالصراع والآلام، التي تتنامى يوماً بعد يوم، وهذا ما دعا الفيلسوف (نتيشه)، للمناداة بالرجل الخارق، المتفوق في جسده وعقله ونفسه، معتقداً بأنّ الحياة لا بقاء فيها للضعيف، بل للأقوى والأصلح؛ ولكنّ تلك القوة يواجه بها الفرد – عنده - العقبات دون إيمان بدينٍ ما، بل إنه فوق ذلك، يقتل الشعور بالأمل والتفاؤل، حينما يصف الحياة بالعدمية التي ينجح فيها القويّ، صاحب الإرادة الحرّة، المتجرّد من عواطفه، المبتعد عن الاتباع الأعمى الذي يسود ثقافة المجتمع الذي يعيش فيه ذلك الفرد.
ولست هنا بغرض تقويم ذلك المنهج، إلا أنّني يمكن أن أعلّق عليه، بأنّه يجعلنا نرى الحياة، بصورتها القاتمة، وهذا ما أدّى بالفعل للعنصرية التي تبنّاها هتلر وغيره ، وبالتالي فلا مستقبلَ ينتظرنا بل يجب أن نصنعه نحن بالقوّة؛ وذلك ما يجعل المستقبل، ملكاً لمن أطلق عليهم –نيتشه- بالأقوياء، الذين لا تأخذهم الرحمة بالضعيف، ولا ينساقون لأخلاق العبيد.
كان تبنّي مثل تلك الرؤية، مؤلماً جداً؛ لأنه يلغي شعوراً متوارثاً لدى الناس، وهو التفاؤل الذي تضيق الحياة بدونه ؛ ومن هنا قال أفلاطون : "الحياة أمل فمن فقد الأمل فقد الحياة" وهذا ما يتفق فيه مع قول مصطفى كامل : " لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس " وهو ما عبّر عنه الشاعر الطغرائي في (لاميته) الشهيرة التي يقول فيها :
أعلّل النفــــسَ بالآمــــــــالِ أرقبُها
ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأملِ
وحينما نرجع إلى الوراء في تاريخ الأديان؛ فإنّنا نرى في ( الهندوسية) مثلاً، ذلك التطلّع إلى المستقبل المشرق، من خلال ما يطلقون عليه (موكشا)، وهو الانعتاق من سلسلة التناسخ المعروفة بمسمى (سامسارا). ومن جانب آخر ففي البوذية – أيضاً - شيء من ذلك؛ إذ يأتي ذلك التطلّع من خلال الوصول إلى (النيرفانا)، التي تعدّ تخلّصاً من كل أعباء الحياة، وكأنّها انطفاء من الوجود الماديّ .
وحينما ننتقل إلى الديانة الزرادشتية في كتاب (الأفستا)، فإنّ الإله (أهورا مازدا) يعد أتباعه بمخلّص في آخر الزمان؛ حيث إنّ حياتهم مكونة من أربع دورات، وكل دورة تمثل (3000) آلاف سنة، ويظهر المخلّص الأول في الألف الأولى من الدورة الرابعة من نسل (زرادشت)، الذي تكون نطفته في إحدى البحيرات، وتأتي عذراء لتستحم فيها، ويتم تلقيحها؛ ليكونَ ذلك المخلّص الذي يملأ الأرض بالخيرات، ثم في الألف الثانية من الدورة الرابعة، يأتي مخلّص آخر من نسل (زرادشت) بالطريقة السابقة، ويقوم بدوره في ملء الأرض بالخير والصلاح، ثم ينتهي المطاف بالمخلّص الأخير، في الألف الثالثة من الدورة الرابعة في الحياة الزرادشتية؛ ليعمَّ الأرض بالخير وتنتهي معاناة البشر.  
وفي اليهودية ينتظر اليهود مخلّصهم وهو المسيح الذي يجمع بني إسرائيل من شتاتهم وتفرّقهم ويقوم ببناء الهيكل. وفي المسيحية شيء من هذا، حيث ينتظر المسيحيون ظهور المسيح يسوع؛ ليعمّ الخير في أرجاء الأرض. ولا يختلف المسلمون كثيراً عن تلك النظرة المستقبلية من خلال تطلعهم لظهور المهدي المنتظر في آخر الزمان الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً وينهي الظلم والفوضى.
وحينما نتجوّل في الفكر الفلسفي، فإنّنا نجد شيئاً من هذا وإن اختلفَت التفاصيل ، فهيجل مثلاً في منهجه الدياليكتيكي المثاليّ، يرى أن الكونَ يتطوّر من خلال الصراع ليصل في النهاية إلى الكمال؛ إيماناً منه بوحدة الوجود، وهو يعبّر عن حركة التاريخ وكل الموجودات بأنها تمثّل وجوداً إلهياً، وكأنّ الله يختبر وجوده حسبما يقول؛ لأنّ الأشياء التي هي عين ذات الروح الكلية تتكامل لتصل إلى تلك الروح التي جاءت منها ، وهو بهذه النظرة الفلسفيّة، يرى أنّ ما يحدث من كوارث وأزمات سيأتي بعدها ما ينقضها ثم يأتي نقض النقض وهكذا تستمر الحياة في صراعها نحو الكمال الذي هو الله .
وفي النظرة الماركسية الماديّة، فقد أضافت إلى ماديتها الدياليكتيكية، شيئاً آخر، أطلقت عليه الدياليكتيكية التاريخية التي تبشّر بمجتمع شيوعيّ في نهاية التاريخ يتم فيه إلغاء كل أشكال الملكيّة والتنافس بعد صراع طبقي طويل تنتصر فيه طبقة (البروليتاريا) .
ولن أسترسل كثيراً في عرض الاتجاهات الفكرية المختلفة ، ولكنّي يمكن أن أؤكّد على أمر في غاية الأهمية وهو أنَّ كثيراً من الأديان والفلسفات جاءت لتبشر بغد مشرق قد يطول إلا أنه يبقى أملاً، يمكن انتظاره والتفاؤل به، وهو قبل أن يكون في الأديان والفلسفات، فهو موجود في طبيعة البشر العاديّين، الذين يشاهدون النور وهو يأتي بعد الظلام مما يؤكّد في داخلهم بأن الخير سيأتي مهما طال انتظاره؛ وهذا في نظري ما جعل عبادة الشمس هي الأولى في التاريخ؛ لأنها ترتبط بالأمل الذي ينتظره الإنسان منذ أنْ وُجد على هذه الأرض، وهي النور الأول الذي أبصرته الإنسانية في تاريخها، فأصبح هذا النور يمثل الهداية، والأمل، والصواب والوضوح، والحق، والنصر على الظلم. وهكذا بدأت البشرية بأملٍ ولا زالت إلى يومنا هذا تتطلّع إلى أمل ما وإن اختلف ذلك الأمل إلا أنه يدفعهم لمواصلة الحياة، والمغامرة دون خوف أو كلل؛ لأنهم – بحكم طبيعتهم الفطريّة - يعيشون على أمل، يؤمنون به أشدَّ الإيمان، ويخافون فيه، من رجل - مثل ( نيتشه)- ينتزعه منهم .


·        سلمان عبد الله الحبيب        

الأحد، 27 أغسطس 2017

مجتمع الفضيلة

 
سلمان عبد الله الحبيب
بعد سلسلة من التطور الفكري والثقافي للإنسان، جاءت الأديان لتنظيم حياة البشر، وحفظ الحقوق؛ فأصبحت العقيدة مرتبطة بقوة غيبية ،وبثواب وعقاب من إله مطّلع على كل أمور البشر، مما يجعلهم يكبحون جماح غرائزهم، ويقفون عند كل تصرّف بالسؤال عن مدى كونه مقبولاً أم لا .
 وقبل أن تأتي الشرائع الإبراهيمية (اليهودية والمسيحية والإسلام ) لتكون القوانين التي تحكم الناس وتنظّم حقوقهم باسم الله وإرادته ،كانت هنالك كثير من الشرائع تأخذ روحاً دينية؛ ففي مصر القديمة كان الفراعنة يديرون المعابد ويحكمون باسم الإله ويرون أنفسهم ممثلين لإرادته بل إن بعضهم قام ببناء المعابد مثل رمسيس الثاني. وإذا انتقلنا إلى العراق القديمة فإنّنا نجد شريعة حمورابي البابلية وقد وصف نفسه بأنه خليل الله مما جعل بعض الباحثين يعتقدون بأنه متأثر بصحف النبي إبراهيم الذي كان يسمّى خليل الله كما هو معروف في التاريخ ، وقد سبقت شريعة حمورابي – في العراق القديم - مجموعة من الشرائع منها شريعة الملك ( أور نامو ) مؤسس سلالة أور، والذي بنى معابد الآلهة في المدن السومرية ، وكذلك شريعة الملك ( لبث عشتار ) الذي بدأ مقدمة شريعته بالتفويض الإلهي واختيار الآلهة له ؛ليكون ملكاً يملأ الأرض قسطاً وعدلاً لدى السومريّين.
هكذا جاء الدين ليكون القانون الذي يحتكم إليه الناس. إنه القانون الذي يملك سلطة على الفرد أينما كان ، ومهما فعل ولو كان متخفياً عن الناس . إنّه القانون باسم الدين الذي فيه يرى ( الله أو الرب ) خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وبالتالي تكون سلطة الدين هي السلطة الأقوى في حكم الناس .
ولكن يبقى السؤال الأهم : لماذا نرى المتدينين والمجتمعات الدينية أسوأ من غيرها أخلاقياً ؟
إنّنا قد نجد غير المتديّنين في كثير من الأحيان أكثر أخلاقاً من أولئك الذين يتشدّقون باسم الدين، ويحفظون تعاليمه عن ظهر قلب، وهنا تظهر لدينا معضلة أفلاطون الأخلاقية في حواره السقراطي الشهير الذي سأل فيه سقراط تلميذه : ( أيختار الإله الفعل الصالح لأنه صالح أم أن الفعل صالح لأن الإله اختاره ؟ وحينما أجاب التلميذ بقوله : الفعل صالح لأنّ الله اختاره ، رد عليه سقراط بالقول : إذاً التفريق بين الصالح والطالح لا معنى له ؛إذ قد يصبح ما هو غير أخلاقي - كالسرقة مثلاً - أخلاقياً لو أراده الإله ، وحينما ردّ التلميذ مستدركاً قوله الأول، بأنّ الله يختار الفعل الصالح لأنه صالح ،أجابه سقراط : إذاً الصلاح مستقل عن الإله؛ وبهذا لا نحتاج إلى الإله لنصل إلى الصلاح ) ومضمون هذا الحوار يؤكّد على أنّ العقل هو المصدر الحقيقي لمعرفة الخير والشر كما أشار لذلك ( كانط ) في منهجه العقلي .   
ولكن لا زال التساؤل قائماً: لماذا يصبح المتدينون أكثر شراً رغم معرفتهم بالصواب والخطأ في شريعتهم الإلهية ؟!
وقبل الإجابة عن هذا السؤال الحسّاس يجب أن ألمح إلى أنّني لا أقصد من سؤالي المساس بأيّ دين أو عقيدة ولكنّني أريد تسليط الضوء على سلوك المتديّن ليس إلا .
إنّ ما يجعل المتدينين يمارسون الشر هو أنّهم يبرّرون كل ممارساتهم الخاطئة  بغطاء شرعي؛ ليسكتوا ضمائرهم، فتكون بذلك منتهية الصلاحية ،ومن هنا تتغلّب غرائز الشر على سلطة ( الأنا الأعلى) أو الضمير الذي يعد عند (بتلر) الملكة العقلية الفطريّة التي تميز بين الخير والشر وتدعو الإنسان لعمل الصواب وتجنّب الخطأ .
وممّا أدّى – كذلك -  إلى أن يصبح  بعض المتدينين أشراراً، هو اعتقاد كل صاحب دين، أو مذهب،  أنه يمتلك الحق المطلق، ولا يقبل النقاش في دينه أو مذهبه، ولا في ما يذهب إليه من معتقدات ضد الإنسانية، وضد الطبيعة البشرية. وهذا الغرور يؤدّي بالمتديّن إلى ممارسة الروح العدائية والتصرّف بعنصرية والتمادي في الأخطاء باعتبار أنّ الإله قد اختار أفراد دين ما ؛ لأنهم شعبه الذي اصطفاه وفضّله على سائر الخلق .
وممّا يؤدّي إلى تلك الروح الشريرة عند المتديّنين أيضاً، ذلك الإيمان المبنيّ على التصديق الأعمى، الذي يجعل الفرد متعصباً لرأي ما، ولا يقبل النقاش فيه، ولا البحث عن الدليل؛ مما يجعله يلتهم كل ما في كتبه القديمة، دون أن يسمح لعقله بالتساؤل البريء؛ وبهذا أصبح المتديّن مبرمجاً على كل ما جاء في تراثه، وإن كان منافياً للعقل والفطرة السليمة ، وفوق كل ذلك فإنه يضيق ذرعاً بأي سؤال خوفاً على نفسه من أن يفقد دينه إن سمح لنفسه بالتفكير وقد يفقد معه كل أمل ينتظره من ربه ، ويفقد كل قوة كان يرى أن الله يسانده فيها، من هنا يقول العالم والطبيب المسلم أبو بكر الرازي : (  إذا سئل أتباع الدين أن يقدموا برهانا على صدق دينهم، فإنهم يغضبون، ويسفكون دم كل من يواجههم بهذا السؤال). وهكذا يكون بعض المتديّنين أعمى أو أضلَّ سبيلا ، وهذا العمى يختاره المتديّن بإرادته؛ ممّا يجعله رهيناً لكل ما يقرأ من كتبه أو يسمع عبر الخطب الدينيّة التي تؤجّج أفكاراً قد تكون ضالة منحرفة بعيدة كل البعد عن الإنسانيّة وعن الخير الذي تدعو إليه الفطرة السليمة .
وقد يأنس بعض المتديّنين بهذا العمى؛ ليستريح من هموم البحث، والشك، والخوف من فقدان الدين، الذي هو مصدر الأمان لديه؛ ولكنّ استراحته تلك قد تكون مدمّرة للحياة ولكل ما هو جميل ، وصدق الشاعر إيليّا أبو ماضي حين قال :
ليس الكفيف الذي أمسى بلا بصرٍ
إنّي أرى من ذوي الأبصار عميانا
ومن الأمور التي تدعو إلى الشر في نفوس بعض المتديّنين ذلك الجمود الذي لا يقبل فيه أولئك المتديّنون بالتجديد ويسعون لمحاربة كل دعوة مستحدثة؛ لأنهم يؤمنون بثبات نصّهم الدينيّ، وبضرورة أن تكون كل دعوة منبثقة منه، وإلا تم إسقاطها، وهذا يعني تنامي الروح العدوانية، تجاه كل جديد، وكل ما هو مختلف عن النصّ الدينيّ .   
وقد يدفع المتديّن إلى الشر قدرته على التوبة المؤجّلة ، التي يلجأ إليها كحيلة قويّة لممارسة المزيد من الأخطاء، وليس باعتبارها ندماً على ما فات؛ وبهذا يلجأ المسلم أو اليهودي إلى الاستغفار والصلوات ويتجه المسيحيّ إلى الاعتراف عند الكاهن في الكنيسة  ليمحو كل أخطائه؛ ولكنّ كل فرد منهم يعود لممارسة الشر، حيث وجد حيلة يلجأ إليها بعد ممارسة جرائمه وأخطائه في كل مرة .
إنّ التوبة لدى بعض المتديّنين ليست سوى وقود لممارسة الشر، بدلاً من أن تكونَ بداية صفحة جديدة لعمل الخير. وهي – بذلك - لا تختلف كثيراً عن الحيل الشرعية التي يخالف فيها المتديّنون دينهم ولكن من خلال النص الدينيّ بحيث يشعرون أنهم لم يرتكبوا خطأً ما.  
 وممّا يشوه إنسانية المتديّن ويدعوه للشر أيضاً، اتباعه لبعض رجال الدين، ممّن يسعون لكسب النفوذ، وجني الأموال، ومداعبة المشاعر، وخلق العداوات، أو من خلال اتباعهم لوعّاظ السلاطين، الذين يزيّنون الباطل، ويشوهون الحق، ويدافعون عمّا يفعله الحاكم الذي - كما يقول ميكافيللي- يتمسّك بالدين، لا من أجل الفضيلة، بل من أجل السيطرة على الناس.
بمثل هذه الممارسات، أصبح الدين أداة مقدّسة لفعل الشر عند بعض الناس، الذين يتغنّون بالفضيلة، وهي منهم براء .
 وما أكثر المجتمعات الدينية التي تمارس الرذيلة، وترتكب الجرائم، وتقوم بأقبح الأفعال، بينما تجد المجتمعات غير الدينية في مقابل ذلك أكثر تحضراً وأكثر رقياً في السلوك، والتعامل الأخلاقي، واحترام القانون. وأنا هنا لا أريد ازدراء الأديان بل أريد وصف الواقع الذي يعيشه المتديّنون الذين جمّدوا عقولهم، دون مساءلة أو نقد يهزّ أفكارهم التي تدمّر البشرية، وتجعل من دينهم أفيوناً لهم، ولمن يأخذ منهم .
وفي النهاية يمكنني أن أقول بأنّ الفضيلة تكمن في عقولنا ، وفي فطرتنا الإنسانية ، وقد يتم تشويه تلك الفضيلة بسلطة الدين، لذلك يجب أن يكون الإنسان واعياً، مستنهضاً عقله؛ ليكون في الطريق الصحيح، وألا يتغنّى بأنّه في مجتمع الفضيلة لمجرّد أنه يعيش في مجتمع يلبس ثوب الدين.


* سلمان عبد الله الحبيب   

الأربعاء، 23 أغسطس 2017

عقلنة غير المعقول

سلمان عبد الله الحبيب 


الخرافات هي اعتقادات خاطئة غير مبنية على حجج عقلية منطقية ،ومع ذلك يؤمن بها أصحابها إيماناً أعمى .
وقد نشأت تلك الخرافات منذ القدم، إلا أنها لا تزال في وقتنا الحاضر تسجّل حضوراً ليس بالقليل، رغم ما وصلنا إليه من علم، ومعرفة، وسعة اطلاع، في شتى المجالات .
والأسباب التي أدّت إلى نشوء الخرافات عبر الأجيال ،عدة أمور منها :المخاوف التي تعتري الإنسان في فترات حياته، حيث أدّت تلك المخاوف إلى ظهور قصص الجن والعفاريت ونحو ذلك. ومن الأسباب – أيضاً - محاولات التفسير التي تفتقد المعارف العلمية بما فيها من قوانين، كالتي كان يفسر بها الأقدمون ما يحدث من برق ورعد ومطر وليل ونهار ورياح ونحو ذلك ،فيأتون بأسباب أسطورية وميتافيزيقية، لا تمّت للعلم بصلة إلا أنها أسباب وجيهة بالنسبة لهم؛ إذ ينسبون كل ما يحدث إلى آلهة أو أرواح أو جن أو نحو ذلك من الأسباب القريبة إلى مستوى عقولهم. ومن أسباب نشوء الخرافات أيضاً ما يحدث من سوء ربط بين أمرٍ ما وحدث معيّن، وهو اقترانٌ كشفتْ عنه المدرسة السلوكية في تجارب العالم (سكينر)، فمثلاً لو حكّ رجل ما باطن يده اليمنى فأتاه رزق، فقد ينسب ذلك الرزق إلى حكّ يده، ويقوم بتعميم ذلك الأمر فيذيع لمن حوله بأنّ حك اليد اليمنى يأتي بالرزق وهذا أمرٌ مجرّب وبالدليل القطعيّ، وبهذا تنتشر الخرافة في أوساط الناس ممّن ألفوا التصديق بدوغمائية لا تقبل الشك ،ولا المناقشة. ومن أمثلة سوء الربط - أيضاً - ما يحدث في المجتمع الغربي من التشاؤم من الرقم (13) والذي تعود أصل حكايته لما حدث لليسوع في العشاء الأخير، وقد كان هو الثالث عشر بين حواريّيه. ومن ذلك – أيضاً-  ما هو شائع عند العرب قديماً من التطيّر والتشاؤم، والأمثلة على ذلك كثيرة يصعب حصرها.
وهكذا تتعدّد أسباب الخرافات التي تتخذ أشكالاً مختلفة وتمتدّ في كل الشعوب والثقافات مما يجعلها قوية راسخة تنتقل عبر الأجيال . وإنك لو بذلتَ كل وقتك من أجل تفنيد مثل هذه الخرافات ، فستجد نفسك تغرّد خارج السرب، وستكون مهزوماً لا محالة، فكما قال سيروس : ( دائماً ما يضيع الحق في المناقشات) وبالتأكيد فإنّ كلّ حججك العقلية لا تلقى أذناً صاغية، ولا عقلاً يعي ، فهي حجج - في نظر المؤمنين بالخرافات- من شخص متفلسف متغطرس يريد تسفيه أحلامهم .
وقد اجتاحت الخرافات العلوم ومن ذلك ما ينتشر في كثير من الأوساط العلمية بأننا نستخدم من عقولنا مجرد 10% بينما ذلك في الواقع ليس سوى مجرّد خرافة؛ فنحن نستخدم - وبقدرٍ كافٍ - كلّ أجزاء الدماغ . ومن الأخطاء العلمية أيضاً والتي لا زالت محطّ جدل في الأوساط العلمية ما يتمّ تفسيره بخصوص الأمراض النفسية حيث قيل بأنّ السبب لتلك الأمراض، هو خلل كيميائي في الدماغ؛ وهذا ما يجعل الدواء – حسب ظنّ القائلين- يقوم بالتغيير الكيميائي في الدماغ ليتمّ من خلاله العلاج، مع أن ما يحدثه ذلك الدواء من تغييرات كيميائية لا يمكن أن يكون دليلاً على أنّ ذلك هو السبب ويبقى المرض والدواء محل دراسة وتفسير.
وهنالك الكثير من الخرافات التي لبست ثوب العلم وأصبح الناس يحتجّون بها في كل محفل ويدّعون فيها مدى ما يملكون من حقائق لدعمها وإثباتها.
وهنالك خرافات – كذلك - تسلّلت للدين الذي هو في حقيقته ارتباط بين العبد وربّه ، فيدّعى فرد ما – مثلاً - بالكرامات التي تجري على يده من شفاء المرضى وإحياء الموتى ومساعدة المنكوبين ونحو ذلك من خرافات يتم التدليس بها على الحمقى والمغفّلين، بالإضافة إلى ذلك ما تمّ استحداثه من طقوس غير عقلانية جاءت باعتبارها تطوراً طبيعياً لظروف وممارسات سابقة ، فجاء من يدافع عن تلك الطقوس والأفكار بكل بسالة؛ ليحظى بلقب الحارس الأمين على دينه . وممّا يؤسف له أنّك تجد أناساً متعلّمين - من أطباء ومعلمين ومهندسين وغيرهم – يحاولون وضع التبريرات والتفسيرات المنطقية لتلك الخرافات والخزعبلات التي لا تمتّ للعقل بصلة .
تلك المحاولات التي تبرّر وتفسّر من أجل عقلنة غير العقلي هي محاولات بائسة والأدهى من ذلك هو وقوع أولئك الطبقة المتعلّمة في فخ الجهل من خلال محاولاتهم المستميتة في التفسير والتحليل؛ إذ كان من المتوقّع منهم تنوير المجتمع ومحاربة الخرافات وتوعية بسطاء العقول الذين ينعقون مع كل ناعق، ويميلون مع كل ريح .
الجهد الذي يمكن أن تبذله في إثبات أن الماعز يبيض، وأن العصفور يلد، هو إهدار للوقت، وتغييب للعقل، وتخدير للشعوب .
وقد يلجأ البعض لتبرير الخرافات، التي لبست ثوب الدين؛ لأنه يريد الدفاع عن هويته؛ ظنّاً منه أنّ الهجوم على تلك الأوهام - التي أصبحت كالأوثان – يمكن أن تهدّ عرش الدين، وتزعزع الثقة عنده، أو عند الناس ، وهو يرى في نظره أنّ الإيمان بتلك الخرافة عند عامة الناس، خير من تكذيبها، أو التخلّي عنها؛ لأنها تربطهم بالدين أكثر، وتعمّق انتماءهم إليه، ولذلك من الصعب أن يخاطر بهدم الخرافة، التي بهدمها – في نظره – سيتم هدم كل أركان الدين.
وهنالك بعض المنتفعين – للأسف الشديد – من رجال الدين ممّن يرغب في بقاء تلك الخرافات التي تغيّب العقول من أجل السيطرة على أولئك البسطاء، وبذلك يحظى بالسلطة والمال، والسمعة، كما يحظى بدوام بقائه ، ومن هنا يمتطي المنبر، كما يمتطي الفارس جواده، ويأتي بالنصوص المقدّسة، والأدلة العقلية، التي تؤيّد (غير المعقول) فتجعله (معقولاً)، ولكن كيف لنا أن نرضى بمن يبرهن بأمور عقلية على ما هو غير عقلي ؟! وهل لنا أن نطلب الدليل على ما هو غير خاضع للعقل والمنطق ؟!
إنه لمن السخف حقاً أن نبحث عن أدلة لما يخالف العقل من قريب أو بعيد ، ومن السخف أيضاً أن نجعل من الخرافة قضية للنقاش والبحث ، بدلاً من استثمار عقولنا في البحث عما ينفعنا ويثرينا.
وفي النهاية أقول لا يمكن لنا أن نرقى إلا بالنقد والتحليل وإلغاء التعصّب للوصول إلى الحقيقة التي هي بنت البحث كما يقال ، وأنا على ثقة تامّة بأن الحقيقة باقية فهي - كما يقول إيريك فروم – كالزيت تطفو دائماً ،ومع ذلك سيكون هنالك عدد من الذين يعيشون على أوهام الخرافات التي يتداوون بها من صعوبات الحياة كيلا يفيقوا على واقع مرير، وسيكون هنالك أيضاً من يروّج للخرافات ليحظى من خلالها على سلطة يستعبد بها أولئك البسطاء .

* سلمان عبد الله الحبيب